بَاب فِي الضَّرِيرِ يُوَلَّى
بَابٌ : فِي الضَّرِيرِ يُوَلَّى باب في الضرير يولى : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّوْلِيَةِ : أَيْ يُجْعَلُ وَالِيًا وَحَاكِمًا ، وَالضَّرِيرُ الْأَعْمَى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرَّمِيُّ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ ( الْمَخَرِّمِيُّ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ : نِسْبَةً إِلَى الْمَخَرِّمِ مَوْضِعٌ بِبَغْدَادَ . كَذَا فِي الْمُغْنِي ( اسْتَخْلَفَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومِ ) : وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى ( مَرَّتَيْنِ ) : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالسِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي غَزَوَاتِهِ مِنْهَا غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ وَبُوَاطٌ ، وَذُو الْعَسِيرَةِ وَخُرُوجُهُ إِلَى جُهَيْنَةَ فِي طَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ ، وَغَزْوَةُ السَّوِيقِ ، وَغَطَفَانُ وَأُحُدٌ ، وَحَمْرَاءُ الْأَسَدِ ، وَنَجْرَانُ ، وَذَاتُ الرِّقَاعِ ، وَاسْتَخْلَفَهُ حِينَ سَارَ إِلَى بَدْرٍ ، ثُمَّ رَدَّ إِلَيْهَا أَبَا لُبَابَةَ ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ أَيْضًا فِي مَسِيرَتِهِ إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمَّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا بَلَغَ غَيْرُهُ . قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَابْنُ حَجَرٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ عِمْرَانُ بْنُ دَاوُدَ الْقَطَّانُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ عُثْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا وَلَّاهُ لِلصَّلَاةِ بِالْمَدِينَةِ دُونَ الْقَضَاءِ ، فَإِنَّ الضَّرِيرَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ ، لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْأَشْخَاصَ ، وَلَا يُثْبِتُ الْأَعْيَانَ ، وَلَا يَدْرِي لِمَنْ يَحْكُمُ ، وَهُوَ مُقَلَّدٌ فِي كُلِّ مَا يَلِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَالْحُكْمُ بِالتَّقْلِيدِ غَيْرُ جَائِزٍ .
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وَلَّاهُ الْإِمَامَةَ بِالْمَدِينَةِ إِكْرَامًا لَهُ وَأَخْذًا بِالْأَدَبِ فِيمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ : عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ﴾وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِمَامَةَ الضَّرِيرِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .