وَمِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ
3085 حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأَسَارَى ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسَارَى . فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ ، فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ ، قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ مِنِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ ، قَالَ : وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِ عُمَرَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَارِقٌ الْجَمَلِيِّ .
قَوْلُهُ : ( فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً ) قَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا فِي بَابِ الْمَشُورَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْجِهَادِ ( لَا يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ ) أَيْ لَا يَتَخَلَّصَنَّ ( مِنْهُمْ ) أَيْ مِنَ الْأُسَارَى ( وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِ عُمَرَ ) أَيْ نَزَلَ الْقُرْآنُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ عُمَرَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى أَيْ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ . وَالْمَعْنَى مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَحْبِسَ كَافِرًا قَدَرَ عَلَيْهِ وَصَارَ فِي يَدِهِ أَسِيرًا لِلْفِدَاءِ وَالْمَنِّ . وَالْأَسْرَى جَمْعُ أَسِيرٍ وَأُسَارَى جَمْعُ الْجَمْعِ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الْإِثْخَانُ فِي كُلِّ شَيْءٍ : عِبَارَةٌ عَنْ قُوَّتِهِ وَشِدَّتِهِ ، يُقَالُ أَثْخَنَهُ الْمَرَضُ إِذَا اشْتَدَّتْ قُوَّتُهُ عَلَيْهِ ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يُبَالِغَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَيَغْلِبَهُمْ وَيَقْهَرَهُمْ ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الْأَسْرِ فَيَأْسِرَ الْأُسَارَى ، وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا . يَعْنِي تُرِيدُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَإِنَّمَا سَمَّى مَنَافِعَ الدُّنْيَا عَرَضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَبَاتَ لَهَا وَلَا دَوَامَ ، فَكَأَنَّهَا تَعْرِضُ ثُمَّ تَزُولُ بِخِلَافِ مَنَافِعِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهَا دَائِمَةٌ لَا انْقِطَاعَ لَهَا ، واللَّهُ يُرِيدُ لكم الْآخِرَةَ أَيْ ثَوَابَهَا بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَقَهْرِهِمْ وَنَصْرِكُمُ الدِّينَ ؛ لِأَنَّهَا دَائِمَةٌ بِلَا زَوَالٍ وَلَا انْقِطَاعٍ ، واللَّهُ عَزِيزٌ لَا يُقْهَرُ وَلَا يُغْلَبُ ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِ مَصَالِحِ عِبَادِهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ الَّذِي قَدْ مَرَّ فِي بَابِ قَتْلِ الْأَسْرَى وَالْفِدَاءِ مِنْ أَبْوَابِ السِّيَرِ ، ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ هَذَا وَظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ هُنَاكَ فَعَلَيْكَ أَنْ تُرَاجِعَهُ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .