بَاب مَا جَاءَ فِي مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2369 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، نَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ : أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ فَقَالَتْ : انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ، ولَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا فَوَضَعَهَا ، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا - أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا - مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ظِلٌّ بَارِدٌ ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ ، وَمَاءٌ بَارِدٌ ، فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ ، فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا ، فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ خَادِمٌ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْتَرْ مِنْهُمَا ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، اخْتَرْ لِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ خُذْ هَذَا ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا ، فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ تَعْتِقَهُ قَالَ : هُوَ عَتِيقٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ : بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا ، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ بمعناه ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُ شَيْبَانَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ وَأَطْوَلُ ، وَشَيْبَانُ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ صَاحِبُ كِتَابٍ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله ( نَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ أَصْلُهُ خُرَاسَانِيٌّ ، يُكْنَى أَبَا الْحَسَنِ ، نَشَأَ بِبَغْدَادَ ، ثِقَةٌ عَابِدٌ ، مِنَ التَّاسِعَةِ .
قَوْلُهُ : ( خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ : أَيْ أُسَلِّمُ التَّسْلِيمَ ، أَوْ أُرِيهِ التَّسْلِيمَ ( فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ
عُمَرُ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ ) : أَيِ الْجُوعَ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَأَنَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا .
قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا ، وَمَا ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الْجُوعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ فِي أَوْقَاتٍ ، قَالَ وَفِيهِ : جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ مَا يَنَالُهُ مِنْ أَلَمٍ وَنَحْوِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّشَكِّي وَعَدَمِ الرِّضَاءِ ؛ بَلْ لِلتَّسْلِيَةِ وَالتَّصْبِيرِ ، كَفِعْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَاهُنَا ، وَلِالْتِمَاسِ دُعَاءٍ أَوْ مُسَاعَدَةٍ عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْعَارِضِ ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ، إِنَّمَا يُذَمُّ مَا كَانَ تَشَكِّيًا وَتَسَخُّطًا وَتَجَزُّعًا .
( فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ ) اسْمُهُ مَالِكٌ ( بْنِ التَّيِّهَانِ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ ، وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ مَعَ كَسْرِهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : قُومُوا فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ جَوَازُ الْإِدْلَالِ عَلَى الصَّاحِبِ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ ، وَاسْتِتْبَاعِ جَمَاعَةٍ إِلَى بَيْتِهِ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لَهُ ؛ إِذْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَكَفَى لَهُ شَرَفًا بِذَلِكَ ، ( وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ) : أَيِ الْغَنَمِ ، وَهِيَ جَمْعُ شَاةٍ ، وَأَصْلُهَا شَاهَةٌ ، وَالنِّسْبَةُ شَاهِيٌّ وَشَاوِيٌّ ، وَتَصْغِيرُهَا شُوَيْهَةٌ وَشُوَيَّةٌ .
( فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ ) ؟ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " أَيْنَ فُلَانٌ ؟ " . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمُرَاجَعَتِهَا الْكَلَامَ لِلْحَاجَةِ ، وَجَوَازُ إِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي دُخُولِ مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِمَنْ عَلِمَتْ عِلْمًا مُحَقَّقًا أَنَّهُ لَا يَكْرَهُهُ ، بِحَيْثُ لَا يَخْلُو بِهَا الْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ ( يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ) : أَيْ يَأْتِينَا بِمَاءٍ عَذْبٍ ، وَهُوَ الطَّيِّبُ الَّذِي لَا مُلُوحَةَ فِيهِ ( يَزْعَبُهَا ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : مِنْ زَعَبَ الْقِرْبَةَ كَمَنَعَ ، احْتَمَلَهَا مُمْتَلِئَةً .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ يَتَدَافَعُ بِهَا وَيَحْمِلُهَا لِثِقَلِهَا ، وَقِيلَ : زَعَبَ بِحِمْلِهِ إِذَا اسْتَقَامَ ، انْتَهَى ( يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ يَضُمُّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَيُعَانِقُهُ ، ( ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ ) فِي الْقَامُوسِ : الْحَدِيقَةُ الرَّوْضَةُ ذَاتُ الشَّجَرِ : الْبُسْتَانُ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ ، أَوْ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ الْبِنَاءُ أَوِ الْقِطْعَةُ مِنَ النَّخْلِ ( فَجَاءَ بِقِنْوٍ ) بِالْكَسْرِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْقِنْوُ الْعِذْقُ بِمَا فِيهِ مِنَ الرُّطَبِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : الْعِذْقُ هُنَا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهِيَ الْكِبَاسَةُ وَهِيَ الْغَضُّ مِنَ النَّخْلِ قَالَ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الْفَاكِهَةِ عَلَى الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الضَّيْفِ بِمَا تَيَسَّرَ وَإِكْرَامُهُ بَعْدَهُ بِطَعَامٍ يَصْنَعُهُ لَهُ ، وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ التَّكَلُّفَ لِلضَّيْفِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَكَمَالِ السُّرُورِ بِالضَّيْفِ ، وَأَمَّا فِعْلُ الْأَنْصَارِيِّ وَذَبْحُهُ الشَّاةَ فَلَيْسَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ ؛ بَلْ لَوْ ذَبَحَ أَغْنَامًا لَكَانَ مَسْرُورًا بِذَلِكَ مَغْبُوطًا بِهِ ، انْتَهَى .
( أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَنْقَاهُ وَتَنَقَّاهُ وَانْتَقَاهُ : اخْتَارَهُ . وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : انْتَقَاء " بركزيدن " وَتَنَقَّى كَذَلِكَ .
( إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا ، أَوْ قَالَ تَخَيَّرُوا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ التَّمْرُ قَبْلَ إِرْطَابِهِ ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْمَرْتَبَةُ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ أَوَّلُهَا طَلْعٌ ، ثُمَّ خِلَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رُطَبٌ ، انْتَهَى .
( هَذَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ .
قَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : أَخْرَجَكُمْ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ، بَيَانٌ لِمُوجِبِ السُّؤَالِ عَنِ النَّعِيمِ ؛ يَعْنِي حَيْثُ كُنْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى الطَّعَامِ مُضْطَرِّينَ إِلَيْهِ ، فَنِلْتُمْ غَايَةَ مَطْلُوبِكُمْ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ ، يَجِبُ أَنْ تُسْأَلُوا ، وَيُقَالُ لَكُمْ : هَلْ أَدَّيْتُمْ شُكْرَهَا أَمْ لَا ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَيُنْسِي أَمْرَ الْمُحْتَاجِينَ ، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ شُكْرِهِ ، وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ السُّؤَالَ هَاهُنَا سُؤَالُ تَعْدَادِ النِّعَمِ وَإِعْلَامٌ بِالِامْتِنَانِ بِهَا ، وَإِظْهَارُ الْكَرَامَةِ بِإِسْبَاغِهَا لَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَمُحَاسَبَةٍ ، انْتَهَى .
( لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ ) : أَيْ لَبَنٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ( فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْعَنَاقُ كَسَحَابٍ : الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ وَالْجَدْيُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ ، ذَكَرُهَا ( فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ ) : أَيْ أَسَارَى ( فَأتِي ) أَيْ جِيء ( بِرَأْسَيْنِ ) : أَيْ مِنَ الْعَبِيدِ ( اخْتَرْ مِنْهُمَا ) : أَيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ بَعْضَهُمَا ( اخْتَرْ لِي ) : أَيْ أَنْتَ أَوْلَى بِالِاخْتِيَارِ ، ( فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) تَوْطِئَةً وَتَمْهِيدًا ( إِنَّ الْمُسْتَشَارَ ) مِنَ اسْتَشَارَهُ طَلَبَ رَأْيَهُ فِيمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ ( مُؤْتَمَنٌ ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْأَمَانَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَشَارَ أَمِينٌ فِيمَا يُسْأَلُ مِنَ الْأُمُورِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخُونَ الْمُسْتَشِيرَ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ ( خُذْ هَذَا ) : أَيْ مُشَارًا إِلَى أَحَدِهِمَا ( فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى خَيْرِيَّةِ الرَّجُلِ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ آثَارِ الصَّلَاحِ ، لَا سِيَّمَا الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ .
( وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا ) قَالَ الْقَارِي : أَيِ اسْتِيصَاءَ مَعْرُوفٍ ، قِيلَ مَعْنَاهُ : لَا تَأْمُرْهُ إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ وَالنُّصْحِ له ، وَقِيلَ : وَصِّ فِي حَقِّهِ بِمَعْرُوفٍ . كَذَا ذَكَرَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيِ اقْبَلْ وَصِيَّتِي فِي حَقِّهِ ، وَأَحْسِنْ مَلْكَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ ( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً ) ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي رِوَايَةِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ : مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَةٍ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الْبَابِ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِهَذَا ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِبَعْثِ الْخَلِيفَةِ اسْتِخْلَافُهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ : مَا مِنْ وَالٍ
وَهُوَ أَعَمُّ ، انْتَهَى .
( إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ ) : الْبِطَانَةُ بِالْكَسْرِ الصَّاحِبُ الْوَلِيجَةُ وَهُوَ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الرَّجُلُ أَسْرَارَهُ ثِقَةً بِهِ ، شُبِّهَ بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ ( بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ) : أَيْ مَا عَرَفَهُ الشَّرْعُ وَحَكَمَ بِحُسْنِهِ ( وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ) : أَيْ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْ فِعْلِهِ ، ( وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا ) : أَيْ لَا تُقَصِّرُ فِي إِفْسَادِ أَمْرِهِ وَهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ . قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا التَّقْسِيمُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ يُدَاخِلُهُ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ ، لَكِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَيْهِ وَلَا يَعْمَلَ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِ الْعِصْمَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْإِشَارَةَ إِلَى سَلَامَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ ذَاكَ بِقَوْلِهِ : فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ مَنْ يُشِيرُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالشَّرِّ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ الْمَلَكُ وَالشَّيْطَانُ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ . قَالَ : وَفِي مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا ، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ .
قَالَ ابْنُ التِّينِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَكَ وَالشَّيْطَانَ .
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبِطَانَتَيْنِ ، النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ ، وَالنَّفْسَ اللَّوَّامَةَ الْمُحَرِّضَةَ عَلَى الْخَيْرِ ، إِذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةٌ مَلَكِيَّةٌ وَقُوَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ ، انْتَهَى .
قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ لَا يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ إِلَّا لِبَعْضٍ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : الْبِطَانَةُ : الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَصْفِيَاءُ وَهُوَ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا ، انْتَهَى .
( وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ ) بِأَنْ يَعْصِمَهُ اللَّهُ مِنْهَا ( فَقَدْ وُقِيَ ) الشَّرَّ كُلَّهُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ بِهِ إِثْبَاتُ الْأُمُورِ كُلِّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الَّذِي يَعْصِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ لَا مَنْ عَصَمَتْهُ نَفْسُهُ ؛ إِذْ لَا يُوجَدُ مَنْ تَعْصِمُهُ نَفْسُهُ حَقِيقَةً إِلَّا إِنْ كَانَ اللَّهُ عَصَمَهُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ دُونَ قَوْلِهِ : فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : هَلْ لَكَ خَادِمٌ ؟ قَالَ : لَا إِلَخْ . وَأَمَّا قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ . فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أُمِّ سَلِمَةَ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَخْ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .