بَاب مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الضَّبُعِ
1792 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ جَزْءٍ ، عَنْ أَخِيهِ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ ، فَقَالَ : أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ ؟ وَسَأَلْتُهُ عَنْ أكل الذِّئْبِ ، قَالَ : وَيَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ ؟ هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي إِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَهُوَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ قَيْسِ ، هو ابْنِ الْمُخَارِقِ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ ثِقَةٌ .
قَوْلُهُ : ( ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ الْكُوفِيُّ ( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ) هُوَ الْمَكِّيُّ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ ( عَنْ حِبَّانَ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ
( ابْنِ جَزْءٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ صَدُوقٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ ، وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ ، أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي السُّؤَالِ عَنِ الضَّبِّ وَالْأَرْنَبِ وَالضَّبُعِ وَالذِّئْبِ ، وَضَعَّفَ إِسْنَادَهُ التِّرْمِذِيُّ ، انْتَهَى .
( عَنْ أَخِيهِ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ ) صَحَابِيٌّ لَمْ يَصِحَّ الْإِسْنَادُ إِلَيْهِ ، قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ . وقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْهُ أَخَوَاهُ خَالِدٌ ، وَحِبَّانُ . قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَاوردِيُّ : لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَهُ فِي الْحَشَرَاتِ : فِيهِ نَظَرٌ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : وَلَا أَعْلَمُ لَهُ غَيْرَهُ . وَقَالَ الْأَزْدِيُّ : لَا يُحْفَظُ رَوَى عَنْهُ إِلَّا " حِبَّانُ " وَلَا يُحْفَظُ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ ، فَقَالَ : وَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ ؟ ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ ؟ وفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ ( وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ . ( وَيَأْكُلُ ) وَفِي الْمِشْكَاةِ أَوَ يَأْكُلُ أَيْ أَجَهِلْتَ حُكْمَهُ وَيَأْكُلُ ( الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ ) أَيْ صَلَاحٌ وَتَقْوَى ، صِفَةُ أَحَدٌ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ الضَّبُعِ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي إِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُسْلِمٍ ضَعِيفٌ ، وَابْنَ أَبِي الْمُخَارِقِ سَاقِطٌ ، وَحِبَّانُ بْنُ جَزْءٍ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ ، أَبُو إِسْحَاقَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَأَمَّا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ ، قَالَ : أَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ فَضَعِيفٌ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَ عَلَى ضَعْفِ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَالرَّاوِي عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ ، انْتَهَى . ( وَهُوَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ قَيْسٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَبُو أُمَيَّةَ الْمُعَلِّمُ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَاسْمُ أَبِيهِ قَيْسٌ ، وَقِيلَ : طَارِقٌ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ . وَقَدْ شَارَكَ الْجَزَرِيَّ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ ، فَرُبَّمَا الْتُبِسَ بِهِ عَلَى مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ ، انْتَهَى . ( وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ ثِقَةٌ ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ، وَهُوَ الْخَضْرَمِيُّ بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ، نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنَ الْيَمَامَةِ ، ثِقَةٌ مُتْقِنٌ مِنَ السَّادِسَةِ ، انْتَهَى .
تَنْبِيهٌ :
قَالَ الْقَارِيُّ فِي الْمِرْقَاةِ مُعْتَرِضًا عَلَى قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ : لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ مَا لَفْظُهُ : وَفِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ أَيْضًا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَ الْمُسْتَنَدِ إِلَيْهِ سَابِقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَادِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَيُقَوِّيه رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ : وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ ، وَمَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ ، فَالْأَحْوَطُ حُرْمَتُهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الضَّبُعُ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فَيُفِيدُ مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ ، إِذِ الْمَكْرُوهُ عِنْدَهُ مَا أَثِمَ آكِلُهُ وَلَا يُقْطَعُ بِتَحْرِيمِهِ ، وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ أَئِمَّتِنَا أَنَّ أَكْلَهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لَا أَنَّهُ حَرَامٌ مَحْضٌ لِعَدَمِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ مَعَ اخْتِلَافٍ فِقْهِيٍّ ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِيِّ بِلَفْظِهِ .
قُلْتُ : فِي كَلَامِ الْقَارِيِّ هَذَا أَوْهَامٌ وَأَغْلَاطٌ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ الْحَسَنَ أَيْضًا يُسْتَدَلُّ بِهِ ، فَفِيهِ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ يُسْتَدَلُّ بِهِ ، لَكِنْ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ هَذَا لَيْسَ بِحَسَنٍ بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ كَمَا عَرَفْتَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ اجْتِهَادَ الْمُسْتَنِدِ إِلَيْهِ سَابِقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إِلَخْ فَفَاسِدٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ فِيمَا سَبَقَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ : وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ ؟ فَفِيهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا عَبْدَ الْكَرِيمِ ، فَكَيْفَ يُقَوِّيهِ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَمَمْنُوعٌ ، وَسَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ ، وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَحُرْمَتُهُ مَمْنُوعَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْأَحْوَطُ حُرْمَتُهُ ، ففِيهِ أَنَّ هَذَا إِذَا كَانَ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ ، وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ كِلَاهُمَا صَحِيحَيْنِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ ضَعِيفًا ، وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ صَحِيحًا كَمَا فِي مَا نَحْنُ فِيهِ فَكَوْنُ الْحُرْمَةِ أَحْوَطُ مَمْنُوعٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الضَّبُعُ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا يُفِيدُ إِلَخْ . فَفِيهِ وَهْمٌ فَاحِشٌ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ الشَّيْخَانِ وَلَا غَيْرُهُمَا : الضَّبُعُ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ بَلْ رَوَوْا : الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ ، وَالضَّبُّ غَيْرُ الضَّبُعِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْإِعْلَامِ : وَأَمَّا الضَّبُعُ فَرُوِيَ عَنْهُ فِيهَا حَدِيثٌ صَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ وَجَعَلُوهُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ أَحَادِيثِ التَّحْرِيمِ كَمَا خُصِّصَتِ الْعَرَايَا لِأَحَادِيثِ الْمُزَابَنَةِ ، وَطَائِفَةٌ لَمْ تُصَحِّحْهُ ، وَحَرَّمُوا الضَّبُعَ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ ذَاتِ الْأَنْيَابِ ، وَقَالُوا : وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ ، وَصَحَّتْ صِحَّةً لَا مَطْعَنَ فِيهَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ .
قَالُوا : وَأَمَّا حَدِيثُ الضَّبُعِ فَتَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍة ، وَأَحَادِيثُ تَحْرِيمِ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ كُلُّهَا تُخَالِفُهُ .
قَالُوا : وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ رَفَعَ الْأَكْلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ يَكُونَ إِنَّمَا رَفَعَ إِلَيْهِ كَوْنَهَا صَيْدًا فَقَطْ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا صَيْدًا جَوَازُ أَكْلِهَا ، فظن جَابِرٌ أَنَّ كَوْنَهَا صَيْدًا يَدُلُّ عَلَى أَكْلِهَا فَأَفْتَى بِهِ مِنْ قَوْلِهِ ، وَرَفَعَ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا سَمِعَهُ مِنْ كَوْنِهَا صَيْدًا . فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : آكُلُ الضَّبُعَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : أَصَيْدٌ هِيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ هُوَ كَوْنُهَا صَيْدًا ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ قَالَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَارَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ ، فَقَالَ : هِيَ صَيْدٌ وَفِيهَا كَبْشٌ .
قَالُوا : وَكَذَلِكَ حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ يُرْفَعُه : الضَّبُعُ صَيْدٌ ، فإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ جَزَاءً كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ ، قَالَ الْحَاكِمُ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَقَوْلُهُ : وَيُؤْكَلُ يَحْتَمِلُ الْوَقْفَ وَالرَّفْعَ ، وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يُعَارَضْ بِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ فِي التَّحْرِيمِ .
قَالُوا : وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ جَابِرٍ صَرِيحًا فِي الْإِبَاحَةِ لَكَانَ فَرْدًا ، وَأَحَادِيثُ تَحْرِيمِ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ مُسْتَفِيضَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ ، ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ تَوَاتُرَهَا ، فَلَا يُقَدَّمُ حَدِيثُ جَابِرٍ عَلَيْهَا .
قَالُوا : وَالضَّبُعُ مِنْ أَخْبَثِ الْحَيَوَانِ وَأَشْرَهِهِ ، وَهُوَ مُغْرًى بِأَكْلِ لُحُومِ النَّاسِ وَنَبْشِ قُبُورِ الْأَمْوَاتِ ، وَإِخْرَاجِهِمْ وَأَكْلِهِمْ وَيَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَكْسِرُ بِنَابِهِ .
قَالُوا : وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ ، وَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَوَاتَ الْأَنْيَابِ ، وَالضَّبُعُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا وَهَذَا .
قَالُوا : وَغَايَةُ حَدِيثِ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صَيْدٌ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَكْلُهَا ، وَقَدْ قَالَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ ثَعْلَبًا ، فَقَالَ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ . هِيَ صَيْدٌ وَلَكِنْ لَا يُؤْكَلُ ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الثَّعْلَبِ ، فَقَالَ : الثَّعْلَبُ سَبُعٌ ، فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ سَبُعٌ ، وَأَنَّهُ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ ، وَلَمَّا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا ظَنَّ جَابِرٌ أَنَّهُ يُؤْكَلُ فَأَفْتَى بِهِ .
وَاَلَّذِينَ صَحَّحُوا الْحَدِيثَ جَعَلُوهُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ تَحْرِيمِ ذِي النَّابِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا حَتَّى قَالُوا : وَيَحْرُمُ أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ إِلَّا الضَّبُعَ ، وَهَذَا لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَنْ يُخَصِّصَ مَثَلًا عَلَى مَثَلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ فُرْقَانٍ بَيْنَهُمَا ، وَبِحَمْدِ اللَّهِ إِلَى سَاعَتِي هَذِهِ مَا رَأَيْتُ فِي الشَّرِيعَةِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ أَعْنِي شَرِيعَةَ التَّنْزِيلِ لَا شَرِيعَةَ التَّأْوِيلِ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ أَلْفَاظَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَرِيمَةَ تَبَيَّنَ لَهُ انْدِفَاعُ هَذَا السُّؤَالِ ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَرَّمَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الْوَصْفَيْنِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَابٌ
وَأَنْ يَكُونَ مِنَ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ بِطَبْعِهَا كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ ، وَأَمَّا الضَّبُعُ فَإِنَّمَا فِيهَا أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ وَهُوَ كَوْنُهَا ذَاتَ نَابٍ وَلَيْسَتْ مِنَ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ السِّبَاعَ أَخَصُّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ ، وَالسَّبُعُ إِنَّمَا حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ السَّبُعِيَّةِ الَّتِي تُورِثُ الْمُغْتَذِيَ بِهَا شَبَهَهَا ، فَإِنَّ الْغَاذِيَ شَبِيهٌ بِالْمُغَتذِّى ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقُوَّةَ السَّبُعِيَّةَ الَّتِي فِي الذِّئْبِ وَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ لَيْسَتْ فِي الضَّبُعِ حَتَّى تَجِبَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْرِيمِ ، وَلَا تُعَدُّ الضَّبُعُ مِنَ السِّبَاعِ لُغَةً وَعُرْفًا ، انْتَهَى مَا فِي الْإِعْلَامِ .
قُلْتُ : فِي أَقْوَالِ الْمُحَرِّمِينَ الَّتِي نَقَلَهَا الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ خَدَشَاتٌ ، أَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ حَدِيثَ الضَّبُعِ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ فَفِيهِ أَنَّهُ ثِقَةٌ وَلَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ فَوَهِمَ ؛ لِأَنَّهُ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلِّ الضَّبُعِ أَحَادِيثُ لَا بَأْسَ بِهَا ، انْتَهَى .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَفْظُ الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ رَفَعَ الْأَكْلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ يَكُونَ إِنَّمَا رَفَعَ إِلَيْهِ كَوْنَهَا صَيْدًا فَقَطْ ، فَفِيهِ أَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَفَعَ الْأَكْلَ ، وَكَوْنَهَا صَِيدًا كِلَيْهِمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بِلَفْظِ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ ، فَقَالَ : حَلَالٌ ، فَقُلْتُ : عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : وَالضَّبُعُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا وَهَذَا ، فَفِيهِ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، فَخُرُوجُ الضَّبُعِ عَنْ هَذَا وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَلِلْفَرِيقَيْنِ مَقَالَاتٌ أُخْرَى فِي ذِكْرِهَا طُولٌ .