بَاب مَا جَاءَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نَا هُشَيْمٌ ، نَا خَالِدٌ ، وَمَنْصُورٌ ، وَهِشَامٌ ؛ فَأَمَّا خَالِدٌ ، وَهِشَامٌ فَقَالَا : عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَحَفْصَةَ ، وَقَالَ مَنْصُورٌ : عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ، وَاغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي ، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ ، فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا بِهِ ، قَالَ هُشَيْمٌ : وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ وَلَا أَدْرِي ، وَلَعَلَّ هِشَامًا مِنْهُمْ - قَالَتْ : وَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، قَالَ هُشَيْمٌ : أَظُنُّهُ قَالَ : فَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا ، قَالَ هُشَيْمٌ : فَحَدَّثَنَا خَالِدٌ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ عَنْ حَفْصَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : وَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ . وَفِي الْبَاب عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ ، حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : غُسْلُ الْمَيِّتِ كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : لَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَنَا حَدٌّ مُؤَقَّتٌ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ ، وَلَكِنْ يُطَهَّرُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ قَوْلًا مُجْمَلًا يُغَسَّلُ وَيُنْقَى ، وَإِذَا أُنْقِيَ الْمَيِّتُ بِمَاءٍ القَرَاح أَوْ مَاءٍ غَيْرِهِ أَجْزَأَ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِهِ ، وَلَكِنْ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُغْسَلَ ثَلَاثًا فَصَاعِدًا لَا ينقص عَنْ ثَلَاثٍ ؛ لِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا ، وَإِنْ أَنْقَوْا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَجْزَأَ ، وَلَا يرَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْإِنْقَاءِ ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا ، وَلَمْ يُؤَقِّتْ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَعَانِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : وَتَكُونُ الْغَسَلَاتُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَيَكُونُ فِي الْآخِرَةِ شَيْءٌ مِنْ الكَافُورِ .
باب ما جاء في غسل الميت قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ : خَبَرُ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ؛ فَرَدَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأَنَّهُ قَدْ تَنَاقَضَ فِي مَسَائِلَ قَبِلَ فِيهَا خَبَرَ الْوَاحِدِ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ غُسْلُ الْمَيِّتِ ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ سِوَاهُ . انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( نَا خَالِدٌ ) هُوَ الْحَذَّاءُ ( وَمَنْصُورٌ ) هُوَ ابْنُ زَاذَانَ ( وَهِشَامٌ ) هُوَ ابْنُ حَسَّانَ ( فَأَمَّا خَالِدٌ ، وَهِشَامٌ فَقَالَا عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَحَفْصَةَ ) مُحَمَّدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَحَفْصَةُ هَذِهِ هِيَ بِنْتُ سِيرِينَ ( وَقَالَ مَنْصُورٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ) أَيْ : وَلَمْ يَذْكُرْ حَفْصَةَ ( عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ) فَرَوَى خَالِدٌ ، وَهِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَحَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، وَرَوَى مَنْصُورٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : مَدَارُ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَحَفْصَةَ ابْنَيْ سِيرِينَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْغُسْلِ لِلْمَيِّتِ أَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْأَئِمَّةُ .
قَوْلُهُ : ( تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هِيَ زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ زَوْجُ عُثْمَانَ كَمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ ، وَلَفْظُهُ : دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ ، وَكَذَا وَقَعَ لِابْنِ بَشْكُوَالَ فِي الْمُبْهَمَاتِ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَالدُّولَابِيِّ فِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ : فَيُمْكِنُ تَرْجِيحُ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ تَكُونَ أُمُّ عَطِيَّةَ حَضَرَتْهُمَا جَمِيعًا ، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَتِهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ غَاسِلَةَ الْمَيِّتَاتِ ( مِنْ ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ) أَيْ : إِنْ احْتَجْتُنَّ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ لِلْإِنْقَاءِ لَا لِلتَّشَهِّي فَافْعَلْنَهُ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( وَاغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا لَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ السِّدْرِ فِي جَمِيعِ الْغَسَلَاتِ ، وَالْمُسْتَحَبُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكَرَّةِ الْأُولَى لِيُزِيلَ الْأَقْذَارَ ، وَيَمْنَعَ عَنْهُ تَسَارُعَ الْفَسَادِ ، وَيَدْفَعَ الْهَوَامَّ ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : الْحَدِيثُ يُفِيدُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ لَا أَصْلُ التَّطْهِيرِ ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ كَافٍ فِيهِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَسْخِينَ الْمَاءِ كَذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُ فِي تَحْقِيقِ الْمَطْلُوبِ ، فَكَانَ مَطْلُوبًا شَرْعِيًّا ، وعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَغْلِي ، قِيلَ : يَبْدَأُ بِالْقَرَاحِ أَوَّلًا لِيَبْتَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ أَوَّلًا ، فَيَتِمَّ قَلْعُهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ، ثُمَّ يَحْصُلُ تَطْيِيبُ الْبَدَنِ بَعْدَ النَّظَافَةِ بِمَاءِ الْكَافُورِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُغْسَلَ الْأُولَيَانِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الْهِدَايَةِ ، وأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ يَغْسِلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ ، وَالثَّالِثَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قُلْتُ : قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا نَقْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ : إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ . انْتَهَى ، وسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْمُنْذِرِيُّ .
تَنْبِيهٌ : وَقَعَ فِي الْمِرْقَاةِ الْمَطْبُوعَةِ : قَالَ الْقَاضِي : هَذَا لَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ السِّدْرِ فِي جَمِيعِ الْغَسَلَاتِ إِلَخْ ، قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَ السِّدْرِ فِي جَمِيعِ الْغَسَلَاتِ بِحَذْفِ كَلِمَةِ ( لَا ) ، كَمَا قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : ظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : بِمَاءٍ وَسِدْرٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ : اغْسِلْنَهَا انْتَهَى ( كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيُّ اللَّفْظَيْنِ ، قَالَ : وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فَيَصْدُقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ ( فَآذِنَّنِي ) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الذَّالِ ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْأُولَى أَمْرٌ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ مِنَ الْإِيذَانِ ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ ، وَالنُّونُ الْأُولَى أَصْلِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، وَالثَّانِيَةُ ضَمِيرُ فَاعِلٍ ، وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ ، وَالثَّالِثَةُ لِلْوِقَايَةِ ( فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِزَارُ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ، والْحَقْوُ فِي الْأَصْلِ : مَعْقِدُ الْإِزَارِ ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَارِ مَجَازًا ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( أَشْعِرْنَهَا بِهِ ) أَيْ : بِالْحَقْوِ فِي النِّهَايَةِ أَيْ : اجْعَلْنَهُ شِعَارَهَا ، وَالشِّعَارُ : الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الْجَسَدَ ؛ لِأَنَّهُ يَلِي شَعْرَهُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ : اجْعَلْنَ هَذَا الْحَقْوَ تَحْتَ الْأَكْفَانِ بِحَيْثُ يُلَاصِقُ بَشَرَتَهَا ، وَالْمُرَادُ إِيصَالُ الْبَرَكَةِ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ ) أَيْ : خَالِدٍ ، وَمَنْصُورٍ ، وَهِشَامٍ ( وَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ) الضَّفْرُ : فَتْلُ الشَّعْرِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : مِنَ الضَّفِيرَةِ ، وَهِيَ النَّسْجُ ، وَمِنْهُ : ضَفْرُ الشَّعْرِ ، وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ ( ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ) أَيْ : ثَلَاثَ ضَفَائِرَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا أَيْ : جَانِبَيْ رَأْسِهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ : أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ( فَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا ) أَيْ : فَأَلْقَيْنَا الشَّعْرَ خَلْفَ ظَهْرِهَا ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ضَفْرِ شَعْرِ الْمَيِّتِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا أَعْرِفُ الضَّفْرَ بَلْ يُكَفُّ ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ : يُرْسِلُ شَعْرَ الْمَيِّتِ خَلْفَهَا وَعَلَى وَجْهِهَا مُفَرَّقًا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَكَأَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ أُمُّ عَطِيَّةَ هَلْ اسْتَنَدَتْ فِيهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَمْ فَعَلَتْهُ اسْتِحْسَانًا ، كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ ، لَكِنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُفْعَلَ بِالْمَيِّتِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْقُرَبِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الشَّرْعِ مُحَقَّقٍ ، وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ مَرْفُوعًا كَذَا قَالَ ، وقَالَ النَّوَوِيُّ : الظَّاهِرُ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَقْرِيرُهُ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِلَفْظِ الْأَمْرِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ، وَاجْعَلْنَ شَعْرَهَا ضَفَائِرَ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ سَبْعًا ، وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ انْتَهَى . ( وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
قَوْلُهُ : ( قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : غُسْلُ الْمَيِّتِ كَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ ) يَعْنِي : يُرَاعَى فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ مَا يُرَاعَى فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : لَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَنَا حَدٌّ مُؤَقَّتٌ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : وَلَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَنَا حَدٌّ مَوْصُوفٌ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ ، وَلَكِنْ يُغْسَلُ فَيُطَهَّرُ انْتَهَى . قُلْتُ : بَلْ لَهُ حَدٌّ مَوْصُوفٌ وَصِفَةٌ مَعْلُومَةٌ ، فَيُغْسَلُ الْمَيِّتُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ؛ إِنْ رَأَى الْغَاسِلُ ، وَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهُ ، وَيُغْسَلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَيُجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْكَافُورُ ، وإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً فَيُضَفَّرُ شَعْرُ رَأْسِهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، وَيُجْعَلُ خَلْفَهَا ، وهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا قَدْ جَاءَتْ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ حَدٌّ مَوْصُوفٌ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ ( قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ قَوْلًا مُجْمَلًا يُغَسَّلُ وَيُنَقَّى ) وَلَمْ يُفَصِّلْ وَلَمْ يُبَيِّنْ ( وَإِذَا أُنْقِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِنْقَاءِ ( بِمَاءِ الْقَرَاحِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْقَرَاحُ كَسَحَابٍ : الْمَاءُ لَا يُخَالِطُهُ ثُفْلٌ مِنْ سَوِيقٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْخَالِصُ كَالْقَرِيحِ ( وَلَا يَرَى ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : أَوَلَا يَرَى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ( وَلَمْ يُوَقِّتْ ) مِنَ التَّوْقِيتِ أَيْ : لَمْ يُحَدِّدْ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا هُوَ الْإِنْقَاءُ لَا التَّحْدِيدُ ، فَإِنْ حَصَلَ النَّقَاءُ وَالطَّهَارَةُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَجْزَأَ .
قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَعَانِي الْحَدِيثِ ) الْمُرَادُ بِالْفُقَهَاءِ : الْفُقَهَاءُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالْإِمَامِ مَالِكٍ ، وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدْ صَرَّحَ التِّرْمِذِيُّ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : وَتَكُونُ الْغَسَلَاتُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) أَيْ : قَالَا بِكَوْنِ جَمِيعِ الْغَسَلَاتِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ؛ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاغْسِلْنَهَا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ ، ( وَيَكُونُ فِي الْآخِرَةِ ) أَيْ : فِي الْغَسْلَةِ الْآخِرَةِ ( شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَقَدْ قَالُوا : الْأُولَى بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ ، وقَدْ قَالَ النَّخَعِيُّ : لَا يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي الْمَاءِ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَقْتَضِهِ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ خَلْطِ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ وَالْكَافُورِ . انْتَهَى .