حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ لَهَا

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، نَا اللَّيْثُ بن سعد ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ وَاقِدٍ وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ ذُكِرَ الْقِيَامُ فِي الْجَنَائِزِ حَتَّى تُوضَعَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ . وَفِي الْبَاب عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ أَرْبَعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ : إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا . وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ شَاءَ قَامَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقُمْ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَامَ ، ثُمَّ قَعَدَ ، وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ .

ومَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ : قَامَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَازَةِ ، ثُمَّ قَعَدَ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوم إِذَا رَأَى الْجَنَازَةَ ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ فَكَانَ لَا يَقُومُ إِذَا رَأَى الْجَنَازَةَ .

باب في الرخصة في ترك القيام لها أَيْ : عِنْدَ رُؤْيَةِ الْجِنَازَةِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عَلِيٌّ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَعَدَ ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ قَوْلُ عَلِيٍّ ( ثُمَّ قَعَدَ ) أَيْ : بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ ، ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ -يَعْنِي فِي الْأَمْرِ- أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ . انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْضَاوِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا أَنْ يَجْلِسُوا ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ الْحَدِيثَ ، ومِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : قُعُودُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ ، أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ ، هَكَذَا نَفْعَلُ ، فَقَالَ اجْلِسُوا ، وَخَالِفُوهُمْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ .

انْتَهَى . قُلْتُ : وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ . قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : إِنَّ جِنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَعَمْ ، ثُمَّ جَلَسَ .

قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي الْجِنَازَةِ ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : إِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا ) وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ حَدِيثُ عُبَادَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ : ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ ، وَتَقَدَّمَ هَذَا أَيْضًا ، وَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا أَنْ يَجْلِسُوا ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا أَيْضًا ( وَقَالَ أَحْمَدُ : إِنْ شَاءَ قَامَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقُمْ إِلَخْ ) فَعِنْدَ أَحْمَدَ حَدِيثُ عَلِيٍّ هَذَا لَيْسَ بِنَاسِخٍ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ : وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْجَالِسِ أَنْ يَقُومَ إِذَا رَأَى الْجِنَازَةَ حَتَّى تُخَلِّفَهُ ، وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِنْ قَامَ لَمْ أَعِبْهُ ، وَإِنْ قَعَدَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ ، رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَلْقَمَةَ والْأَسْوَدِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَازِمِيُّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ ، وَهُوَ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، قَالَ : مَرَّتْ بِنَا جِنَازَةٌ ، فَقُمْنَا فَقَالَ : مَنْ أَفْتَاكُمْ بِهَذَا ؟ قُلْنَا : أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، فَقَالَ : مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّةً كَانَ يَتَشَبَّهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلِمَا نُسِخَ ذَلِكَ ونَهَى عَنْهُ . انْتَهَى ، قَالَ الْحَازِمِيُّ : فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُعُودَ أَوْلَى مِنَ الْقِيَامِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُهُ بَعْدَ فِعْلِهِ ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَاجِبًا ، فَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِهِ نَاسِخٌ ، وَإِنْ كَانَ اسْتِحْبَابًا فَالْآخِرُ هُوَ الِاسْتِحْبَابُ ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَا بَأْسَ بِالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، فَالْقُعُودُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ الْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

انْتَهَى .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث