بَاب مَا جَاءَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ
بَاب مَا جَاءَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ
2548 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ ، نا الْأَوْزَاعِيُّ ، ثنا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ .
فَقَالَ سَعِيدٌ : أَفِيهَا سُوقٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ ، ثُمَّ يُؤْذَنُ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ ، وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ ، وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيٍّ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ من رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ؟ قُلْنَا : لَا . قَالَ : كَذَلِكَ لَا تتمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً ، حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا ، فَيُذَكّرُه بِبَعْضِ غَدْرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي ؟ فَيَقُولُ : بَلَى ، فَبسَعَةُ مَغْفِرَتِي بَلَغت مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ . وَيَقُولُ رَبُّنَا : قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنْ الْكَرَامَةِ ، فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ ، مَا لَمْ ينْظُرْ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ وَلَمْ تَسْمَعْ الْآذَانُ ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ ، فَيُحْمَلُ إلينا مَا اشْتَهَيْنَا ، لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى ، وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . قَالَ : فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ ، فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ ، فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ ، فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ علَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ ، وَذَاكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى مَنَازِلِنَا فَتتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا ، فَيَقُلْنَ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ! لَقَدْ جِئْتَ وَإِنَّ لكَ مِنْ الْجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ ، فَنقُولُ : إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ ، وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
باب ما جاء في سوق الجنة
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله ( نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ) بْنِ نَصِيرٍ السُّلَمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْخَطِيبُ صَدُوقٌ مُقْرِئٌ ، كَبِرَ فَصَارَ يَتَلَقَّنُ ، فَحَدِيثُهُ الْقَدِيمُ أَصَحُّ ، مِنْ كِبَارِ الْعَاشِرَةِ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ : رَوَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ وَغَيْرِهِ ، وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ( نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ ) الدِّمَشْقِيُّ أَبُو سَعِيدٍ ، كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِهِ ، صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ كَاتِبَ دِيوَانٍ ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبَ حَدِيثٍ ، مِنَ التَّاسِعَةِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ سَعِيدٌ : أَفِيهَا ) أَيْ فِي الْجَنَّةِ ( سُوقٌ ) يَعْنِي : وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَاجَةِ إِلَى التِّجَارَةِ ( أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ ) قَالَ الْقَارِي : بِالْفَتْحِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ ، وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيِ : الْخَبَرُ هُوَ قَوْلُهُ إِنَّ ، أَوْ التَّقْدِير قَائِلًا : إِنَّ ( أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا ) أَيِ الْجَنَّةَ ( نَزَلُوا فِيهَا ) أَيْ فِي مَنَازِلِهَا وَدَرَجَاتِهَا ( بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ ) أَيْ بِقَدْرِ زِيَادَةِ طَاعَاتِهِمْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً ( ثُمَّ يُؤْذَنُ ) أَيْ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ( فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) أَيْ فِي مِقْدَارِ الْأُسْبُوعِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّهُ وَرَدَ الْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ يَوْمُ جُمُعَةٍ ، كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا ، وَيَحْضُرُونَ رَبَّهُمْ . . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ . كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ .
وَقَالَ الْقَارِي : أَيْ قَدْرَ إِتْيَانِهِ ، وَالْمُرَادُ فِي مِقْدَارِ الْأُسْبُوعِ ، انْتَهَى ( فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ ) أَيْ فيه ( وَيَبْرُزُ ) مِنَ الْإِبْرَازِ ؛ أي وَيَظْهَرُ رَبُّهُمْ ( وَيَتَبَدَّى لَهُمْ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ ؛ أَيْ يَظْهَرُ وَيَتَجَلَّى رَبُّهُمْ لَهُمْ ( فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ ) أَيْ كَرَاسِيُّ مُرْتَفِعَةٌ ( وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ ) بِفَتْحِ زَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ ، فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ جَوْهَرٌ
مَعْرُوفٌ ( وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ ) أَيْ بِحَسَبِ مَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ وَمَرَاتِبِ أَحْوَالِهِمْ ( وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ ) أَيْ أَدْوَنُهُمْ مَنْزِلَةً ( وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ دُونٌ وَخَسِيسٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : وَهُوَ تَتْمِيمٌ صَوْنًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ أَدْنَاهُمُ الدَّنَاءَةُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَدْنَى فِي الْمَرْتَبَةِ ( عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ كَثِيبٍ ، أَيْ : تَلٍّ مِنَ الرَّمْلِ الْمُسْتَطِيلِ ، مِنْ كَثَبْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتُهُ ( وَالْكَافُورِ ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْمِسْكِ ( مَا يُرَوْنَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ ، وَالضَّمِيرُ إِلَى الْجَالِسِينَ عَلَى الْكُثْبَانِ ؛ أَيْ : لَا يَظُنُّونَ وَلَا يُتَوَهَّمُونَ ( أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ ) أَيْ أَصْحَابَ الْمَنَابِرِ ( بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا ) حَتَّى يَحْزَنُوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ عَلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ بَلْ إِنَّهُمْ وَاقِفُونَ فِي مَقَامِ الرِّضَاء ، وَمُتَلَذِّذُونَ بِحَالِ التَّسْلِيمِ بِمَا جَرَى الْقَضَاءُ .
( هَلْ تَتَمَارَوْنَ ) تَفَاعُلٌ مِنَ الْمِرْيَةِ بِمَعْنَى الشَّكِّ ؛ أَيْ : هَلْ تَشُكُّونَ ( مِنْ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ ؛ أَيْ : فِي رُؤْيَتِكُمُ الشَّمْسَ ( وَالْقَمَرِ ) أَيْ وَفِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ ( لَيْلَةَ الْبَدْرِ ) وَاحْتَرَزَ عَنِ الْهِلَالِ وَعَنِ الْقَمَرِ فِي غَيْرِ لَيَالِي الْبَدْرِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ فِي نِهَايَةِ النُّورِ ( قُلْنَا : لَا ) أَيْ لَا نَشُكُّ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ( إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً ) قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : الْكَلِمَتَانِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ كَشْفُ الْحِجَابِ ، وَالْمُقَاوَلَةُ مَعَ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ وَلَا تُرْجُمَانٍ ، وبينه الْحَدِيثُ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ . الْحَدِيثَ . وَالْمَعْنَى : خَاطَبَهُ اللَّهُ مُخَاطَبَةً وَحَاوَرَهُ مُحَاوَرَةً ( يَا فُلَانَ ) بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ ( بْنَ فُلَانٍ ) بِنَصبِ ابْنٍ ، وَصَرْفِ فُلَانٍ ، وَهُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ .
( أَتَذْكُرُ يَوْمَ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا ) أَيْ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ ، فَكَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ الرَّجُلُ فِيهِ ، وَيَتَأَمَّلُ فِيمَا ارْتَكَبَهُ مِنْ مَعَاصِيهِ ( فَيُذَكِّرُهُ ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ : فَيُعْلِمُهُ اللَّهُ ( بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ : جَمْعُ غَدْرَةٍ بِالسُّكُونِ ، بِمَعْنَى الْغَدْرِ ، وَهُوَ تَرْكُ الْوَفَاءِ ، وَالْمُرَادُ مَعَاصِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِتَرْكِهَا الَّذِي عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ( أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي ) أَيْ أَدْخَلْتَنِي الْجَنَّةَ فَلَمْ تَغْفِرْ لِي مَا صَدَرَ لِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ ( فَيَقُولُ : بَلَى ) أَيْ غَفَرْتُ لَكَ فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بِفَتْحِ السِّينِ وَيُكْسَرُ ( بَلَغْتَ ) أَيْ وَصَلْتَ ( مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ غَفَرْتُ لَكَ ، فَبَلَغْتَ بِسَعَةِ رَحْمَتِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ ، وَالتَّقْدِيمُ دَلَّ عَلَى التَّخْصِيصِ ؛ أَيْ : بُلُوغُكَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ كَائِنٌ بِسَعَةِ رَحْمَتِي لَا بِعَمَلِكَ ( فَبَيْنَما ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَبَيْنَا ( هُمْ ) أَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ( عَلَى ذَلِكَ ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُحَاضَرَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ ( غَشِيَتْهُمْ ) أَيْ غَطَّتْهُمْ ( فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا ) أَيْ عَظِيمًا ( قَدْ حَفَّتْ ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ أَحَاطَتْ ( مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ ) قَالَ الْمُظَهَّرُ : مَا مَوْصُولَةٌ ، وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ الْمُقَدَّرِ الْعَائِدِ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ : مَا أَعْدَدْتُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ؛ أَيِ : الْمُعَدُّ لَكُمْ ، وَقِيلَ : أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ فِيهَا . وَقَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ مَا مَوْصُوفَةٌ بَدَلًا مِنْ " سُوقًا " انْتَهَى ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِيهِ ، ( مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ ) وَهُوَ ظَاهِرٌ ( وَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ جَمْعُ الْأُذُنِ ؛ أَيْ : وَمَا لَمْ تَسْمَعْه بِمِثْلِهِ ( وَلَمْ يَخْطُرْ ) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ : وَمَا لَمْ يَمُرَّ مِثْلُهُ عَلَى الْقُلُوبِ ( فَيُحْمَلُ إِلَيْنَا ) أَيْ إِلَى قُصُورِنَا ( وَلَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى ) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ " مَا " فِي " ما اشْتَهَيْنَا " وَهُوَ الْمَحْمُولُ وَالضَّمِيرُ فِي " يُبَاعُ " عَائِدٌ إِلَيْهِ ( وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ ) هُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، فَأَنَّثَهُ تَارَةً وَذَكَّرَهُ أُخْرَى ، وَالتَّأْنِيثُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ ( يَلْقَى ) أَيْ يَرَى ( قَالَ ) أَيِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أوَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا حَقِيقَةً أَوْ مَوْقُوفًا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ( فَيُقْبِلُ ) مِنَ الْإِقْبَالِ ؛ أَيْ : فَيَجِيءُ وَيَتَوَجَّهُ ( مَنْ هُوَ دُونَهُ ) أَيْ فِي الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ ( فَيَرُوعُهُ ) بِضَمِّ الرَّاءِ ( مَا يَرَى ) أَيْ يُبْصِرُهُ ( عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ ) بَيَانُ مَا ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى " مَنْ " فَيَكُونُ الرَّوْعُ مَجَازًا عَنِ الْكَرَاهَةِ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ ، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى الرَّجُلِ ذِي الْمَنْزِلَةِ . فَالرَّوْعُ بِمَعْنَى الْإِعْجَابِ أَيْ يُعْجِبُهُ حُسْنُهُ فَيَدْخُلُ فِي رُوعِهِ مَا يَتَمَنَّى مِثْلُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ( فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ ) أَيْ مَا أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ مِنَ الْحَدِيثِ وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى " مَنْ " ( حَتَّى يَتَخَيَّلَ عَلَيْهِ ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ . وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ حَتَّى يُتَصَوَّرُ لَهُ ( مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ ) أَيْ : يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَنَّ لِبَاسَهُ أَحْسَنُ مِنْ لِبَاسِ صَاحِبِهِ ( وَذَلِكَ ) أَيْ سَبَبُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّخَيُّلِ ( أَنَّهُ ) أَيِ الشَّأْنُ ( أَنْ يَحْزَنَ ) بِفَتْحِ الزَّايِ يَغْتَمَّ ( فِيهَا ) أَيْ فِي الْجَنَّةِ . فَحَزَنٌ هُنَا لَازِمٌ مِنْ حَزِنَ بِالْكَسْرِ لَا مِنْ بَابِ نَصَرَ ، فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْمَقَامِ ( فَتَتَلَقَّانَا ) مِنَ التَّلَقِّي أَيْ تَسْتَقْبِلُنَا ( أَزْوَاجُنَا ) أَيْ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَمِنَ الْحُورِ الْعِينِ ( وَيَحِقُّنَا ) قَالَ الْقَارِي : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ ، وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِضَمِّ الْحَاءِ ، فَفِي الْمِصْبَاحِ : حَقَّ الشَّيْءُ كَضَرَبَ وَنَصَرَ إِذَا ثَبَتَ . وَفِي الْقَامُوسِ : حَقَّ الشَّيْءُ وَجَبَ وَوَقَعَ بِلَا شَكٍّ ، وَحَقَّهُ أَوْجَبَهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ . فَالْمَعْنَى يُوجِبُنَا وَيُلْزِمُنَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ ؛ أَيْ : يَحِقُّ لَنَا وَيَلِيقُ بِنَا ( أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا ) مِنَ الِانْقِلَابِ ، بِمَعْنَى الِانْصِرَافِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ . وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَالَ : وَعَبْدُ الْحَمِيدِ هُوَ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَبَقِيَّةُ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ ثِقَاتٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، عَنْ هِقْلِ بْنِ زِيَادٍ كَاتِبِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ، احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، انْتَهَى .