بَاب فِي حَقِّ الْمَمْلُوكِ
حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ قَالَ : فَقَالَ الْقَوْمُ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، لَوْ كُنْتَ أَخَذْتَ الَّذِي عَلَى غُلَامِكَ فَجَعَلْتَهُ مَعَ هَذَا ، فَكَانَتْ حُلَّةً وَكَسَوْتَ غُلَامَكَ ثَوْبًا غَيْرَهُ . قَالَ : فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : إِنِّي كُنْتُ سَابَبْتُ رَجُلًا وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً ، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَشَكَانِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ قَالَ : إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، فَضَّلَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يُلَائِمْكُمْ فَبِيعُوهُ ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ ( عَنِ الْمَعْرُورِ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ ( بِالرَّبَذَةِ ) بِالْفَتَحَاتِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ ، فِيهِ قَبْرُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَجَعَلْتَهُ مَعَ هَذَا أَيْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا ، ( فَكَانَتْ حُلَّةً ) لِأَنَّ الْحُلَّةَ عِنْدَ الْعَرَبِ ثَوْبَانِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ إِنِّي كُنْتُ سَابَبْتُ ، بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ السَّبِّ ( رَجُلًا ) هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ ، كَمَا سَيَظْهَرُ لَكَ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً ؛ أَيْ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ؛ أَيْ هَذَا التَّعْبِيرُ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَفِيكَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ ، فَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ التَّعْيِيرِ وَتَنْقِيصِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ ، إِنَّهُمْ أَيْ مَمَالِيكُكُمْ ، إِخْوَانُكُمْ : أَيْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ أَوْ مِنْ جِهَةِ آدَمَ ، أَيْ : إِنَّكُمْ مُتَفَرِّعُونَ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ ، فَضَّلَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، بِأَنْ مَلَّكَكُمْ عَلَيْهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يُلَائِمْكُمْ : أَيْ لَمْ يُوَافِقْكُمْ مِنْ مَمَالِيكِكُمْ وَلَمْ يُصَالِحْكُمْ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : يُقَالُ : وَلَاءَمْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ مُلَاءَمَةً ، مِثْلَ صَالَحْتُ مُصَالَحَةً وَزْنًا وَمَعْنًى .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَمِيعِهِمْ : فَمَنْ لَا يُلَائِمُكُمْ إِلَى آخِرِهِ ، وَالرَّجُلُ الَّذِي عَيَّرَهُ أَبُو ذَرٍّ هُوَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْفَصِيحُ عَيَّرْتُ فُلَانًا أُمَّهُ ، وَقَدْ جَاءَ فِي شِعْرِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ : أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْرِ وَاعْتُذِرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ عَبَّادِيًّا ، وَلَمْ يَكُنْ فَصِيحًا ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ، وَأَبُو ذَرٍّ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ نَفْسِهِ فَلَا نَكِيرَ عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .