بَاب مَا جَاءَ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، وَسُفْيَانَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا ، وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الشَّاعِرُ الْأَعْمَى ، وَاسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَفْضَلُ الصِّيَامِ أَنْ يصُومَ يَوْمًا ، وَيفْطِرَ يَوْمًا ، وَيُقَالُ هَذَا هُوَ أَشَدُّ الصِّيَامِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ) أَيِ الْعَدُوَّ ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : وَإِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَرَهَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَلَهَا مُنَاسَبَةٌ بِالْمَقَامِ وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ خَشْيَتُهُ أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ ، فَيَكُونُ كَمَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ ، كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ : وَكَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى .
إِشَارَةً إِلَى حِكْمَةِ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مُحَصَّلُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْ عَبْدَهُ بِالصَّوْمِ خَاصَّةً ، بَلْ تَعَبَّدَهُ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ ، فَلَوِ اسْتَفْرَغَ جَهْدَهُ لَقَصَّرَ فِي غَيْرِهِ ، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَادُ فِيهِ لِيَسْتَبْقِيَ بَعْضَ الْقُوَّةِ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- : وَكَانَ لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَقَوَّى بِالْفِطْرِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَفْضَلُ الصِّيَامِ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَيُفْطِرَ يَوْمًا وَيُقَالُ هَذَا هُوَ أَشَدُّ الصِّيَامِ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ صِيَامَ دَاوُدَ أَفْضَلُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، بَلْ صَرِيحُهُ ، وَيَتَرَجَّحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ صِيَامَ الدَّهْرِ قَدْ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْحُقُوقِ ، وَبِأَنَّ مَنِ اعْتَادَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَشُقُّ عَلَيْهِ ، بَلْ تَضْعُفُ شَهْوَتُهُ عَنِ الْأَكْلِ ، وَتَقِلُّ حَاجَتُهُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ نَهَارًا ، وَيَأْلَفُ تَنَاوُلَهُ فِي اللَّيْلِ ، بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ لَهُ طَبْعٌ زَائِدٌ بِخِلَافِ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا ، وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ فِطْرٍ إِلَى صَوْمٍ ، وَمِنْ صَوْمٍ إِلَى فِطْرٍ ، انْتَهَى .