حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ فِي قِصَرِ الْأَمَلِ

بَاب مَا جَاءَ فِي قِصَرِ الْأَمَلِ

2333 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو أَحْمَدَ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ، وَعُدَّ نَفْسَكَ من أَهْلِ الْقُبُورِ ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ : إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ الْبَصْرِيُّ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ .

وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ .

( باب ما جاء في قصر الأمل )

قَوْلُهُ : ( نَا أَبُو أَحْمَدَ ) هُوَ الزُّبَيْرِيُّ قَوْلُهُ : ( بِبَعْضِ جَسَدِي ) ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : بِمَنْكِبَيْ ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَعْيِينُ مَا أُبْهِمَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَنُكْتَةُ الْأَخْذِ تَقْرِيبُهُ إِلَيْهِ وَتَوَجُّهُهُ عَلَيْهِ ؛ لِيَتَمَكَّنَ فِي ذِهْنِهِ مَا يُلْقَى لَدَيْهِ قَالَ : ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ ؛ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ ، فَشَبَّهَ النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ ، وَلَا مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ ، ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِرِ السَّبِيلِ ؛ لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ ، بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِبَلَدٍ شَاسِعٍ بَيْنَهُمَا أَوْدِيَةٌ مُرْدِيَةٌ ، وَمَفَاوِزُ مُهْلِكَةٌ وَقُطَّاعُ طَرِيقٍ ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يُقِيمَ لَحْظَةً وَلَا يَسْكُنُ لَمْحَةً ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : ( إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ إِلَخْ ) ، وَبِقَوْلِهِ : ( وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ ) ، وَالْمَعْنَى اسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلَا تَفْتُرْ ، فَإِنَّكَ إِنْ قَصَّرْتَ انْقَطَعْتَ وَهَلَكْتَ فِي تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ ، وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّهِ بِهِ .

وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ فَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ) : أَيْ أَنَّ الْعُمُرَ لَا يَخْلُو عَنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ ، فَإِذَا كُنْتَ صَحِيحًا فَسِرْ سَيْرَ الْقَصْدِ وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتِكَ مَا دَامَتْ فِيكَ قُوَّةٌ ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا بِكَ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ قَائِمًا مَقَامَ مَا لَعَلَّهُ يَفُوتُ حَالَةَ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ : " لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْبَقَاءِ فِيهَا " ، وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ ، انْتَهَى .

( وَعُدَّ نَفْسَكَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ : أَيِ اجْعَلْهَا مَعْدُودَةً ( مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ ) : أَيْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَوَاحِدَةً مِنْ جَمَاعَتِهِمْ ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ( فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ ) هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ : أَيْ قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما مِنْ قَوْلِهِ : ( إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ إِلَخْ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : " إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ " ، ( وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ ) : أَيْ زَمَنِ صِحَّتِكَ ( قَبْلَ سَقَمِكَ ) بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ : أَيْ قَبْلَ مَرَضِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : لِمَرَضِكَ ، وَالْمَعْنَى اشْتَغِلْ فِي الصِّحَّةِ بِالطَّاعَةِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ تَقْصِيرٌ فِي الْمَرَضِ لَيُجْبَرُ بِذَلِكَ ( مَا اسْمُكَ غَدًا ) قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ هَلْ يُقَالُ لَهُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، وَلَمْ يُرِدِ اسْمَهُ الْخَاصَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ هَلْ يُقَالُ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، زَادَ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ : وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث