حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

وَمِنْ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ ، أَنَّ نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : أَحَدٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مَاءُ زَمْزَمَ ، فَشَرَحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا - قَالَ قَتَادَةُ : قُلْتُ لِأَنَسِ : مَا يَعْنِي ؟ قَالَ : - إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِي ، قال : فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي ، فَغُسِلَ قَلْبِي بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً ، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَهَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ .

( وَمِنْ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ ثَمَانِ آيَاتٍ . قَوْلُهُ : ( نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ) الْمَعْرُوفُ بِغُنْدُرٍ ( عَنْ سَعِيدٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ( عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ) الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ ، صَحَابِيٌّ رَوَى عَنْهُ أَنَسٌ حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ ، كَأَنَّهُ مَاتَ قَدِيمًا ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا يُعْرَفُ رَوَى عَنْهُ إِلَّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ .

قَوْلُهُ : ( بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَجْعَلُهَا رُؤْيَا نَوْمٍ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ حَالَهُ أَوَّلَ وُصُولِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ نَائِمًا فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْحَالِ ، ثُمَّ لَمَّا خَرَجَ بِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقَ ، اسْتَمَرَّ فِي يَقَظَتِهِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعَدُّدِ فَلَا إِشْكَالَ وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِـ اسْتَيْقَظْتُ أَفَقْتُ ، أَيْ : أَنَّهُ أَفَاقَ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ شُغْلِ الْبَالِ بِمُشَاهَدَةِ الْمَلَكُوتِ ، وَرَجَعَ إِلَى الْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِيقَاظًا مِنْ نَوْمَةٍ نَامَهَا بَعْدَ الْإِسْرَاءِ ؛ لِأَنَّ إِسْرَاءَهُ لَمْ يَكُنْ طُولَ لَيْلَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهَا ، انْتَهَى .

اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : ( بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ : بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ وَرُبَّمَا قَالَ : فِي الْحِجْرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ بَاتَ فِي بَيْتِهَا قَالَ : فَفَقَدَتْهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ نَائِمٌ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ ، وَبَيْتُهَا عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ ، فَفُرِجَ سَقْفُ بَيْتِهِ ، وَأَضَافَ الْبَيْتَ إِلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ يَسْكُنُهُ ، فَنَزَلَ مِنْهُ الْمَلَكُ ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ بِهِ مُضطجَعًا وَبِهِ أَثَرُ النُّعَاسِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقَ ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ . ( إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : أَحَدٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ .

قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِالرَّجُلَيْنِ حَمْزَةُ ، وَجَعْفَرٌ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ نَائِمًا بَيْنَهُمَا ، ( فَأُتِيتُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِطَسْتٍ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، إِنَاءٌ مَعْرُوفٌ ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، وَيُقَالُ فِيهَا : طَسٌّ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَحَذْفِ التَّاءِ ، وَطَسَّةٌ أَيْضًا ( فِيهَا ) أَيْ فِي الطَّسْتِ ( فَشُرِحَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الشَّرْحِ أَيْ : شُقَّ ( صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ ( ثُمَّ حُشِيَ ) أَيْ : مُلِئَ ( إِيمَانًا وَحِكْمَةً ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ ، وَهَذَا الْمَلْء يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَتَجْسِيدُ الْمَعَانِي جَائِزٌ ، كَمَا جَاءَ أَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهَا ظُلَّةٌ ، وَالْمَوْتُ فِي صُورَةِ كَبْشٍ ، وَكَذَلِكَ وَزْنُ الْأَعْمَالِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْغَيْبِ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ ، إِذْ تَمْثِيلُ الْمَعَانِي قَدْ وَقَعَ كَثِيرًا ، كَمَا مُثِّلَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فِي عُرْضِ الْحَائِطِ ، وَفَائِدَتُهُ كَشْفُ الْمَعْنَوِيِّ بِالْمَحْسُوسِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : فِيهِ أَنَّ الْحِكْمَةَ لَيْسَ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَجَلُّ مِنْهَا ، وَلِذَلِكَ قُرِنَتْ مَعَهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ ، أَنَّهَا وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَحَلِّهِ ، أَوِ الْفَهْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَعَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي قَدْ يوجَدُ الْحِكْمَةُ دُونَ الْإِيمَانِ ، وَقَدْ لَا تُوجَدُ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَدْ يَتَلَازَمَانِ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَدُلُّ عَلَى الْحِكْمَةِ ، وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ .

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ : يَعْنِي إِنَّا شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ ، أَيْ : نَوَّرْنَاهُ ، وَجَعَلْنَاهُ فَسِيحًا رَحِيبًا ، كَقَوْلِهِ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَكَمَا شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ كَذَلِكَ جَعَلَ شَرْعَهُ فَسِيحًا وَاسِعًا سَمْحًا سَهْلًا ، لَا حَرَجَ فِيهِ ، وَلَا إِصْرَ وَلَا ضِيقَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ شَرَحَ صَدْرَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَهُنَا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ صَعْصَعَةَ . وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ ؛ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ شَرْحِ صَدْرِهِ الَّذِي فُعِلَ بِصَدْرِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنَ الشَّرْحِ الْمَعْنَوِيِّ أَيْضًا ، انْتَهَى . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ ) أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ .

قَوْلُهُ : ( وَفِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث