بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ
بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ
2009 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، نَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنْ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ " وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي بَكْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَيَاءِ ) هُوَ بِالْمَدِّ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ تَرْكِ الشَّيْءِ بِسَبَبٍ ، وَالتَّرْكُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ ، وَفِي الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ .
قَوْلُهُ : ( نَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ) الْكِلَابِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ ، يُقَالُ : اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، ثَبْتٌ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ الثَّامِنَةِ ( وَعَبْدُ الرَّحِيمِ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكِنَانِيُّ أَوِ الطَّائِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الْأَشَلُّ الْمَرْوَزِيُّ نَزِيلُ الْكُوفَةِ ، ثِقَةٌ لَهُ تَصَانِيفُ مِنْ صِغَارِ الثَّامِنَةِ ( وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْفُرَافِصَةِ بْنِ الْمُخْتَارِ الْحَافِظُ الْعَبْدِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ أَبُو كُرَيْبٍ وَغَيْرُهُ انْتَهَى ، وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنَ التَّاسِعَةِ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ) بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيِّ ، صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ .
قَوْلُهُ : ( الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ ) أَيْ بَعْضُهُ أَوْ مِنْ شُعَبِهِ ( وَالْإِيمَانُ ) أَيْ أَهْلُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ : جَعْلُ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَيْنَ الْإِيمَانِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ تَمَحَّضُوا مِنْهُ وَتَمَكَّنُوا مِنْ بَعْضِ شُعَبِهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْفَرْعِ مِنْهُ كَمَا جُعِلَ الْإِيمَانُ مُقَرًّا وَمُبَوَّأً لِأَهْلِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَاسْتِقَامَتِهِمْ عَلَيْهِ ( وَالْبَذَاءُ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ خِلَافُ الْحَيَاءِ وَالنَّاشِئُ مِنْهُ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ ، وَالسُّوءُ فِي الْخُلُقِ ( مِنْ الْجَفَاءِ ) وَهُوَ خِلَافُ الْبِرِّ الصَّادِرِ مِنْهُ الْوَفَاءُ ( وَالْجَفَاءُ ) أَيْ أَهْلُهُ التَّارِكُونَ لِلْوَفَاءِ ، الثَّابِتُونَ عَلَى غِلَاظَةِ الطَّبْعِ وَقَسَاوَةِ الْقَلْبِ ( فِي النَّارِ ) إِمَّا مُدَّةً أَوْ أَبَدًا لِأَنَّهُ فِي مُقَابِلِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ ، أَوْ مُطْلَقُهُ فَصَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرَانِ أَوِ الْكُفْرِ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ) ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَلَهُ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : حَدِيثُ كَوْنِ الْحَيَاءِ كُلِّهِ خَيْرًا ولَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ، يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ
إِنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ قَدْ يَسْتَحْيِي أَنْ يُوَاجِهَ بِالْحَقِّ مَنْ يُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ ، فَيَتْرُكَ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ الْحَيَاءُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ وَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّ هَذَا الْمَانِعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَخَوَرٌ ، وَإِنَّمَا تَسْمِيَتُهُ حَيَاءً مِنْ إِطْلَاقِ بَعْضِ أَهْلِ الْعُرْفِ ، أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابَهَتِهِ الْحَيَاءَ الْحَقِيقِيَّ ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَنَحْوِ هَذَا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا فِي رِسَالَةِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ السَّيِّدِ الْجَلِيلِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الْآلَاءِ أَيِ النِّعَمِ وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءَ .
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَخَلُّقًا وَاكْتِسَابًا كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَقَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَنِيَّةٍ وَعِلْمٍ ، فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ لِهَذَا ، وَلِكَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَى أَفْعَالِ الْبِرِّ وَمَانِعًا مِنَ الْمَعَاصِي ، انْتَهَى . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ التَّعْرِيفُ عَلَى الْعَهْدِ وَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى الْحَدِيثَ ، انْتَهَى .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ وَالْمِرْقَاةِ .