حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب ذِكْرِ الْفِتَنِ وَدَلَائِلِهَا

باب ذكر الفتن ودلائلها حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا ، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَهُ ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابي هَؤُلَاءِ ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ ( قَامَ ) : أَيْ خَطِيبًا وَوَاعِظًا ( فِينَا ) : أَيْ فِيمَا بَيْننَا أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يَعِظَنَا وَيُخْبِرَنَا بِمَا سَيَظْهَرُ مِنَ الْفِتَنِ لِنَكُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا فِي كُلِّ الزَّمَنِ ( قَائِمًا ) : هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْكِتَابِ وَالظَّاهِرُ قِيَامًا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مَقَامًا ( شَيْئًا يَكُونُ ) بِمَعْنَى يُوجَدُ صِفَةُ شَيْئًا ، وَقَوْلُهُ ( فِي مَقَامِهِ ) : مُتَعَلِّقٌ بِتَرَكَ ( ذَلِكَ ) : صِفَةُ مَقَامِهِ إِشَارَةً إِلَى زَمَانِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْلُهُ : ( إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ) : غَايَةً لِيَكُونُ ، وَالْمَعْنَى قَامَ قَائِمًا ، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يُحَدِّثُ فِيهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ بِمَا يَظْهَرُ مِنَ الْفِتَنِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ( إِلَّا حَدَّثَهُ ) : أَيْ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْكَائِنَ ( حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ) : أَيِ الْمُحَدَّثُ بِهِ ( قَدْ عَلِمَهُ ) : أَيْ هَذَا الْقِيَامَ أَوْ هَذَا الْكَلَامَ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ ( هَؤُلَاءِ ) : أَيِ الْمَوْجُودُونَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ ، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ مُفَصَّلًا لِمَا وَقَعَ لَهُمْ بَعْضُ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْإِنْسَانِ ، وَأَنَا الْآخَرُ مِمَّنْ نَسِيَ بَعْضَهُ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ( وَإِنَّهُ ) : أَيِ الشَّأْنُ ( لَيَكُونَ مِنْهُ الشَّيْءُ ) وَاللَّامُ فِي لَيَكُونَ مَفْتُوحَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ ، وَالْمَعْنَى : لَيَقَعَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَسِيتُهُ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ : وَإِنَّهُ لَيَكُونَ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ ( فَأَذْكُرُهُ ) : أَيْ فَإِذَا عَايَنْتُهُ تَذَكَّرْتُ مَا نَسِيتُهُ ( إِذَا غَابَ عَنْهُ ) : أَيْ ثُمَّ يَنْسَأ . وَفِيهِ كَمَالُ عِلْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَكُونُ وَكَمَالُ عِلْمِ حُذَيْفَةَ وَاهْتِمَامِهِ بِذَلِكَ وَاجْتِنَابِهِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْفِتَنِ .

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْهَوَاء عَلَى إِثْبَاتِ الْغَيْبِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ ، لِأَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَمَا وَقَعَ مِنْهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنَ اللَّهِ بِوَحْيٍ ، وَالشَّاهِدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ أَيْ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ . فَكُلُّ مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْبَاءِ الْمُنْبِئَةِ عَنِ الْغُيُوبِ لَيْسَ هُوَ إِلَّا مِنْ إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِهِ إِعْلَامًا عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ وَدَلِيلًا عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ : إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَعْلَمُوا الْمُغَيَّبَاتِ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَحْيَانًا ، وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ تَصْرِيحًا بِالتَّكْفِيرِ بِاعْتِقَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ لِمُعَارَضَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ كَذَا فِي الْمُسَايَرَةِ .

وَقَالَ بَعْضُ الْأَعْلَامِ فِي إِبْطَالِ الْبَاطِلِ : مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ أَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الْآيَةَ ، وَ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ الْآيَةَ ، فَلَا يَصِحُّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقَالَ لَهُ : إِنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلِهَذَا لَمَّا قِيلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجَزِ : وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أَنْكَرَ عَلَى قَائِلِهِ وَقَالَ : دَعْ هَذَا وَقُلْ غَيْرَ هَذَا . وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ . نَعَمِ الْإِخْبَارُ بِالْغَيْبِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى جَائِزٌ ، وَطَرِيقُ هَذَا التَّعْلِيمِ إِمَّا الْوَحْيُ أَوِ الْإِلْهَامُ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُ طَرِيقًا إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ .

انْتَهَى . وَفِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ : لَوْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ وَيَكْفُرُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ . انْتَهَى .

قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقَدَرِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ . انْتَهَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث