بَاب مِنْهُ
حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾قَالَ : ذَاكَ الْعَرْضُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ أَيُّوبُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ .
باب منه قَوْلُهُ : ( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ) بْنِ مُوسَى الْمَكِّيِّ مَوْلَى بَنِي جُمَحٍ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنْ كِبَارِ السَّابِعَةِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ ) قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ : يُقَالُ نَاقَشَهُ الْحِسَابَ إِذَا عَاسَرَهُ فِيهِ ، وَاسْتَقْصَى فَلَمْ يَتْرُكْ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا . وَقَالَ الْحَافِظُ : الْحِسَابَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالتَّقْدِيرُ : نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ ( هَلَكَ ) أَيْ عُذِّبَ فِي النَّارِ جَزَاءً عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا حِسَابُهُ ( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ وَتَمَامُهُ : ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾( قَالَ : ذَاكِ الْعَرْضُ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَجُوِّزَ الْفَتْحُ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ .
وَالْمَعْنَى : إِنَّمَا ذَلِكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ، عَرْضُ عَمَلِهِ لَا الْحِسَابُ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاقَشَةِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّمَا ذَاكَ الْعَرْضُ أَنَّ الْحِسَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ ، إِنَّمَا هُوَ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي سَتْرِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ، وَفِي عَفْوِهِ عَنْهَا فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّجْوَى ، انْتَهَى . اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ .
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ . الْحَدِيثَ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَظْهَرُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى الْمَذْكُورِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَجْهُ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ عَامٌّ فِي تَعْذِيبِ كُلِّ مَنْ حُوسِبَ وَلَفْظُ الْآيَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُعَذَّبُ .
وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِسَابِ فِي الْآيَةِ الْعَرْضُ وَهُوَ إِبْرَازُ الْأَعْمَالِ وَإِظْهَارُهَا فَيُعَرِّفُ صَاحِبَهَا بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ رِوَايَةِ الْبَابِ بِلَفْظِ : مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى الْمَذْكُورِ ، فَتَفَكَّرْ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ .