بَاب مَا جَاءَ فِي إِسْبَالِ الْإِزَارِ
حدثنا النُّفَيْلِيُّ ، نا زُهَيْرٌ ، نا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ ، لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ أَحَدَ جَانِبَيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي ، إِنِّي لَأَتَعَاهَدُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ : لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ ( مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالْمَدِّ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ وَالْمَخِيلَةُ وَالْبَطَرُ وَالْكِبْرُ وَالزَّهْو وَالتَّبَخْتُرُ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . ( لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) : النَّظَرُ حَقِيقَةٌ فِي إِدْرَاكِ الْعَيْنِ لِلْمَرْئِيِّ ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ عَنِ الرَّحْمَةِ ، أَيْ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ لِامْتِنَاعِ حَقِيقَةِ النَّظَرِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى ، وَالْعَلَاقَةُ هِيَ السَّبَبِيَّةُ ، فَإِنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى غَيْرِهِ وَهُوَ فِي حَالَةٍ مُمْتَهَنَةٍ رَحِمَهُ .
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : عَبَّرَ عَنِ الْمَعْنَى الْكَائِنِ عِنْدَ النَّظَرِ بِالنَّظَرِ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَوَاضِعٍ رَحِمَهُ ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مُتَكَبِّرٍ مَقَتَهُ ، فَالرَّحْمَةُ وَالْمَقْتُ مُتَسَبَّبَانِ عَنِ النَّظَرِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . ( إِنَّ أَحَدَ جَانِبَيْ إِزَارِي ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ سَقَطَتِ النُّونُ بِالْإِضَافَةِ ( يَسْتَرْخِي ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكَانَت سَبَبُ اسْتِرْخَائِهِ نَحَافَةَ جِسْمِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ( إِنِّي لَأَتَعَاهَدُ ذَلِكَ مِنْهُ ) : مِنَ التَّعَاهُدِ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ كَانَ يَسْتَرْخِي أَحَدُ جَانِبَيْ إِزَارِهِ ، إِذَا تَحَرَّكَ يَمْشِي أَوْ غَيْرُهُ ، بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَإِذَا كَانَ مُحَافِظًا عَلَيْهِ لَا يَسْتَرْخِي ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَادَ يَسْتَرْخِي شَدَّهُ .
( قَالَ ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ ) : قَالَ الْقَارِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِرْخَاءَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَضُرُّ ، لَا سِيَّمَا مِمَّنْ لَا يَكُونُ مِنْ شِيمَتِهِ الْخُيَلَاءُ ، وَلَكِنِ الْأَفْضَلُ هُوَ الْمُتَابَعَةُ ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ سَبَبَ الْحُرْمَةِ فِي جَرِّ الْإِزَارِ هُوَ الْخُيَلَاءُ ، كَمَا هُوَ مُقَيَّدٌ فِي الشَّرْطِيَّةِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُصَدَّرِ بِهِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ جَرِّ الثَّوْبِ خُيَلَاءَ ، وَالْمُرَادُ بِجَرِّهِ هُوَ جَرُّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ ، كَمَا سَيَأْتِي . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِسْبَالَ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِمَا فِي صِيغَةِ ( مَنْ ) فِي قَوْلِهِ مَنْ جَرَّ مِنَ الْعُمُومِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْإِسْبَالِ لِلنِّسَاءِ ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ .
وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ خُيَلَاءَ ، يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ جَرَّ الثَّوْبِ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي هَذَا الْوَعِيدِ . قَالَ ابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ : مَفْهُومُهُ أَنَّ الْجَارَّ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ لَا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ ، إِلَّا أَنَّهُ مَذْمُومٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : لَا يَجُوزُ الْإِسْبَالُ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ ، إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ كَعْبَهُ ، وَيَقُولُ : لَا أَجُرُّهُ خُيَلَاءَ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ تَنَاوَلَهُ لَفْظًا ، وَلَا يَجُوزُ لمن تَنَاوُلُهُ لَفْظًا أَنْ يُخَالِفَهُ إِذْ صَارَ حُكْمُهُ أَنْ يَقُولَ : لَا أَمْتَثِلُهُ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ فِيَّ فَإِنَّهَا دَعْوَى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ ، بَلْ إِطَالَةُ ذَيْلِهِ دَالَّةٌ عَلَى تَكَبُّرِهِ ، انْتَهَى . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِسْبَالَ يَسْتَلْزِمُ جَرَّ الثَّوْبِ وَجَرُّ الثَّوْبِ يَسْتَلْزِمُ الْخُيَلَاءَ ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ اللَّابِسُ . وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ التَّقْيِيدِ بِالْخُيَلَاءِ ، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ ، كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ لَحِقَنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ فِي حُلَّةِ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ قَدْ أَسْبَلَ ، فَجَعَلَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ بِنَاحِيةِ ثَوْبِهِ ، وَيَتَوَاضَعُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيَقُولُ : عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَأَمَتِكَ ، حَتَّى سَمِعَهَا عَمْرٌو فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَحْمَشُ السَّاقَيْنِ ، فَقَالَ : يَا عَمْرُو ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قد أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، يَا عَمْرُو ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلَ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : إِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنَاطَ التَّحْرِيمِ الْخُيَلَاءُ ، وَأَنَّ الْإِسْبَالَ قَدْ يَكُونُ لِلْخُيَلَاءِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ قَوْلِهِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، فَيَكُونُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَالًا . وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ إِسْبَالٍ مِنَ الْمَخِيلَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ تَرُدُّهُ الضَّرُورَةُ ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُسْبِلُ إِزَارَهُ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْخُيَلَاءِ بِبَالِهِ ، وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : لِمَا عَرَفْتَ ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَعَدَمُ إِهْدَارِ قَيْدِ الْخُيَلَاءِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَغَايَةُ مَا فِيهِ التَّصْرِيحُ ، بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلَ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مُقَيَّدٌ بِالْخُيَلَاءِ . وَحَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاجِبٌ ، وَأَمَّا كَوْنُ الظَّاهِرِ مِنْ عَمْرٍو أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْخُيَلَاءَ فَمَا بِمِثْلِ هَذَا الظَّاهِرِ تُعَارَضُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ إِسْبَالٍ مِنَ الْمَخِيلَةِ إِنْ فَعَلَهُ قَصْدًا .
وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَتْحِ ، فَأَجَادَ وَأَصَابَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .