بَاب مَا جَاءَ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، نَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَمْشِي وَهُوَ يَقُولُ : خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا ابْنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَرَمِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ ؟ فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَ هَذَا ، وَرُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ ، وَإِنما كَانَتْ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ) هُوَ الْكَوْسَجُ ( نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ) هُوَ الضُّبَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ ) أَيْ يَا بَنِي الْكُفَّارِ ( عَنْ سَبِيلِهِ ) أَيْ عَنْ سَبِيلِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ ) بِتَسْكِينِ الْمُوَحَّدَةِ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، بَلْ هِيَ لُغَةٌ قُرِئَ بِهَا فِي الْمَشْهُورِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ( عَلَى تَنْزِيلِهِ ) أَيْ عَلَى حُكْمِ تَنْزِيلِهِ ( ضَرْبًا ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ نَضْرِبْكُمْ ( يُزِيلُ ) مِنَ الْإِزَالَةِ ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ ضَرْبًا ( الْهَامَ ) جَمْعُ هَامَةٍ : وَهِيَ أَعْلَى الرَّأْسِ وَهِيَ النَّاصِيَةُ وَالْمَفْرِقُ ( عَنْ مَقِيلِهِ ) أَيْ مَوْضِعِهِ نَقْلًا من مَوْضِعِ الْقَائِلَةِ لِلْإِنْسَانِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ ( وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ ) مِنَ الْإِذْهَالِ عَطْفٌ عَلَى يُزِيلُ ، أَيْ يُنْسِي ذَلِكَ الضَّرْبُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ ( فَلَهِيَ ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ أَيْ أَشْعَارُهُ ( أَسْرَعُ فِيهِمْ ) أَيْ فِي الْكُفَّارِ ( مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ ) أَيْ أَشْعَارُهُ تُؤَثِّرُ فِيهِمْ تَأْثِيرًا أَسْرَعَ مِنْ تَأْثِيرِ النَّبْلِ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ( وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَ هَذَا ) ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا ( وَرُوِيَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ ) . قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ : هُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ وَغَلَطٌ مَرْدُودٌ ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ التِّرْمِذِيُّ فِي ذَلِكَ مَعَ وُفُورِ مَعْرِفَتِهِ ، وَمَعَ أَنَّ فِي قِصَّةِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ اخْتِصَامُ جَعْفَرٍ وَأَخِيهِ عَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ ، وَجَعْفَرٌ قُتِلَ هُوَ وَزَيْدٌ ، وَابْنُ رَوَاحَةَ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ ، وَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ ـ أَعْنِي التِّرْمِذِيَّ ـ مِثْلُ هَذَا ، ثُمَّ وَجَدْتَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الَّذِي عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ اتَّجَهَ اعْتِرَاضُهُ ، لَكِنَّ الْمَوْجُودَ بِخَطِّ الْكَرُوخِيِّ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ مَا تَقَدَّمَ .
انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُ الْحَافِظِ وَمَعَ أَنَّ فِي قِصَّةِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ اخْتِصَامُ جَعْفَرٍ وَأَخِيهِ عَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : فَخَرَجَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي يَا عَمُّ يَا عَمُّ فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا ، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ : دُونَكَ ابْنَةُ عَمِّكَ حَمَلَتْهَا ، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ ، وَزَيْدٌ ، وَجَعْفَرٌ ، قَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي ، وَقَالَ جَعْفَرٌ : ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي ، وَقَالَ زَيْدٌ ابْنَةُ أَخِي ، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِخَالَتِهَا وَقَالَ : الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَجَعْفَرٌ قُتِلَ هُوَ وَزَيْدٌ ، وَابْنُ رَوَاحَةَ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ ، فَأَشَارَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نَعَى زَيْدًا ، وَجَعْفَرًا ، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ ، فَقَالَ : أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ ، فَأُصِيبَ ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ ، فَأُصِيبَ ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ- وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ- حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .