حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا

بَاب مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا

238 حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَرِيفٍ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِالْحَمْدُ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا .

وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ .

وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِنَّ تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ .

قَالَ أَبُو عِيسَى : سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ : لَوْ افْتَتَحَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ بتسعين اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَلَمْ يُكَبِّرْ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى مَكَانِهِ وَيُسَلِّمَ ؛ إِنَّمَا الْأَمْرُ عَلَى وَجْهِهِ .

وَأَبُو نَضْرَةَ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ .

بَاب مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَرِيفٍ السَّعْدِيِّ ) هُوَ طَرِيفُ بْنُ شِهَابٍ أَوِ ابْنُ سَعْدٍ الْبَصْرِيُّ الْأَشَلُّ ، وَيُقَالُ لَهُ : الْأَعْصَمُ ، ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ : ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَهُمْ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكٌ .

( عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ، اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ - بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - الْعَبْدِيُّ الْعَوقيُّ الْبَصْرِيُّ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ .

قَوْلُهُ : ( مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هُنَاكَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه ، وَرَوَاهُ هَاهُنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه .

( وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ وَغَيْرِهَا ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا بِعِوَضٍ " .

وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَشْهَبَ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا : " أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا مِنْهَا " ، وَلَهُ شَوَاهِدُ فَسَاقَهَا ، انْتَهَى .

وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَقْرَأُ ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَعْنَاكُمْ ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ . وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ لَكِنْ زَادَ فِي آخِرِهِ ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : " لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " . وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ ضَمِيرَ سَمِعْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ . نَعَمْ قَوْلُهُ : مَا أَسْمَعَنَا وَمَا أَخْفَى عَنَّا يُشْعِرُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مُتَلَقًّى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَكُونُ لِلْجَمِيعِ حُكْمُ الرَّفْعِ ، انْتَهَى .

وَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِيهِمَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ .

قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَتَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ .

وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : " قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِـ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " .

قَوْلُهُ : ( وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَجْوَدُ وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ) لِأَنَّ فِي سَنَدِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، طَرِيفًا السَّعْدِيَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ ( وَقَدْ كَتَبْنَاهُ ) أَيْ حَدِيثَ عَلِيٍّ ( أَوَّلُ ) الْبِنَاءُ عَلَى الضَّمِّ أَيْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ( فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ ) أَيْ فِي بَابِ مَا جَاءَ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ( وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِنَّ تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَوَافَقَهُمْ أَبُو يُوسُفَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ رِفَاعَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : " لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرَ " ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ : " ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ " ، وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ " أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالتَّكْبِيرِ ، وَهُوَ قَوْلُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ " ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .

( قَالَ أَبُو عِيسَى : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ ) بن الْوَزِيرِ الْبَلْخِيَّ يُلَقَّبُ بِحَمْدَوَيْهِ ، وَكَانَ مُسْتَمْلِي وَكِيعٍ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ مِمَّنْ جَمَعَ وَصَنَّفَ ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَغُنْدَرٍ وَطَبَقَتِهِمَا ، وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَرْبَعَةُ وَخَلْقٌ ، ( يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ ) الْبَصْرِيَّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ حَافِظٌ عَارِفٌ بِالرِّجَالِ وَالْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ ، ( يَقُولُ : لَوِ افْتَتَحَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ بِتِسْعِينَ اسْمًا مِنْ اسم اللَّهِ وَلَمْ يُكَبِّرْ لَمْ يُجْزِهِ ) يَعْنِي لَفْظَ اللَّهُ أَكْبَرُ مُتَعَيِّنٌ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، لَا يَكُونُ الِافْتِتَاحُ إِلَّا بِهِ ، فَلَوْ قَالَ أَحَدٌ : اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ ، أَوْ قَالَ : الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ مَثَلًا ، لَمْ يُجْزِهِ وَلَمْ يَصِحَّ الِافْتِتَاحُ بِهِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ، وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمَنْصُورُ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ( وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَمَرْتُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى مَكَانِهِ وَيُسَلِّمَ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ " ، فَكَمَا أَنَّ التَّكْبِيرَ مُتَعَيَّنٌ لِلتَّحْرِيمِ وَلِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، كَذَلِكَ التَّسْلِيمُ مُتَعَيَّنٌ لِلتَّحْلِيلِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الصَّلَاةِ ( إِنَّمَا الْأَمْرُ عَلَى وَجْهِهِ ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ

[1/200]

السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِهِ ، يَعْنِي قَوْلَهُ : " تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ " لَا يُؤَوَّلُ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ السَّلَامَ فَرْضٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِهِ ، فَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا ، كَمَا أَنَّ مَا يَدْخُلُ بِهِ فِيهَا يَكُونُ فَرْضًا ، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا - يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ - : إِنَّهُ وَاجِبٌ دُونَ فَرْضٍ ، انْتَهَى كَلَامُ السِّنْدِيِّ .

وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدًا - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَالَا بِجَوَازِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى التَّعْظِيمِ الْخَالِصِ غَيْرِ الْمَشُوبِ بِالدُّعَاءِ ; لِأَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أَيْ : عَظِّمْ ، وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وَذِكْرُ اسْمِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمَنْقُولُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً ، لَا أَنَّهُ الشَّرْطُ دُونَ غَيْرِهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ ، بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ ، فَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ تَحْرِيمُهَا لَفْظُ التَّكْبِيرِ ، بَلْ مَعْنَاهُ تَحْرِيمُهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ .

قُلْتُ : الْحَقُّ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ كَمَا عَرَفْتَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَكْبِيرُ الِافْتِتَاحِ ؛ فَإِنَّهَا مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ الَّتِي فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِيهَا ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّكْبِيرِ فِيهَا تَكْبِيرَ الِافْتِتَاحِ . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَبَّدُ وَيُصَلِّي تَطَوُّعًا فِي جَبَلِ حِرَاءٍ وَغَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَكْبِيرُ الِافْتِتَاحِ ، فَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضًا أَنْ يُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ تَكْبِيرُ الِافْتِتَاحِ ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ الْمُتَعَيَّنُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ خُصُوصُ لَفْظِ التَّكْبِيرِ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ أَلْبَتَّةَ ، وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى فَلَا نُسَلِّمُ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِذِكْرِ اسْمِ رَبِّهِ تَكْبِيرُ الِافْتِتَاحِ ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ ، وَبِالصَّلَاةِ صَلَاةَ الْعِيدِ ، وَبِقَوْلِهِ : تَزَكَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ .

وَأَمَّا جَوَابُهُمْ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ ; بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ ، فَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ لَا سِيَّمَا أَذْكَارُ الصَّلَاةِ وَأَدْعِيَتُهَا هُوَ التَّوْقِيفُ .

فَالْحَاصِلُ : أَنَّ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ ص 264 ج 1 الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ : رَدُّ الْمُحْكَمِ الصَّرِيحِ مِنْ تَعْيِينِ التَّكْبِيرِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَكَبِّرْ ، وَقَوْلُهُ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَقَوْلُهُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ، وَيَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَهِيَ نُصُوصٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، فَرُدَّتْ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى انْتَهَى .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث