بَاب مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنْ الشَّهْرِ ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ ، وَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنْ الشَّهْرِ ، وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ ، وَدَعَى أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنَا الْفَلَاحَ ، قُلْتُ لَهُ : وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : السُّحُورُ . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ؛ فَرَأَى بَعْضُهُمْ : أَنْ يُصَلِّيَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً مَعَ الْوِتْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ علي ، وعمر وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرِينَ رَكْعَةً ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ رحمه الله . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَكَذَا أَدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا بِمَكَّةَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً .
وَقَالَ أَحْمَدُ : رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ ، وَلَمْ يُقْضَ فِيهِ بِشَيْءٍ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : بَلْ نَخْتَارُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ . وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ : أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ إِذَا كَانَ قَارِئًا .
بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَوْلُهُ : ( صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ فِي رَمَضَانَ ( فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا ) أَيْ لَمْ يُصَلِّ بِنَا غَيْرَ الْفَرِيضَةِ مِنْ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْفَرِيضَةَ دَخَلَ حُجْرَتَهُ ( حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ ) أَيْ وَمَضَى اثْنَانِ وَعِشْرُونَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ سَبْعُ لَيَالٍ نَظَرًا إِلَى الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ أَنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَيَكُونُ الْقِيَامُ فِي قَوْلُهُ : ( فَقَامَ بِنَا ) أَيْ لَيْلَةَ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ صَلَاةُ اللَّيْلِ ( حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ) أَيْ صَلَّى بِنَا بِالْجَمَاعَةِ صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَفِيهِ ثُبُوتُ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَوِ اللَّيْلِ ( ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ ) أَيْ مِمَّا بَقِيَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ( وَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ ) وَهِيَ اللَّيْلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ( حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ ) أَيْ نِصْفُهُ ( لَوْ نَفَّلْتَنَا ) مِنَ التَّنْفِيلِ ( بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ ) أَيْ لَوْ جَعَلَتْ بَقِيَّةَ اللَّيْلِ زِيَادَةً لَنَا عَلَى قِيَامِ الشَّطْرِ . وَفِي النِّهَايَةِ : لَوْ زِدْتَنَا مِنَ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ ، سُمِّيَتْ بِهَا النَّوَافِلُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الْفَرَائِضِ .
قَالَ الْمُظْهِرُ : تَقْدِيرُهُ لَوْ زِدْتَ قِيَامَ اللَّيْلِ عَلَى نِصْفِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَنَا ، وَلَوْ لِلتَّمَنِّي ( إِنَّهُ ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ ( مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ ) أَيْ مَنْ صَلَّى الْفَرْضَ مَعَهُ ( حَتَّى يَنْصَرِفَ ) أَيِ الْإِمَامُ ( كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ) ، أَيْ حُصِّلَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ تَامَّةٍ ، يَعْنِي أَنَّ الْأَجْرَ حَاصِلٌ بِالْفَرْضِ وَزِيَادَةُ النَّوَافِلِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَدْرِ النَّشَاطِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ لِحَدِيثٍ وَرَدَ بِذَلِكَ ( حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ ) أَيِ اللَّيْلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَالثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ وَالتَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ( وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ ) وَهِيَ اللَّيْلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ( وَدَعَى أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ ( قُلْتُ ) قَائِلُهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ ( لَهُ ) أَيْ لِأَبِي ذَرٍّ ( مَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ السُّحُورُ ) بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : السَّحُورُ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ نَفْسُهُ ، وَأَكْثَرُ مَا يُرْوَى بِالْفَتْحِ ، وَقِيلَ الصَّوَابُ بِالضَّمِّ ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ الطَّعَامُ ، وَالْبَرَكَةُ وَالْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ ، انْتَهَى . قَالَ الْقَاضِي : الْفَلَاحُ الْفَوْزُ بِالْبُغْيَةِ ، سُمِّيَ السُّحُورُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّوْمِ وَهُوَ الْفَوْزُ بِمَا كَسَبَهُ وَنَوَاهُ وَالْمُوجِبُ لِلْفَلَاحِ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُ الْفَلَاحِ الْبَقَاءُ وَسُمِّيَ السُّحُورُ فَلَاحًا إِذَا كَانَ سَبَبًا لِبَقَاءِ الصَّوْمِ وَمُعِينًا عَلَيْهِ ، انْتَهَى . تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا بَيَانُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تِلْكَ اللَّيَالِي ، لَكِنْ قَدْ وَرَدَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَهُوَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، صَلَّى فِي تِلْكَ اللَّيَالِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ) أَيْ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ التَّرَاوِيحِ ( فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً مَعَ الْوِتْرِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ) ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا لَا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا وَرُوِيَ فِيهِ آثَارٌ ، فَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : أَنَّ مُعَاذًا أَبَا حَلِيمَةَ الْقَارِي كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَعَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ قَبْلَ الْحَرَّةِ يَقُومُونَ بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ يُوتِرُونَ مِنْهَا بِخَمْسٍ ، انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْحَافِظَ الْعِرَاقِيَّ : وَهُوَ أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ .
قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ : كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُ بِسَبْعٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ . وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ الْوِتْرَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ) قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ هَذَا يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ أَيْمَنَ ، قَالَ مَالِكٌ : اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُومَ النَّاسُ فِي رَمَضَانَ بِثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ثُمَّ يُوتِرَ بِهِمْ بِوَاحِدَةٍ ، وَهَذَا الْعَمَلُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْحَرَّةِ مُنْذُ بِضْعٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى الْيَوْمِ ، انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : هَكَذَا رَوَى ابْنُ أَيْمَنَ ، عَنْ مَالِكٍ وَكَأَنَّهُ جَمَعَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْوِتْرِ مَعَ قِيَامِ رَمَضَانَ وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ وَالْوِتْرُ بِثَلَاثٍ وَالْعَدَدُ وَاحِدٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ .
قُلْتُ : تَأْوِيلُ الْعَيْنِيِّ رِوَايَةَ ابْنِ أَيْمَنَ بِقَوْلِهِ : وَكَأَنَّهُ جَمَعَ إلخ يَرُدُّهُ لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ أَيْمَنَ فَتَفَكَّرْ . اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ذَكَرَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ : إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ رَكْعَةً مَعَ الْوَتْرِ ، وَالثَّانِي : عِشْرُونَ رَكْعَةً ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا التِّرْمِذِيُّ فَلَنَا أَنْ نَذْكُرَهَا . قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ : وَرِوَايَةُ ابْنِ أَيْمَنَ ، عَنْ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةُ مَا لَفْظُهُ : وَقِيلَ : سِتٌّ وَثَلَاثُونَ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : لَمْ أُدْرِكِ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ مِنْهَا بِثَلَاثٍ .
وَقِيلَ : أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ . وَقِيلَ : ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى فِي الْعِشْرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الشَّهْرِ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَفْعَلُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ . وَقِيلَ : أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .
وَقِيلَ : عِشْرُونَ ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ . وَقِيلَ : إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ لِنَفْسِهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . وَقَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَصَابِيحِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ : قَالَ الْجَوْزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَحَبُّ إِلَيَّ ؛ وَهُوَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَهِيَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، قِيلَ لَهُ : إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوَتْرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ قَرِيبٌ ، قَالَ : وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُحْدِثَ هَذَا الرُّكُوعُ الكثير انتهى .
قُلْتُ : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ الْأَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ لِنَفْسِهِ ، أَعْنِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ ، بِهَا أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- ، وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الْبَاقِيَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ خَالٍ عَنِ الْكَلَامِ . فَأَمَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً هِيَ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ : مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا الْحَدِيثَ . فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً .
تَنْبِيهٌ : قَدْ ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي عُمْدَةِ الْقَارِي تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ أَسْئِلَةً مَعَ أَجْوِبَتِهَا وَهِيَ مُفِيدَةٌ فَلَنَا أَنْ نَذْكُرَهَا قَالَ : الْأَسْئِلَةُ وَالْأَجْوِبَةُ مِنْهَا : أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأُوَلُ يَجْتَهِدُ فِيهِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ ، وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهَا كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَى اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ مِئْزَرَهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ عَلَى عَادَتِهِ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ يُحْمَلُ عَلَى التَّطْوِيلِ دُونَ الزِّيَادَةِ فِي الْعَدَدِ . وَمِنْهَا : أَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ صَلَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِاللَّيْلِ ، فَفِي حَدِيثِ الْبَابِ : إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَفِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سَأَلَهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ : سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي باللَّيْلَ تِسْعَ رَكَعَاتٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ مَنْ عَدَّهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَرَادَ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- : كَانَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ وَيَرْكَعُ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَأَمَّا رِوَايَةُ سَبْعٍ وَتِسْعٍ فَهِيَ فِي حَالَةِ كِبَرِهِ وَكَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ .
قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْعَيْنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ قَدْ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى ركعتي الْفَجْرِ ، فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اللَّيْلَةَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ أَوْتَرَ ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَفْتَتحُ صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ .
فَقَدْ عُدَّتْ هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ الْخَفِيفَتَانِ ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً . وَلَمَّا لَمْ تُعَدَّ لِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُخَفِّفُهُمَا ، صَارَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ لِنَفْسِهِ ، أَعْنِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً حَدِيثُ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرَ ، فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ اجْتَمَعْنَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُجَ فَلَمْ نَزَلْ فِيهِ حَتَّى أَصْبَحْنَا ثُمَّ دَخَلْنَا فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اجْتَمَعْنَا الْبَارِحَةَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرَجَوْنَا أَنْ تُصَلِّيَ بِنَا .
فَقَالَ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا . قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : إِسْنَادُهُ وَسَطٌ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَلِذَا أَخْرَجَاهُمَا فِي صَحِيحِيهِمَا .
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ هَذَا الْحَدِيثِ فِي فَتْحِ الْبَارِي لِبَيَانِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي صَلَّاهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالنَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ أَوْ حَسَنٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ : فَأَسُوقُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- الْبَابَ وَحَدِيثَهُ أَوَّلًا ، ثُمَّ أَذْكُرُ وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً ، ثُمَّ أَسْتَخْرِجُ ثَانِيًا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، مِنَ الْفَوَائِدِ الْمَتْنِيَّةِ وَالْإِسْنَادِيَّةِ ، مِنْ تَتِمَّاتٍ وَزِيَادَاتٍ وَكَشْفِ غَامِضٍ ، وَتَصْرِيحِ مُدَلِّسٍ بِسَمَاعٍ ، وَمُتَابَعَةِ سَامِعٍ مِنْ شَيْخٍ اخْتَلَطَ قَبْلَ ذَلِكَ ، كُل ذلك مِنْ أُمَّهَاتِ الْمَسَانِيدِ وَالْجَوَامِعِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ وَالْأَجْزَاءِ وَالْفَوَائِدِ ، بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ فِيمَا أُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ ، انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتُ : قَالَ النّيمَوِيُّ فِي آثَارِ السُّنَنِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ : فِي إِسْنَادِهِ لِينٌ . وَقَالَ فِي تَعْلِيقِهِ : مَدَارُهُ عَلَى عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ جَرْحَ ابْنِ مُعِينٍ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَتَوْثِيقَ أَبِي زُرْعَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ .
ثُمَّ قَالَ : قَوْلُ الذَّهَبِيِّ إِسْنَادُهُ وَسَطٌ لَيْسَ بِصَوَابٍ ، بَلْ إِسْنَادُهُ دُونَ وَسَطٍ ، انْتَهَى . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : الذَّهَبِيُّ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ فِي نَقْدِ الرِّجَالِ ، انْتَهَى . فَلَمَّا حَكَمَ الذَّهَبِيُّ بِأَنَّ إِسْنَادَهُ وَسَطٌ بَعْدَ ذِكْرِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ فِي نَقْدِ الرِّجَالِ ، فَحُكْمُهُ بِأَنَّ إِسْنَادَهُ وَسَطٌ هُوَ الصَّوَابُ ، وَيُؤَيِّدُهُ إِخْرَاجُ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا قَالَ النّيمَوِيُّ ، وَيَشْهَدُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ : مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً .
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ أَعْنِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ كَانَ مِنِّي اللَّيْلَةَ شَيْءٌ يَعْنِي فِي رَمَضَانَ ، قَالَ وَمَا ذَاكَ يَا أُبَيُّ ؟ قَالَ نِسْوَةٌ فِي دَارِي ، قُلْنَ : إِنَّا لَا نَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَنُصَلِّي بِصَلَاتِكَ . قَالَ : فَصَلَّيْتُ بِهِنَّ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرْتُ . فَكَانَتْ سُنَّةَ الرِّضَا ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا .
قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَأَمَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فَلِأَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا -رَحِمَهُ اللَّهُ- رَوَى فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَكَانَ الْقَارِي يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ النّيمَوِيُّ فِي آثَارِ السُّنَنِ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .
فَإِنْ قُلْتَ : قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ أَثَرِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- هَذَا : وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، فَقَالَ : إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، انْتَهَى . وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَى غَيْرُ مَالِكٍ فِي هَذَا إِحْدَى وَعِشْرِونَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ إِلَّا مَالِك . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَوَّلًا ، ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُمْ طُولَ الْقِيَامِ ، وَنَقَلَهُمْ إِلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، إِلَّا أَنَّ الْأَغْلَبَ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ : إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَهَمٌ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّ الْأَغْلَبَ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَهَمٌ بَاطِلٌ جِدًّا ، قَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : وَلَا وَهَمَ ، وَقَوْلُهُ : إِنَّ مَالِكًا انْفَرَدَ بِهِ لَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، فَقَالَ : إِحْدَى عَشْرَةَ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الزُّرْقَانِيِّ . وَقَالَ النّيمَوِيُّ فِي آثَارِ السُّنَنِ : مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَهَمِ مَالِكٍ فَغَلَطٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، وَقَالَا : إِحْدَى عَشْرَةَ . كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ .
وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ جَدِّهِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي فِي زَمَنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً . قَالَ النّيمَوِيُّ : هَذَا قَرِيبٌ مِمَّا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَيْ مَعَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، انْتَهَى كَلَامُ النّيمَوِيِّ . قُلْتُ : فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا لَمْ يَنْفَرِدْ بِقَوْلِهِ : إِحْدَى عَشْرَةَ ، بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ مُتْقِنٌ حَافِظٌ إِمَامٌ ، ظَهَرَ لَكَ حَقُّ الظُّهُورِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ قَوْلَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَهَمٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، بَلْ لَوْ تَدَبَّرْتَ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَعْنِي أَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ قَوْلَ غَيْرِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْأَثَرِ إِحْدَى وَعِشْرِونَ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَهَمٌ ، فَإِنَّهُ قَدِ انْفَرَدَ هُوَ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْأَثَرِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ فِيمَا أَعْلَمُ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً حَافِظًا ، لَكِنَّهُ قَدْ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، فَتَغَيَّرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ .
وَأَمَّا الْإِمَامُ مَالِكٌ ، فَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ ، رَأْسُ الْمُتْقِنِينَ وَكَبِيرُ الْمُثْبِتِينَ ، حَتَّى قَالَ الْبُخَارِيُّ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، انْتَهَى . وَمَعَ هَذَا لَمْ يَنْفَرِدْ هُوَ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْأَثَرِ بِلَفْظِ : إِحْدَى عَشْرَةَ ، بَلْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كَمَا عَرَفْتَ . فَالْحَاصِلُ أَنَّ لَفْظَ : إِحْدَى عَشْرَةَ فِي أَثَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمَذْكُورِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مَحْفُوظٌ ، وَلَفْظُ إِحْدَى وَعِشْرونَ فِي هَذَا الْأَثَرِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ وَهَمٌ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِشْرِينَ رَكْعَةً ) أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسْنَاءِ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ عِشْرِينَ رَكْعَةً . قَالَ النّيمَوِيُّ فِي تَعْلِيقِ آثَارِ السُّنَنِ : مَدَارُ هَذَا الْأَثَرِ عَلَى أَبِي الْحَسْنَاءِ ، وَهُوَ لَا يُعْرَفُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ النّيمَوِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْحَسْنَاءِ : إنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مِيزَانِهِ : لَا يُعْرَفُ ، انْتَهَى .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَثَرٌ آخَرُ ، فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- وَدَعَى الْقُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً ، قَالَ : وَكَانَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- يُوتِرُ بِهِمْ . وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ . قَالَ النّيمَوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ : حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ ضَعِيفٌ .
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ يَحْيَى مَرَّةً : لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ضَعِيفٌ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَكْثَرُ حَدِيثِهِ مِمَّا لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ ، انْتَهَى كَلَامُ النّيْمَوِيِّ . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ النّيمَوِيُّ .
فَائِدَةٌ : قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي التَّحْرِيرِ : إِذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ لِلرَّجُلِ : فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَحَدِيثُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلَا يُسْتَشْهَدُ بِهِ وَلَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ . قُلْتُ : فَأَثَرُ عَلِيٍّ هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَلَا يُسْتَشْهَدُ بِهِ وَلَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ فَإِنَّ فِي سَنَدِهِ حَمَّادَ بْنَ شُعَيْبٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ . تَنْبِيهٌ : يُسْتَدَلُّ بِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ عَلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَمَرَ أَنْ يُصَلَّى التَّرَاوِيحَ عِشْرِينَ رَكْعَةً .
وَعَلَى أَنَّهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- صَلَّى التَّرَاوِيحَ عِشْرِينَ رَكْعَةً ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ ضَعِيفَانِ لَا يَصْلُحَانِ لِلِاسْتِدْلَالِ . وَمَعَ هَذَا فَهُمَا مُخَالِفَانِ لِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً .
قَالَ النّيمَوِيُّ فِي آثَارِ السُّنَنِ : رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ النّيمَوِيُّ ، فَهَذَا الْأَثَرُ مُنْقَطِعٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَأَيْضًا هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الَّذِي أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَقَدْ عَرَفْتَ حَالَهُ ، وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ : كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ بِالْمَدِينَةِ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ . قَالَ النّيمَوِيُّ : عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ لَمْ يُدْرِكْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ النّيمَوِيُّ ، فَأَثَرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هَذَا مُنْقَطِعٌ .
وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَأَيْضًا هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي رَمَضَانَ بِنِسْوَةِ دَارِهِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِتَمَامِهِ . وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ قَالَ الْأَعْمَشُ : كَانَ ـ أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ ـ يُصَلِّي عِشْرِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ ، فإِنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يُدْرِكِ ابْنَ مَسْعُودٍ ( وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَعَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُقْسِمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً سِوَى الْوَتْرِ ، انْتَهَى .
وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ ، فَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ . قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : وَهُوَ مَعْلُولٌ بِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ جَدِّ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَلَيَّنَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ ، ثُمَّ إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي رَمَضَانَ ؟ قَالَتْ : مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً . الْحَدِيثَ ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ .
وَقَالَ النّيمَوِيُّ فِي تَعْلِيقِ آثَارِ السُّنَنِ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُشِّيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ جَدِّ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ : تفَردَ بِهِ أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ : قَالَ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ يَحْيَى أَيْضًا لَيْسَ بِثِقَةٍ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ ، وَالدُّولَابِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ سَكَتُوا عَنْهُ ، وَقَالَ صَالِحٌ : ضَعِيفٌ لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ .
ثُمَّ قَالَ الْمِزِّيُّ وَمِنْ مَنَاكِيرِهِ حَدِيثُ : أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً ، انْتَهَى . وَهَكَذَا فِي الْمِيزَانِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، انْتَهَى كَلَامُ النّيمَوِيِّ . وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : ضَعِيفٌ بِأَبِي شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ جَدِّ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلصَّحِيحِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : وَأَبُو شَيْبَةَ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ قَاضِي وَاسِطَ جَدُّ أَبِي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كَذَّبَهُ شُعْبَةُ ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ . وَأَوْرَدَ لَهُ ابْنُ عَدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْكَامِلِ فِي مَنَاكِيرِهِ ، انْتَهَى . وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ أَيْضًا بِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كُنَّا نَقُومُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوَتْرِ وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَعَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ .
قُلْتُ : فِي سَنَدِهِ أَبُو عُثْمَانُ الْبَصْرِيُّ وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ النّيمَوِيُّ فِي تَعْلِيقِ آثَارِ السُّنَنِ : لَمْ أَقِفْ مَنْ تَرْجَمَ لَهُ ، انْتَهَى . قُلْتُ لَمْ أَقِفْ أَنَا أَيْضًا عَلَى تَرْجَمَتِهِ مَعَ التَّفَحُّصِ الْكَثِيرِ وَأَيْضًا فِي سَنَدِهِ أَبُو طَاهِرٌ الْفَقِيهُ شَيْخُ الْبَيْهَقِيِّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَثَّقَهُ . فَمَنِ ادَّعَى صِحَّةَ هَذَا الْأَثَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثِقَةً قَابِلًا لِلِاحْتِجَاجِ .
فَإِنْ قُلْتَ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهِ : كَانَ إِمَامَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي زَمَانِهِ ، وَكَانَ شَيْخًا أَدِيبًا عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ ، لَهُ يَدٌ طُولَى فِي مَعْرِفَةِ الشُّرُوطِ ، وَصَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا ، انْتَهَى . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ ثِقَةً ، قُلْتُ : لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا عَلَى كَوْنِهِ ثِقَةً قَابِلًا لِلِاحْتِجَاجِ ، نَعَمْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِهِ جَلِيلَ الْقَدْرِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الشُّرُوطِ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا كَوْنُهُ ثِقَةً ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي صِحَّةِ هَذَا الْأَثَرِ نَظَرًا وَكَلَامًا ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ . قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ : كُنَّا نَقُومُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً .
قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السّيُوطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَصَابِيحِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْأَثَرِ : إِسْنَادُهُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ ، انْتَهَى . وَأَيْضًا هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ جَدِّهِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : نُصَلِّي فِي زَمَنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَهُوَ أَيْضًا مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ : أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَأَثَرُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . فَإِنْ قُلْتَ : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْأَثَرَ بِسَنَدٍ آخَرَ بِلَفْظِ قَالَ : كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، قُلْتُ : فِي إِسْنَادِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَنْجَوَيْهِ الدَّينَوَرِيُّ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَرْجَمَتِهِ ، فَمَنْ يَدَّعِي صِحَّةَ هَذَا الْأَثَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ كَوْنَهُ ثِقَةً قَابِلًا لِلِاحْتِجَاجِ .
وَأَمَّا قَوْلُ النّيمَوِيِّ : هُوَ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ فِي زَمَانِهِ ، لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ . فَمما لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ . فَإِنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ ثِقَةً .
تَنْبِيهَاتٌ : الْأَوَّلُ : قَالَ النّيمَوِيُّ فِي تَعْلِيقِ آثَارِ السُّنَنِ : لَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ مَا رَوَاهُ السَّائِبُ مِنْ حَدِيثِ عِشْرِينَ رَكْعَةً قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلَفْظِ : إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً ، وَعَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ مِثْلَهُ . وَعَزَاهُ إِلَى الْبَيْهَقِيِّ ، فَقَوْلُهُ : وَعَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ مِثْلَهُ قَوْلُ مُدْرَجٌ لَا يُوجَدُ فِي تَصَانِيفِ الْبَيْهَقِيِّ ، انْتَهَى كَلَامُ النّيمَوِيِّ . قُلْتُ : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ النّيمَوِيُّ .
الثَّانِي : قَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بَيْنَ رِوَايَتَيِ السَّائِبِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، ثُمَّ كَانُوا يَقُومُونَ بِعِشْرِينَ وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ . قُلْتُ : فِيهِ : إِنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ أَوَّلًا بِعِشْرِينَ رَكْعَةً ، ثُمَّ كَانُوا يَقُومُونَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ مُوَافِقًا لِمَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَذَاكَ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فَتَفَكَّرْ .
الثَّالِثُ : قَدِ ادَّعَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عِشْرِينَ رَكْعَةً فِي عَهْدِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ . قُلْتُ : دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى عِشْرِينَ رَكْعَةً وَاسْتِقْرَارُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ بَاطِلَةٌ جِدًّا . كَيْفَ وَقَدْ عَرَفْتَ فِي كَلَامِ الْعَيْنِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ فِي هَذَا أَقْوَالًا كَثِيرَةً ، وَأَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا -رَحِمَهُ اللَّهُ- قَالَ : وَهَذَا الْعَمَلُ يَعْنِي الْقِيَامَ فِي رَمَضَانَ بِثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَالْإِيتَارَ بِرَكْعَةٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْحَرَّةِ مُنْذُ بِضْعٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى الْيَوْمِ ، انْتَهَى .
وَاخْتَارَ هَذَا الْإِمَامُ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ لِنَفْسِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ الْفَقِيهُ يُصَلِّي أَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتَذَكَّرْ بَاقِيَ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْعَيْنِيُّ ، فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عِشْرِينَ رَكْعَةً؟ وَأَيْنَ الِاسْتِقْرَارُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ؟ ( وَقَالَ أَحْمَدُ : رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَانٌ ) أَيْ أَنْوَاعٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ ( لَمْ يَقْضِ ) أَيْ لَمْ يَحْكُمْ أَحْمَدُ ( فِيهِ بِشَيْءٍ ) وَفِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِابْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : كَمْ من رَكْعَةً يُصَلَّى فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ : قَدْ قِيلَ فِيهِ أَلْوَانٌ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ إِنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ . قَالَ إِسْحَاقُ : نَخْتَارُ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ أَخَفَّ ، انْتَهَى . ( وَقَالَ إِسْحَاقُ : بَلْ نَخْتَارُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ رَوَاهُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى بِالنِّسَاءِ فِي رَمَضَانَ بِثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَأَوْتَرَ وَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ( وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ) وَفِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ : وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : يُعْجِبُكَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ أَوْ وَحْدَهُ؟ قَالَ : يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ .
قَالَ : وَيُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ وَيُوتِرَ مَعَهُ . قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ . قَالَ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : يَقُومُ مَعَ النَّاسِ حَتَّى يُوتِرَ مَعَهُمْ وَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : شَهِدْتُهُ يَعْنِي أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- شَهْرَ رَمَضَانَ يُوتِرُ مَعَ إِمَامِهِ إِلَّا لَيْلَةً لَمْ أَحْضُرْهَا . وَقَالَ إِسْحَاقُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- قُلْتُ لِأَحْمَدَ : الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ يُصَلِّي وَحْدَهُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْجَمَاعَةِ يُحْيِي السُّنَّةَ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ كَمَا قَالَ ، انْتَهَى . ( وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ إِذَا كَانَ قَارِئًا ) أَيْ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ .