بَاب مَا جَاءَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : دِيَةُ عَقْلِ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ . حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَبِهَذَا يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافِ ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُ مِائَةِ ، وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ .
قَوْلُهُ : ( ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ ، ثِقَةٌ ، حَافِظٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ) حَرْبِيًّا كَانَ ، أَوْ ذِمِّيًّا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا عَرَفْتَ . قَوْلُهُ : ( وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ ) أَيْ : الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ إِلَخْ .
( دِيَةُ عَقْلِ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ ) وفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ عَقْلُ الْكَافِرِ بِحَذْفِ لَفْظِ الدِّيَةِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ الدِّيَةُ ، وفِي لَفْظٍ قَضَى أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَّارِي . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وفِي رِوَايَةٍ : كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِ مِائَةِ دِينَارٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ ، قَالَ : فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، الْحَدِيثَ ، وفِيهِ تَرَكَ دية أَهْلَ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ قَوْلُهُ : ( وَبِهَذَا يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ) وَحُجَّتُهُ أَحَادِيثُ الْبَابِ ( وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ ) أَيْ : مِنَ الدَّرَاهِمِ ( وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِ مِائَةٍ ) أَيْ : مِنَ الدَّرَاهِمِ .
أَخْرَجَ أَثَرَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذَا الشَّافِعِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَجْعَلُ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَالْمَجُوسِيِّ ثَمَانِ مِائَةٍ ، كَذَا فِي الْمُنْتَقَى ، قَالَ فِي النَّيْلِ : وَأَثَرُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِيصَالِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ وأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مِنْ أَجْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ : فِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةُ دِرْهَمٍ ، وفِي إِسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَحْوَهُ ، وفِيهِ أَيْضًا ابْنُ لَهِيعَةَ وَرَوَى نَحْوَ ذَلِكَ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ ، وفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ( وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ) وَاسْتَدَلُّوا بِأَثَرِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَبِمَا ذَكَرْنَا ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَالُوا : إِطْلَاقُ الدِّيَةِ يُفِيدُ أَنَّهَا الدِّيَةُ الْمَعْهُودَةُ ، وَهِيَ دِيَةُ الْمُسْلِمِ ، ويُجَابُ عَنْهُ أَوَّلًا بِمَنْعِ كَوْنِ الْمَعْهُودِ هَاهُنَا هُوَ دِيَةُ الْمُسْلِمِ ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالدِّيَةِ الْمُتَعَارَفَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ الْمُعَاهَدِينَ ، وَثَانِيًا بِأَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ كُلِّهَا ضَعِيفَةٍ لَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ ذَكَرَهَا الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَبَيَّنَ عِلَلَهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَمَعَ هَذِهِ الْعِلَلِ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُعَارَضَةٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَهُوَ أَرْجَحُ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهِ ، وَكَوْنِهِ قَوْلًا وَهَذِهِ فِعْلًا وَالْقَوْلُ أَرْجَحُ مِنَ الْفِعْلِ . انْتَهَى .