بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَا : ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُعَاذَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ . وَفِي الْبَاب عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَخْتَارُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ، وَرَأَوْهُ أَفْضَلَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
باب الاستنجاء بالماء : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ) الْأُمَوِيُّ الْبَصْرِيُّ ، صَدُوقٌ ، مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ ، رَوَى عَنْ : عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، وَأَبِي عَوَانَةَ ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، وَعَنْهُ : مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ : لَا بَأْسَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مَاتَ سَنَةَ 244 أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ( عَنْ قَتَادَةَ ) بْنِ دِعَامَةَ السُّدُوسِيِّ الْبَصْرِيِّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، يُقَالُ : وُلِدَ أَكْمَهَ وَهُوَ رَأْسُ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ . قَالَ اِبْنُ الْمُسَيِّبِ : مَا أَتَانَا عِرَاقِيٌّ أَحْفَظُ مِنْ قَتَادَةَ . وَقَالَ اِبْنُ سِيرِينَ : قَتَادَةُ أَحْفَظُ النَّاسِ ، وَقَالَ اِبْنُ مَهْدِيٍّ : قَتَادَةُ أَحْفَظُ مِنْ خَمْسِينَ مِثْلِ حُمَيْدٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 117 سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ ، قُلْتُ : لَكِنَّهُ مُدَلِّسٌ .
( عَنْ مُعَاذَةَ ) بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةِ أُمِّ الصَّهْبَاءِ الْبَصْرِيَّةِ الْعَابِدَةِ . قَالَ اِبْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ ، حُجَّةٌ ، رَوَتْ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَنْهَا أَبُو قِلَابَةَ ، وَيَزِيدُ الرِّشْكُ ، وَأَيُّوبُ وَطَائِفَةٌ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّهَا كَانَتْ تُحْيِي اللَّيْلَ وَتَقُولُ : عَجِبْتُ لِعَيْنٍ تَنَامُ ، وَقَدْ عَلِمَتْ طُولَ الرُّقَادِ فِي الْقُبُورِ .
قَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ : تُوُفِّيَتْ سَنَةَ 83 ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ ) أَيْ لِلنِّسَاءِ ( أَنْ يَسْتَطِيبُوا ) أَيْ أَنْ يَسْتَنْجُوا ، وَالِاسْتِطَابَةُ الِاسْتِنْجَاءُ ( فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ ) أَيْ مِنْ بَيَانِ هَذَا الْأَمْرِ ( كَانَ يَفْعَلُهُ ) أَيْ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْغَيْضَةَ ، فَقَضَى حَاجَتَهُ ، فَأَتَاهُ جَرِيرٌ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَاسْتَنْجَى مِنْهَا وَمَسَحَ يَدَهُ بِالتُّرَابِ .
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ صَدُوقٌ ، إِلَّا أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ بِصَرِيحِ التَّحْدِيثِ ، لَكِنَّ الذَّنْبَ لِغَيْرِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا ، قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ قَالَ : كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ أُخْرَى ، وَمِنْ هاهُنَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْأَئِمَّةِ : إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ حَدِيثٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَخْتَارُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ إِلَخْ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ : مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَتْوَى مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ ، فَيُقَدِّمَ الْحَجَرَ أَوَّلًا ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلَ الْمَاءَ ، فَتَخِفُّ النَّجَاسَةُ ، وَتَقِلُّ مُبَاشَرَتُهَا بِيَدِهِ ، وَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي النَّظَافَةِ ، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَالْمَاءُ أَفْضَلُ ؛ لِكَوْنِهِ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ وَأَثَرَهَا ، وَالْحَجَرُ يُزِيلُ الْعَيْنَ دُونَ الْأَثَرِ ، لَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ .
اِعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ قَدْ بَوَّبَ فِي صَحِيحِهِ بَابَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ الْمَذْكُورَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ ، وَعَلَى مَنْ لَغَى وُقُوعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ، فَقَالَ : إِذًا لَا يَزَالُ فِي يَدِي نَتْنٌ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ : كَانَ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . وَعَنْ اِبْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : مَا كُنَّا نَفْعَلُهُ .
وَنَقَلَ اِبْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ، وَعَنْ اِبْنِ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ أَيْضًا أَرَادَ مَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ .
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .