حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيَانِ شَيْئًا وَلَيْسَتْ بينهُمَا بَيِّنَةٌ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ْمِنْهَالِ ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، نا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا ( عَنْ خِلَاسٍ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ابْنِ عَمْرٍو الْهَجَرِيِّ بِفَتْحَتَيْنِ الْبَصْرِيِّ ثِقَةٌ ، وَكَانَ يُرْسِلُ ، مِنَ الثَّانِيَةِ ( اسْتَهِمَا ) أَيِ : اقْتَرِعَا ( مَا كَانَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا كَانَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ، قَالَ بَعْضُ الْأَعَاظِمِ فِي تَعْلِيقَاتِ السُّنَنِ : لَفْظَةُ مَا فِي مَا كَانَ مَصْدَرٌ أَيْ : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِكَانَ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ وَالتَّقْدِيرُ : أَيُّ غِنَاءٍ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَكَسْبُهُ . وَكَانَ هَذِهِ تَامَّةٌ ، وَالضَّمِيرُ فِيهَا عَائِدٌ إِلَى الِاسْتِهَامِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَهِمَا وَجُمْلَةُ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا كَالتَّفْسِيرِ لِجُمْلَةِ مَا كَانَ ، وَالْغَرَضُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ تَقْرِيرُ الْمَعْنَى السَّابِقِ وَتَوْكِيدِهِ . وَالْمَعْنَى أَيُّ كَوْنٍ كَانَ الِاسْتِهَامُ الْمَذْكُورُ ، أَيْ : سَوَاءٌ أَحَبَّا ذَلِكَ الِاسْتِهَامَ أَوْ كَرِهَاهُ .

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَسْتَهِمَانِ عَلَى الْيَمِينِ لَا مَحَالَةَ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِهَامُ الْمَذْكُورُ مَحْبُوبًا لَهُمَا أَوْ مَكْرُوهًا لَهُمَا ، وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا كَانَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ ، وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَرْجِعُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ الْمُدَّعِيَيْنِ ، وَالتَّقْدِيرُ أَيُّ كَوْنٍ كَانَ الْمُدَّعِيَانِ الْمَذْكُورَانِ ، أَيْ سَوَاءٌ أَحَبَّا ذَلِكَ الِاسْتِهَامَ أَوْ كَرِهَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى . ( أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا ) أَيْ : مُخْتَارَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا أَوْ كَارِهَيْنِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الِاسْتِهَامِ هَاهُنَا الِاقْتِرَاعُ ، يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ ، فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حُلِّفَ وَأَخَذَ مَا ادَّعَاهُ ، وَرُوِيَ مَا يُشْبِهُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، قَالَ حَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ : أُتِيَ عَلِيٌّ بِبَغْلٍ وُجِدَ فِي السُّوقِ يُبَاعُ فَقَالَ رَجُلٌ : هَذَا بَغْلِي لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ .

وَنَزَعَ عَلِيٌّ مَا قَالَ بِخَمْسَةٍ يَشْهَدُونَ ، قَالَ : وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ يَدَّعِيهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ بَغْلُهُ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِنَّ فِيهِ قَضَاءً وَصُلْحًا ، وَسَوْفَ أُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ ، أَمَّا صُلْحُهُ أَنْ يُبَاعَ الْبَغْلُ فَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِهَذَا خَمْسَةٌ وَلِهَذَا سَهْمَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحُوا إِلَّا الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ بَغْلُهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ ، فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا فَأَيُّكُمَا يَحْلِفُ أَقْرَعْتُ بَيْنَكُمَا عَلَى الْحَلِفِ ، فَأَيُّكُمَا قُرِعَ حَلَفَ ، قَالَ : فَقَضَى بِهَذَا وَأَنَا شَاهِدٌ ، انْتَهَى . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَإِنَّمَا يُفْعَلُ الِاسْتِهَامُ وَالِاقْتِرَاعُ إِذَا تَسَاوَتْ دَرَجَاتُهُمْ فِي أَسْبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي كُلَّهُ ، فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقُّ ، وَيُرِيدُ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّهُ ، انْتَهَى . قَالَ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ : صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ رَجُلَيْنِ إِذَا تَدَاعَيَا متاعا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَقَالَ الثَّالِثُ : لَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ ، يَعْنِي أَنَّهُ لَكُمَا أَوْ لِغَيْرِكُمَا ، فَحُكْمُهُمَا أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ يَحْلِفُ مَعَهَا ، وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ الْمَتَاعِ ، وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : يُتْرَكُ فِي يَدِ الثَّالِثِ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ : يُجْعَلُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ .

وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : وَبِقَوْلِ عَلِيٍّ قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ ، وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا : إِنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ مَعَ يَمِينِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ : يُتْرَكُ فِي يَدِ الثَّالِثِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي عَيْنِ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ دُونَ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَكَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدَيْهِمَا ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّعٍ فِي نِصْفٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فِي نِصْفٍ ، أَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى دَعْوَاهُ تَسَاقَطَتَا وَصَارَتَا كَالْعَدَمِ ، وَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ نِصْفَيْنِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ وَكَذَا إِذَا لَمْ يُقِيمَا بَيِّنَةً ، وَكَذَا إِذَا حَلَفَا أَوْ نَكَلَا ، انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَحَبَّا أَوْ كَرِهَا فَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : الْإِكْرَاهُ هُنَا لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُكْرَهُ عَلَى الْيَمِينِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إِذَا تَوَجَّهَتِ الْيَمِينُ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرَادَا الْحَلِفَ سَوَاءٌ كَانَا كَارِهَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى الْإِكْرَاهِ ، أَوْ مُخْتَارَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَتَنَازَعَا أَيُّهُمَا يَبْدَأُ فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالتَّشَهِّي بَلْ بِالْقُرْعَةِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : فَلْيَسْتَهِمَا أَيْ : فَلْيَقْتَرِعَا .

وَقِيلَ : صُورَةُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْيَمِينِ أَنْ يَتَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ . فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةً أُخْرَى ، فَيَكُونُ الْقَوْمُ الْمَذْكُورُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ بِعَيْنٍ فِي أَيْدِيهِمْ مَثَلًا ، وَأَنْكَرُوا وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الْيَمِينُ ، فَتَسَارَعُوا إِلَى الْحَلِفِ ، وَالْحَلِفُ لَا يَقَعُ مُعْتَبَرًا إِلَّا بِتَلْقِينِ الْمُحَلِّفِ ، فَقُطِعَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ بِالْقُرْعَةِ ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ بَدَأَ بِهِ ، انْتَهَى .

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْحَدِيثِ : إِنَّ الْقُرْعَةَ فِي أَيِّهِمَا تُقَدَّمُ عِنْدَ إِرَادَةِ تَحْلِيفِ الْقَاضِي لَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحَلِّفُ وَاحِدًا ، ثُمَّ يُحَلِّفُ الْآخَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الثَّانِي بَعْدَ حَلِفِ الْأَوَّلِ قَضَى بِالْعَيْنِ كُلِّهَا لِلْحَالِفِ أَوَّلًا ، وَإِنْ حَلَفَ الثَّانِي فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي الْيَمِينِ فَتَكُونُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا . وَقَدْ حَمَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ الْحَدِيثَ عَلَى الِاقْتِرَاعِ فِي الْمَقْسُومِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَتَرُدُّهُ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ : فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا أَيْ : عَلَى الْيَمِينِ .

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث