وَمِنْ سُورَةِ وَالضُّحَى
وَمِنْ سُورَةِ وَالضُّحَى
3345 حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَارٍ ، فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
قَالَ : وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ .
( وَمِنْ سُورَةِ وَالضُّحَى
مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً .
قَوْلُهُ : ( عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ) الْعَبْدِيِّ ( عَنْ جُنْدُبٍ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالدَّالِ وَتُفْتَحُ ، ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ ( الْبَجَلِيِّ ) بِمُوَحَّدَةٍ وَجِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، قَوْلُهُ : ( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَارٍ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ ، وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ : " فِي غَارٍ " . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْكِنَانِيُّ : لَعَلَّهُ غَازِيًا فَتُصَحَّفُ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ ، وَكَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : " بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ " قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يُرَادُ بِالْغَارِ هُنَا الْجَمْعُ وَالْجَيْشُ لَا الْغَارُ الَّذِي هُوَ الْكَهْفُ ، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ بَعْضِ الْمَشَاهِدِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ : مَا ظَنُّكَ بِامْرِئٍ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَارَيْنِ أَيِ : الْعَسْكَرَيْنِ وَالْجَمْعَيْنِ ، انْتَهَى .
( فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ ) يُقَالُ : دَمِيَ الشَّيْءُ يَدْمَى دَمًا وَدَمْيًا فَهُوَ دَمٍ ، مِثْلُ فَرِقَ يَفْرَقُ فَرْقًا فَهُوَ فَرِقٌ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أُصْبُعَهُ جُرِحَتْ فَظَهَرَ مِنْهَا الدَّمُ ( هَلْ أَنْتِ ) مَعْنَاهُ : مَا أَنْتِ ( دَمِيتِ ) بِفَتْحِ الدَّالِ صِفَةٌ لِلْأُصْبُعِ ، وَالْمُسْتَثْنَى فِيهِ أَعَمُّ عَامٌّ الصِّفَةَ ، أَيْ : مَا أَنْتِ يَا أُصْبُعُ مَوْصُوفَةٌ بِشَيْءٍ إِلَّا بِأَنْ دَمِيتِ ، كَأَنَّهَا لَمَّا تَوَجَّعَتْ خَاطَبَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ أَوِ الْحَقِيقَةِ
مُعْجِزَةٌ تَسَلِّيًا لَهَا أَيْ : تَثَبَّتِي ؛ فَإِنَّكِ مَا ابْتُلِيتِ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْقَطْعِ سِوَى أَنَّكِ دَمِيتِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَيْضًا هَدَرًا بَلْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرِضَاهُ ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ ) لَفْظُ " مَا " هُنَا بِمَعْنَى الَّذِي ، أَيْ : الَّذِي لَقِيتِهِ مَحْسُوبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
( وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ) أَيْ تَأَخَّرَ وَاحْتَبَسَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَتْرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِ وَالضُّحَى غَيْرُ الْفَتْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ ؛ فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَيَّامًا وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ( قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّوْدِيعِ ، أَيْ : تُرِكَ ، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾أَيْ : مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْقَلَاء : الْبُغْضُ ، يُقَالُ : قَلَاهُ يَقْلِيهِ قَلَاءً ، وَقَالَ : وَمَا قَلَى وَلَمْ يَقُلْ : وَمَا قَلَاكَ لِمُوَافَقَةِ رُءُوسِ الْآيِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ .