بَاب فِي التِّجَارَةِ يُخَالِطُهَا الْحَلْفُ وَاللَّغْوُ
أول كِتَابُ الْبُيُوعِ بَابٌ : فِي التِّجَارَةِ يُخَالِطُهَا الْحَلْفُ وَاللَّغْوُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ : كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ ، فَمَرَّ بِنَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ . حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْبِسْطَامِيُّ وَحَامِدُ بْنُ يَحْيَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ قَالُوا : نا سُفْيَانُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ وَعَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ بِمَعْنَاهُ قَالَ : يَحْضُرُهُ الْكَذِبُ وَالْحَلْفُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ : اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ . أَوَّلُ كِتَابِ الْبُيُوعِ الْبَيْعُ لُغَةً : مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ ، وَكَذَا فِي الشَّرْعِ ، لَكِنْ زِيدَ فِيهِ قَيَّدُ التَّرَاضِي ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُ دَلَالَةً عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ .
وَالْحِكْمَةُ فِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ أَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ غَالِبًا ، وَصَاحِبُهُ قَدْ لَا يَبْذُلُهُ ، فَفِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ وَسِيلَةٌ إِلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ .
باب في التجارة إلخ ( عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ ) : بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَزَايٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، غِفَارِيٌّ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ ، ( نُسَمَّى ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( السَّمَاسِرَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ ، وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْأُولَى ، وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ ، جَمْعُ سِمْسَارٍ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : السِّمْسَارُ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ الْحَافِظُ لَهُ ، وَهُوَ اسْمُ للذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُتَوَسِّطًا لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ ، وَالسَّمْسَرَةُ ، الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ . انْتَهَى .
( فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ ) : أَيْ مِنِ اسْمِنَا الْأَوَّلِ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : السِّمْسَارُ أَعْجَمِيٌّ ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِيهِمْ عَجَمًا ، فَتَلَقَّوْا هَذَا الِاسْمَ عَنْهُمْ ، فَغَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ . انْتَهَى .
( إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ ) : أَيْ غَالِبًا ، وَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يُورَدُ ، لَا عَنْ رَوِيَّةٍ وَفِكْرٍ ، فَيَجْرِي مَجْرَى اللَّغْوِ ، وَهُوَ صَوْتُ الْعَصَافِيرِ . ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ . قَالَ الْقَارِي : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، وَمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، وَمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ .
انْتَهَى . ( وَالْحَلِفُ ) : أَيْ إِكْثَارُهُ ، أَوِ الْكَاذِبُ مِنْهُ ، ( فَشُوبُوهُ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، أَيِ : اخْلِطُوا مَا ذُكِرَ مِنَ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ ، قَالَهُ الْقَارِي . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى الْبَيْعِ ( بِالصَّدَقَةِ ) : فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِمَّنْ لَا يَرَى الزَّكَاةَ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ كَانَ يَجِبُ فِيهَا صَدَقَةً كَمَا يَجِبُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ لَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ : فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ .
وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ ؛ لِأَنَّهُ إنما أَمَرَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرِ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فِي تَضَاعِيفِ الْأَيَّامِ مِنَ الْأَوْقَاتِ ، لِيَكُونَ كَفَّارَةً عَنِ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ ، فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الَّتِي هِيَ رُبُعُ الْعُشْرِ الْوَاجِبُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَقَدْ وَقَعَ الْبَيَانُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَقَدْ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا الصَّدَقَةَ عَنِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَعُدُّونَهَا لِلْبَيْعِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، ثُمَّ هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ : وَلَا نَعْرِفُ لِقَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ هَذَا .
وَأَخْرَجَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ ابْنَ أَبِي غَرْزَةَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ رَوَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ ، إِلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ . فَمِنْهُمْ مَنْ يجعلهما حَدِيثَيْنِ .
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .