بَاب مَا جَاءَ فِي اسْتِقْرَاضِ الْبَعِيرِ أَوْ الشَّيْءِ مِنْ الْحَيَوَانِ
بَاب مَا جَاءَ فِي اسْتِقْرَاضِ الْبَعِيرِ أَوْ الشَّيْءِ مِنْ الْحَيَوَانِ
1316 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِنًّا فَأَعْطَاهُ سِنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ ، وَقَالَ : " خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً " .
وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وُسُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَرَوْا بِاسْتِقْرَاضِ السِّنِّ بَأْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ .
باب ما جاء في استقراض البعير أو الشيئ من الحيوان
أَيْ : غَيْرِ الْبَعِيرِ .
قَوْلُهُ : ( اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ : مِنْ رَجُلٍ ( سِنًّا ) أَيْ : جَمَلًا لَهُ سِنٌّ مُعَيَّنٌ ( فَأَعْطَى ) وفِي نُسْخَةٍ فَأَعْطَاهُ ( سِنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ ) أَيْ : مِنْ سِنِّ الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَقْرَضَ مِنْهُ ، قَوْلُهُ : ( وفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَرَوْا بِاسْتِقْرَاضِ السِّنِّ بَأْسًا مِنَ الْإِبِلِ ، وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . انْتَهَى ، وقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ ، وفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ : مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ - أنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ إِلَّا الْجَارِيَةَ لِمَنْ يَمْلِكُ وَطْأَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ، ويَجُوزُ إِقْرَاضُهَا لِمَنْ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا كَمَحَارِمِهَا وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى ، والْمَذْهَبُ الثَّانِي - مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ ، وَابْنِ جَرِيرٍ ، وَدَاوُدَ - أَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُ الْجَارِيَةِ ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، والثَّالِثُ - مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَرْضُ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمْ النَّسْخُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . قُلْتُ : جَوَازُ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ هُوَ الرَّاجِحُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ ( وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ ) وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً ، وَهُوَ حَدِيثٌ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنيُّ ، وَغَيْرُهُمَا وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا إِرْسَالَهُ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، وفِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ اخْتِلَافٌ ، وفِي الْجُمْلَةِ هُوَ حَدِيثٌ صَالِحٌ لِلْحُجَّةِ ، وادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، وتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، والْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثِينَ مُمْكِنٌ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ نَسِيئَةً مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثِينَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا بِاتِّفَاقٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ بَقِيَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ وَالسَّلَمِ فِيهِ ، واعْتَلَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا حَتَّى
لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْمِثْلِيَّةِ فِيهِ ، وأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْإِحَاطَةِ بِهِ بِالْوَصْفِ بِمَا يَدْفَعُ التَّغَايُرَ ، وَقَدْ جَوَّزَ الْحَنَفِيَّةُ التَّزْوِيجَ وَالْكِتَابَةَ عَلَى الرَّقِيقِ الْمَوْصُوفِ بِالذِّمَّةِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ .
تَنْبِيهٌ :
قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ الْقَرْضُ إِلَّا فِي الْمَكِيلِ ، أَوْ الْمَوْزُونِ ، قَالَ : وَلَنَا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً ، وَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْبَيْعِ لَا الْقَرْضِ ، يُقَالُ : إِنَّ مَنَاطَهُمَا وَاحِدٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ رُدَّ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ الْحِنْطَةَ لَا يُبَاعُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ نَسِيئَةً ، وَقَرْضُهَا جَائِزٌ فَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً وَقَرْضُهُ جَائِزٌ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ النَّسِيئَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، قَالَ : وَمَحْمَلُ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدِي أَنَّهُ اشْتَرَى الْبَعِيرَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ، ثُمَّ أُعْطِيَ إِبِلًا بَدَلَ ذَا الثَّمَنِ فَعَبَّرَ الرَّاوِي بِهَذَا . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : تَأْوِيلُهُ هَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ يَرُدُّهُ لَفْظُ اسْتَقْرَضَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ .