باب فِي كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ
بَاب فِي كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ
1533 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ وَهُوَ يَقُولُ : وَأَبِي وَأَبِي ، فَقَالَ : أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا . وَفِي الْبَاب عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقُتَيْلَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ . وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ولا آثرا يقول : لا آثُرْهُ عَنْ غَيْرِي ، يَقُولُ : لَمْ أَذْكُرْهُ عَنْ غَيْرِي .
بَاب فِي كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ
قَوْلُهُ : ( وَهُوَ يَقُولُ : وَأَبِي وَأَبِي ) الْوَاوُ لِلْقَسَمِ ، يَعْنِي يُقْسِمُ بِأَبِيهِ ، وَيَقُولُ : وَأَبِي وَأَبِي ( فَقَالَ : أَلَا ) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ ( إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : السِّرُّ فِي النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، أَنَّ الْحَلِفَ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ ، وَالْعَظَمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، تَخْصِيصُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ خَاصَّةً ، لَكِنْ قَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ : عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِاللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِهَا بِبَعْضِ الصِّفَاتِ وَكَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : بِاللَّهِ الذَّاتَ لَا خُصُوصَ لَفْظِ اللَّهِ ، وَأَمَّا الْيَمِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ الْمَنْعُ فِيهَا ، هَلِ الْمَنْعُ لِلتَّحْرِيمِ ، قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، كَذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمُ الْكَرَاهَةُ ، وَالْخِلَافُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمُ التَّحْرِيمُ ، وَبِهِ جَزَمَ الظَّاهِرِيَّةُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ( ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا ) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ ، أَيْ حَاكِيًا عَنِ الْغَيْرِ ، أَيْ : مَا حَلَفْتُ بِهَا وَلَا حَكَيْتُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِي . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهَا . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا التَّفْسِيرُ لِتَصْدِيرِ الْكَلَامِ بِحَلَفْتُ ، وَالْحَاكِي عَنْ غَيْرِهِ لَا يُسَمَّى حَالِفًا . وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا أَيْ وَلَا ذَكَرْتُهَا آثِرًا عَنْ غَيْرِي ، أَوْ يَكُونُ ضِمْنَ حَلَفْتُ مَعْنَى تَكَلَّمْتُ ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عُقَيْلٍ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقُتَيْلَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ) أَمَّا حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا : " لَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ " . وَأَمَّا حَدِيثُ قُتَيْلَةَ وَهِيَ قُتَيْلَةُ بِالْمُثَنَّاةِ وَالتَّصْغِيرِ بِنْتُ صَيْفِيٍّ الْأَنْصَارِيَّةُ أَوِ الْجُهَنِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ، فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ ، تَقُولُونَ : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتُ ، وَتَقُولُونَ : وَالْكَعْبَةِ ، فَأَمَرَهُمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا : " وَرَبِّ الْكَعْبَةِ " ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : " مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتُ " .
قَوْلُهُ : ( وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ) هُوَ إِمَامٌ مَشْهُورٌ لَهُ تَصَانِيفُ نَافِعَةٌ : مِنْهَا غَرِيبُ الْحَدِيثِ قَالَ الْحَافِظُ : اسْمُهُ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ الْبَغْدَادِيُّ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مُصَنِّفٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ ، وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي الْكُتُبِ حَدِيثًا مُسْتَنِدًا بَلْ مِنْ أَقْوَالِهِ فِي شَرْحِ الْغَرِيبِ يَقُولُ ( لَا آثُرُهُ عَنْ غَيْرِي ) أَيْ لَا أَنْقُلُهُ عَنْ غَيْرِي ، قَالَ فِي الصُّرَاحِ : الْأَثَرُ نَقْلُ كردن سخن ، وَمِنْهُ حَدِيثٌ مَأْثُورٌ ، أَيْ : يَنْقُلُهُ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ .