بَاب فِي الْحَثِّ عَلَى تَبْلِيغِ السَّمَاعِ
2657 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نَا أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَال : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَه ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
قَوْلُهُ : ( سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ " حَدِيثًا " بَدَلَ " شَيْئًا " . قَالَ الطِّيبِيُّ : يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي " مِنَّا " .
قُلْتُ : الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْمَعْنَى : مَنْ سَمِعَ مِنِّي أَوْ مِنْ أَصْحَابِي حَدِيثًا مِنْ أَحَادِيثِي فَبَلَّغَهُ إِلَخْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ ، وَخَصَّ مُبَلِّغَ الْحَدِيثِ كَمَا سَمِعَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي نَضَارَةِ الْعِلْمِ وَتَجْدِيدِ السُّنَّةِ ، فَجَازَاهُ بِالدُّعَاءِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْحَدِيثِ وَفَضْلِهِ وَدَرَجَةِ طُلَّابِهِ حَيْثُ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِدُعَاءٍ لَمْ يُشْرِكْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ وَتَبْلِيغِهِ فَائِدَةٌ سِوَى أَنْ يَسْتَفِيدَ بَرَكَةَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ ، لَكَفَى ذَلِكَ فَائِدَةً وَغُنْمًا ، وَجَلَّ فِي الدَّارَيْنِ حَظًّا وَقَسَمًا .
وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ : اخْتُلِفَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى وَإِلَى جَوَازِهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : انْقُصْ مِنَ الْحَدِيثِ مَا شِئْتَ وَلَا تَزِدْ ، وَقَالَ سُفْيَانُ : إِنْ قُلْتُ : حَدَّثْتُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ فَلَا تُصَدِّقُونِي فَإِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى ، وَقَالَ وَكِيعٌ : إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ ، وَقَالَ أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنْ عَشَرَةٍ وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى اتِّبَاعِ اللَّفْظِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ . وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ : الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَجَائِزَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهَا ، انْتَهَى .
قُلْتُ : مَسْأَلَةُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْحَدِيثِ فعَلَيْكَ أَنْ تُرَاجِعَهَا ( فَرُبَّ ) لِلتَقْلِيلٍ وَقَدْ تَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ ( مُبَلَّغٍ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَأَوْعَى نَعْتٌ لَهُ وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ " رُبَّ " مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ يُوجَدُ أَوْ يَكُونُ ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّ " رُبَّ " اسْمٌ أَنَّ تَكُونُ هِيَ مُبْتَدَأٌ وَأَوْعَى الْخَبَرُ فَلَا حَذْفَ وَلَا تَقْدِيرَ ، وَالْمُرَادُ : رُبَّ مُبَلَّغٍ عَنِّي أَوْعَى ، أَيْ أَفْهَمُ لِمَا أَقُولُ مِنْ سَامِعٍ مِنِّي ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مِنْدَهْ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ هَوْذَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَلَفْظُهُ : فَإِنَّهُ عَسَى أَن يكون بَعْضَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ أَوْعَى لِمَا أَقُولُ مِنْ بَعْضِ مَنْ شَهِدَ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ .