حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

بَاب مَا جَاءَ مَثَلِ ابْنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِهِ

2876 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنصاري نَا مَعْنٌ نَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِيمَا خَلَا مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ : مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ، ثم قال : مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ، فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً ، فقَالَ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَإِنَّهُ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا أَجَلُكُمْ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : الْأَجَلُ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِلشَّيْءِ ، قَالَ تَعَالَى : وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَيُقَالُ لِلْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ لِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ : أَجَلٌ ، فَيُقَالُ : دَنَا أَجَلُهُ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ منْ دُنُوِّ الْمَوْتِ وَأَصْلُهُ اسْتِيفَاءُ الْأَجَلِ أَيْ مُدَّةِ الْحَيَاةِ ، وَالْمَعْنَى : مَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنَ الزَّمَانِ ، ( فِيمَا خَلَا مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، قَالَ الْحَافِظُ : ظَاهِرُهُ أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَعَ فِي زَمَانِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ قَطْعًا ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ مُدَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى مُدَّةِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ مِثْلُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى بَقِيَّةِ النَّهَارِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سَلَفَ إِلَى آخِرِهِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي بِمَعْنَى إِلَى ، وَحَذَفَ الْمُضَافَ وَهُوَ لَفْظُ نِسْبَةٍ ، ( وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ) أَيْ : مَعَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ( كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا ) ، بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ ، جَمْعُ عَامِلٍ ، أَيْ : طَلَبَ مِنْهُمِ الْعَمَلَ ، ( فَقَالَ ) أَيْ : عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ ( مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ) وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا ، فَالْمُرَادُ بِالنَّهَارِ الْعُرْفِيُّ لِأَنَّهُ عَرَفَ عَمَلَ الْعُمَّالِ ، ( عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ) أَيْ : نِصْفِ دَانِقٍ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ ، وَقِيلَ : الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ ، وَالْيَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الرَّاءِ كَمَا أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ النُّونِ فِي الدِّينَارِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُهُمَا عَلَى دَنَانِيرَ وَقَرَارِيطَ ، وَكَرَّرَ قِيرَاطٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ لَا أَنَّ مَجْمُوعَ الطَّائِفَةِ قِيرَاطٌ ، " ثُمَّ قَالَ " أَيِ الرَّجُلُ الْمُسْتَعْمِلُ لِلْعُمَّالِ ( فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً ) أَيْ : قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ثَوَابًا كَثِيرًا مَعَ قِلَّةِ أَعْمَالِهِمْ ، وَأَعْطَيْتنَا ثَوَابًا قَلِيلًا مَعَ كَثْرَةِ أَعْمَالِنَا ، وَلَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُمِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ ، أَوْ صَدَرَ عَنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ لَمَّا اطَّلَعُوا عَلَى فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُتُبِهِمْ أَوْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِمْ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لِلْأَعْمَالِ لَيْسَ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ وَلَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْقَاقِ ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَوْلَاهُ لِخِدْمَتِهِ أُجْرَةً ، بَلِ الْمَوْلَى يُعْطِيه مِنْ فَضْلِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْعَبِيدِ عَلَى وَجْهِ الْمَزِيدِ ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ .

قَالَ الطِّيبِيُّ : لَعَلَّ هَذَا تَخْيِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لَا أَنَّ ثَمَّةَ مُقَاوَلَةً وَمُكَالَمَةً حقيقة ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى حُصُولِهَا عِنْدَ إِخْرَاجِ الذَّرِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةً . انْتَهَى ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .

( فَقَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ ) أَيْ : هَلْ نَقَصْتُكُمْ ( شَيْئًا ) مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ ( قَالُوا ) أَيْ

[4/42]

أَهْلُ الْكِتَابِ ( فَإِنَّهُ ) أَيِ الشَّأْنَ ( فَضْلِي ) أَيْ عَطَائِي الزَّائِدُ ( أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ ) أَوِ التَّقْدِيرُ : فَإِنَّ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالسِّيَاقِ فَضْلِي .

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّ أَوَّلَ الْعَصْرِ بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعَصْرِ جَوَابُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ مُفَصَّلًا .

قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث