وَمِنْ سُورَةِ ليلة الْقَدْرِ
وَمِنْ سُورَةِ ليلة الْقَدْرِ
3350 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ : سَوَّدْتَ وُجُوهَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَوْ : يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : لَا تُؤَنِّبْنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ ، وَنَزَلَتْ : ﴿إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ٢ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾يَمْلِكُهَا بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ .
قَالَ الْقَاسِمُ : فَعَدَدْنَاهَا فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ لَا تزِيدُ يَوْما وَلَا تنْقُصُ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، وَقَدْ قِيلَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْل ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَازِنٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ هُوَ ثِقَةٌ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
( وَمِنْ سُورَةِ ليلة الْقَدْرِ )
قِيلَ : هِيَ مَكِّيَّةٌ ، وَقِيلَ : مَدَنِيَّةٌ ، وَهِيَ خَمْسُ آيَاتٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ ) الْجُمَحِيِّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ ، وَيُقَالُ : هُوَ يُوسُفُ بْنُ مَازِنٍ ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( قَالَ : قَامَ رَجُلٌ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَازِنٍ : قَالَ : قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَخْ ( إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( بَعْدَمَا بَايَعَ ) أَيِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ( مُعَاوِيَةَ ) أَيِ ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيَّ ، أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَلِيفَةَ ، صَحَابِيٌّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَكَتَبَ الْوَحْيَ ، وَمَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ ( أَوْ : يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ ) كَلِمَةُ " أَوْ " لِلشَّكِّ ( لَا تُؤَنِّبْنِي ) بِصِيغَةِ النَّهْيِ مِنَ التَّأْنِيبِ ، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّوْبِيخِ وَالتَّعْنِيفِ ( أُرِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ أَيْ فِي الْمَنَامِ ( بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ : أُرِيَ فِي مَنَامِهِ بَنِي أُمَيَّةَ يَعْلُونَ مِنْبَرَهُ خَلِيفَةً خَلِيفَةً ، إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ أَيِ : الْقُرْآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ، فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيِ : الشَّرَفِ وَالْعِظَمِ ، وَمَا أَدْرَاكَ أَيْ : أَعْلَمَكَ يَا مُحَمَّدُ ، مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ؛ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهَا ، وَتَعْجِيبٌ مِنْهُ ، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾أَيْ : لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْهُ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَتْ فِيهَا ( يَمْلِكُهَا ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ رَاجِعٌ إِلَى أَلْفِ شَهْرٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ مُدَّةِ أَلْفِ شَهْرٍ يَمْلِكُ فِيهَا بَنُو أُمَيَّةَ الْوِلَايَةَ وَالْخِلَافَةَ ( قَالَ الْقَاسِمُ ) أَيِ ابْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ ( فَعَدَدْنَاهَا ) أَيْ مُدَّةَ خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ : فَحَسَبْنَا مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ ( فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ ) هِيَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَكَانَ اسْتِقْلَالُ إِمَارَةِ بَنِي أُمَيَّةَ مُنْذُ بَيْعَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، لِمُعَاوِيَةَ ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَكَانَ انْفِصَالُ دَوْلَتِهِمْ عَلَى يَدِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَذَلِكَ اثْنَتَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً ، يَسْقُطُ مِنْهَا مُدَّةُ خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ثَمَانِ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ ، يَبْقَى ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ .
قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، وَقَدْ قِيلَ : عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَازِنٍ إِلَخْ ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَازِنٍ بِهِ ، وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّ يُوسُفَ هَذَا مَجْهُولٌ فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ
جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، وَيُونُسُ ابْنُ عُبَيْدٍ ، وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : هُوَ مَشْهُورٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ : هُوَ ثِقَةٌ ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَازِنٍ كَذَا قَالَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي اضْطِرَابًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُنْكَرٌ جِدًّا . قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ . قَالَ : وَقَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيِّ أَنَّهُ حَسَبَ مُدَّةَ بَنِي أُمَيَّةَ فَوَجَدَهَا أَلْفَ شَهْرٍ لَا تَزِيدُ يَوْمًا وَلَا تَنْقُصُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَقَلَّ بِالْمُلْكِ حِينَ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْإِمْرَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ ، وَاجْتَمَعَتِ الْبَيْعَةُ لِمُعَاوِيَةَ ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ عَامَ الْجَمَاعَةِ ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا فِيهَا مُتَتَابِعِينَ بِالشَّامِ وَغَيْرِهَا ، لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُمْ إِلَّا مُدَّةَ دَوْلَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْحَرَمَيْنِ وَالْأَهْوَازِ وَبَعْضِ الْبِلَادِ قَرِيبًا مِنْ تِسْعِ سِنِينَ ، لَكِنْ لَمْ تَزُلْ يَدُهُمْ عَنِ الْإِمْرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ عَنْ بَعْضِ الْبِلَادِ إِلَى أَنِ اسْتَلَبَهُمْ بَنُو الْعَبَّاسِ الْخِلَافَةَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ مُدَّتِهِمُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً ، وَذَلِكَ أَزْيَدُ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ؛ فَإِنَّ الْأَلْفَ شَهْرٍ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَكَأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ الْفَضْلِ أَسْقَطَ مِنْ مُدَّتِهِمْ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَلَى هَذَا فَتَقَارَبَ مَا قَالَهُ لِلصِّحَّةِ فِي الْحِسَابِ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سِيقَ لِذَمِّ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا السِّيَاقِ ، فَإِنَّ تَفْضِيلَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى أَيَّامِهِمْ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ أَيَّامِهِمْ ، فَإِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ شَرِيفَةٌ جِدًّا ، وَالسُّورَةُ الْكَرِيمَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ لِمَدْحِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَكَيْفَ تُمْدَحُ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ الَّتِي هِيَ مَذْمُومَةٌ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا وَقَالَ آخَرُ :
إِذَا أَنْتَ فَضَّلْتَ امْرَأً ذَا بَرَاعَةٍ عَلَى نَاقِصٍ كَانَ الْمَدِيحُ مِنَ النَّقْصِ ، ثُمَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْأَلْفَ شَهْرٍ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هِيَ أَيَّامُ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فَكَيْفَ يُحَالُ عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ هِيَ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُ الْآيَةِ وَلَا مَعْنَاهَا ، وَالْمِنْبَرُ إِنَّمَا صُنِعَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ وَنَكَارَتِهِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ .
قُلْتُ : وَفِي قَوْلِهِ : ( وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَازِنٍ كَذَا قَالَ ) نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لَمْ يَرْوِهِ هَكَذَا بَلْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَازِنٍ ، كَمَا فِي النُّسْخَةِ الْمِصْرِيَّةِ ، وَعَلَيْهِ يَصِحُّ قَوْلُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي اضْطِرَابًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَتَفَكَّرْ .