بَاب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ النَّارِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ ، يَقُولُ : إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ : بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح غَرِيبٌ . قَوْلُهُ : ( يخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْعُنُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ ، وَكَأَمِيرٍ وَكَصُرَدٍ الْجِيدُ وَيُؤَنَّثُ ، وَالْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ .
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : الْعُنُقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالنُّونِ أَيْ طَائِفَةٌ وَجَانِبٌ مِنَ النَّارِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ طَائِفَةٌ مِنْهَا ، وَ مِنْ بَيَانِيَّةٌ . قَالَ الْقَارِي : وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ يَخْرُجُ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ : ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ظَرْفٌ لَهُ .
قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُنُقِ : الْجِيدُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ ؛ إِذْ لَا صَارِفَ عَنْ ظَاهِرِهِ . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَخْرُجُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ عَلَى هَيْئَةِ الرَّقَبَةِ الطَّوِيلَةِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : الْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ الْقَارِي ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( يَقُولُ ) بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ يَنْطِقُ أَوْ حَالٌ ( وَإِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ ) أَيْ وَكَّلَنِي اللَّهُ بِأَنْ أُدْخِلَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ النَّارَ وَأُعَذِّبَهُمْ بِالْفَضِيحَةِ عَلَى رُؤوسِ الْأَشْهَادِ ( بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْجَبَّارُ هُوَ الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي ، وَالْعَنِيدُ الْجَائِرُ عَنِ الْقَصْدِ ، الْبَاغِي الَّذِي يَرُدُّ الْحَقَّ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ .