وَمِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ : فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ قُلْتُ : لَا ، فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَنْ يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ بِمَالِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ) الْمُرَادُ بِالْيَمِينِ هُنَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَجَازًا ( وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ) أَيْ كَاذِبٌ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ( لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) أَيْ لِيَفْصِلَ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ وَيَأْخُذَهَا بِتِلْكَ الْيَمِينِ ( لَقِيَ اللَّهَ ) أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ) أَيْ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالْعِنَايَةِ وَغَضْبَانُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ قَالَهُ الْقَارِي . قُلْتُ : لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَفْظَ غَضْبَانُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَكَيْفِيَّةُ غَضَبِهِ تَعَالَى مَوْكُولَةٌ إِلَيْهِ ( فِيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ فِي شَأْنِي وَحَالِي ( كَانَ ذَلِكَ ) أَيْ قَوْلُهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ) إِلَخْ ( كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ ) أَيْ مُتَنَازَعٌ فِيهَا ( فَجَحَدَنِي ) أَيْ أَنْكَرَ عَلَيَّ ( فَقَدَّمْته ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ جِئْتَ بِهِ وَرَفَعْتَ أَمْرَهُ ( أَلَكَ بَيِّنَةٌ ) أَيْ شُهُودٌ ( فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَحْلِفُ فِي الْخُصُومَاتِ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ ( وَإِذَنْ ) بِالنُّونِ ( يَحْلِفَ ) بِالنَّصْبِ ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يُطَابِقُ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ : إِذَنْ يَحْلِفَ فَيَذْهَبَ بِمَالِي؟ قُلْتَ : فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا - كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْأَشْعَثِ : لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَلِفُ فَإِنْ كَذَبَ فَعَلَيْهِ وَبَالُهُ .
وَثَانِيهمَا - لَعَلَّ الْآيَةَ تَذْكَارٌ لِلْيَهُودِيِّ بِمِثْلِهَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْوَعِيدِ . وَالْآيَةُ بِتَمَامِهَا مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ يَسْتَبْدِلُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَأَيْمَانِهِمْ حَلِفِهِمْ بِهِ تَعَالَى كَاذِبًا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ نَصِيبَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ غَضَبًا عَلَيْهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَرْحَمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ يُطَهِّرُهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مُؤْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حسن صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
قَوْلُهُ : ( وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِهَا لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النُّزُولَ كَانَ بِالسَّبَبَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَفْظُ الْآيَةِ أَعُمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي صَدْرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ .