باب من نذر نذرا لا يطيقه
بَابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ورَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْهِنْدِ ، أَوْقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ باب من نذر نذرا لا يطيقه ( مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ ) : أَيِ النَّاذِرُ ، بِأَنْ قَالَ : نَذَرْتُ نَذْرًا ، أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ ، وَلَمْ يُعَيِّنِ النَّذْرَ أَنَّهُ صَوْمٌ أَوْ غَيْرُهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا كَانَ مِنَ النُّذُورِ غَيْرَ مُسَمًى .
قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فحمله جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ أَوِ الْكَفَّارَةِ ، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَكَثِيرُونَ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ ، كَقَوْلِهِ : عَلَيَّ نَذْرٌ ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ ، وَقَالُوا : هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَنْذُورَاتِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ . انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ الْحَدِيثِ بِالنَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى المقيدِ وَاجِبٌ .
وَأَمَّا النُّذُورُ الْمُسَمَّاةُ إِنْ كَانَتْ طَاعَةً ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورَةٍ فَفِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْدُورَةً وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْبَدَنِ أَوْ بِالْمَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ بِهَا ، وَلَا يَنْعَقِدُ ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً مَقْدُورَةً ، فَالظَّاهِرُ الِانْعِقَادُ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ ؛ لِوُقُوعِ الْأَمْرِ بِهَا فِي قِصَّةِ النَّاذِرَةِ بِالْمَشْيِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورَةٍ فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ ، لِعُمُومِ : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . انْتَهَى . وَكَلَامُهُ هَذَا حَسَنٌ جِدًّا ( وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ) : كَحَمْلِ جَبَلٍ أَوْ رَفْعِ حِمْلٍ أَوِ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ ( فَلْيَفِ بِهِ ) : أَمْرٌ غَائِبٌ مِنْ وَفَى يَفِي ، وَالْمَعْنَى : فَلْيَفِ بِهِ أَوْ لِيُكَفِّرْ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ فِي الْيَمِينِ أَوْلَى ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَعْصِيَةً .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَفِي حَدِيثِ إِسْنَادِ ابْنِ مَاجَهْ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ . انْتَهَى .
( أَوْقَفُوهُ ) : أَيْ أَوْقَفَ هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ ، وَأَمَّا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .