مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقال وله كنيتان أبو تراب وأبو الحسن
3712 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَمَضَى فِي السَّرِيَّةِ فَأَصَابَ جَارِيَةً ، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ ، وَتَعَاقَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : لَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا صَنَعَ عَلِيٌّ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا رَجَعُوا مِنْ السَّفَرِ بَدَءُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى رِحَالِهِمْ ، فَلَمَّا قَدِمَتْ السَّرِيَّةُ سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ قَامَ إليه الثَّالِثُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ قَامَ الرَّابِعُ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا ، فَأَقْبَلَ إليه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ ، فَقَالَ : مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ ، مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ ، مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ ، إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ من بَعْدِي . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ .
( مَنَاقِبُ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ
اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَقِيقِ أَبِيهِ ، وَاسْمُهُ : عَبْدُ مَنَافٍ عَلَى الصَّحِيحِ ، وُلِدَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِعَشْرِ سِنِينَ عَلَى الرَّاجِحِ ، وَكَانَ قَدْ رَبَّاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ صِغَرِهِ لِقِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، فَلَازَمَهُ مِنْ صِغَرِهِ ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ إِلَى أَنْ مَاتَ ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ وَكَانَتِ ابْنَةَ عَمَّةِ أَبِيهِ ، وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ لِهَاشِمِيٍّ ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَصَحِبَتْ وَمَاتَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ : لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي عَلِيٍّ ، وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَشْرُ سِنِينَ ، وَهَذَا أَرْجَحُهُمَا ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ( يُقَالُ : وَلَهُ كُنْيَتَانِ أَبُو تُرَابٍ وَأَبُو الْحَسَنِ ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَلَهُ كُنْيَتَانِ يُقَالُ له : أَبُو تُرَابٍ وَأَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى فَاطِمَةَ ثُمَّ خَرَجَ فَاضْطَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ " ؟ قَالَتْ : فِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَوَجَدَ رِدَاءَهُ قَدْ سَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ وَخَلَصَ التُّرَابُ إِلَى ظَهْرِهِ فَجَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ ظُهْرِهِ فَيَقُولُ : " اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ " مَرَّتَيْنِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ : ابْنِ الشِّخِّيرِ ( وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ) أَيْ : جَعَلَهُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ( فَمَضَى فِي السَّرِيَّةِ ) هِيَ طَائِفَةٌ مِنْ جَيْشٍ أَقْصَاهَا أَرْبَعُمِائَةٍ تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ وَجَمْعُهَا السَّرَايَا ( فَأَصَابَ جَارِيَةً ) أَيْ : وَقَعَ عَلَيْهَا وَجَامَعَهَا ، وَاسْتُشْكِلَ وُقُوعُ عَلِيٍّ عَلَى الْجَارِيَةِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بِكْرًا غَيْرَ بَالِغٍ وَرَأَى أَنَّ مِثْلَهَا لَا يُسْتَبْرَأُ كَمَا صَارَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَاضَتْ عَقِبَ صَيْرُورَتِهَا لَهُ ثُمَّ طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَدْفَعُهُ ( فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ ) أَيْ : عَلَى عَلِيٍّ ، وَوَجْهُ إِنْكَارِهِمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْمَغْنَمِ فَظَنُّوا أَنَّهُ غَلَّ ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا وَقَدِ اغْتَسَلَ فَقُلْتُ لِخَالِدٍ : أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : " يَا بُرَيْدَةُ : أَتُبْغِضُ عَلِيًّا " ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : " لَا تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْمخمسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ " ( وَتَعَاقَدَ ) أَيْ : تَعَاهَدَ ( وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا رَجَعُوا مِنْ سَفَرٍ إِلَخْ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ قَالَ عِمْرَانُ : وَكُنَّا إِذَا قَدِمْنَا مِنْ سَفَرٍ بَدَأْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( إِلَى رِحَالِهِمْ ) أَيْ : إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ ( فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الرَّابِعِ ( وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : وَقَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ ( مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ إِلَخْ ) ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : " دَعُوا عَلِيًّا دَعُوا عَلِيًّا " ( إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ) أَيْ : فِي النَّسَبِ وَالصِّهْرِ ، وَالْمُسَابَقَةِ ، وَالْمَحَبَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَزَايَا ، وَلَمْ يُرِدْ مَحْضَ الْقَرَابَةِ وَإِلَّا فَجَعْفَرٌ شَرِيكُهُ فِيهَا ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شَأْنِ جُلَيْبِيبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- " هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ " مَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي اتِّحَادِ طَرِيقَتِهِمَا ، وَاتِّفَاقِهِمَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
تَنْبِيهٌ :
احْتَجَّ الشِّيعَةُ بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ " عَلَى أَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَعَلَ عَلِيًّا مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ : " إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي " وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ فِي غَيْرِ عَلِيٍّ . قُلْتُ : زَعْمُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ جِدًّا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- " إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي " أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ حَقِيقَةً ، بَلْ مَعْنَاهُ هُوَ مَا قَدْ عَرَفْتَ آنِفًا ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ فِي غَيْرِ عَلِيٍّ فَبَاطِلٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي شَأْنِ جُلَيْبِيبٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- فَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ " ؟ قَالُوا : نَعَمْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَالَ : " لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فَاطْلُبُوهُ " فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوا . فَأَتَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : " قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذَا الْقَوْلَ فِي شَأْنِ الْأَشْعَرِيِّينَ . فَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرَمَلُوا فِي الْغَزْوِ ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذَا الْقَوْلَ فِي شَأْنِ بَنِي نَاجِيَةَ ، فَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِبَنِي نَاجِيَةَ : " أَنَا مِنْهُمْ وَهُمْ مِنِّي " . رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ " وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي " كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِزِيَادَةِ مِنْ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا بَعْدِي بِحَذْفِ مِنْ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ الشِّيعَةُ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ خَلِيفَةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ غَيْرِ فَضلٍ ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ على هَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ مَدَارَهُ على صِحَّةِ زِيَادَةِ لَفْظِ بَعْدِي وَكَوْنُهَا صَحِيحَةً مَحْفُوظَةً قَابِلَةً لِلِاحْتِجَاجِ ، وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهَا قَدْ تَفَرَّدَ بِهَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَهُوَ شِيعِيٌّ بَلْ هُوَ غَالٍ فِي التَّشَيُّعِ ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : قَالَ الدُّورِيُّ : كَانَ جَعْفَرٌ إِذَا ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ شَتَمَهُ وَإِذَا ذَكَرَ عَلِيًّا قَعَدَ يَبْكِي ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي كَامِلٍ ، ثنا جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ قَالَ : بَعَثَنِي أَبِي إِلَى جَعْفَرٍ ، فَقُلْتُ : بَلَغَنَا أَنَّكَ تَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ؟ قَالَ : أَمَّا السَّبُّ فَلَا وَلَكِنِ الْبُغْضُ مَا شِئْتُ فَإِذَا هُوَ رَافِضِيٌّ مثل الْحِمَارُ . انْتَهَى ، فَسَبُّهُ
أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا- يُنَادِي بِأَعْلَى نِدَاءٍ أَنَّهُ كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ السَّاجِيِّ : وَأَمَّا الْحِكَايَةُ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهُ ، فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ جَارَيْنِ كَانَا لَهُ قَدْ تَأَذَّى بِهِمَا يُكَنَّى أَحَدُهُمَا : أَبَا بَكْرٍ ، وَيُسَمَّى الْآخَرُ عُمَرُ ، فَسُئِلَ عَنْهُمَا فَقَالَ : أَمَّا السَّبُّ فَلَا ، وَلَكِنْ بُغْضًا مَا لَكَ وَلَمْ يَعْنِ بِهِ الشَّيْخَيْنِ ، أَوْ كَمَا قَالَ . انْتَهَى . فَإِنْ كَانَ كَلَامُ ابْنِ عَدِيٍّ هَذَا صَحِيحًا فَغُلُوُّهُ مُنْتَفٍ ، وَإِلَّا فَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَأَمَّا كَوْنُهُ شِيعِيًّا فَهُوَ بِالِاتِّفَاقِ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ زَاهِدٌ ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَشَيَّعُ . انْتَهَى ، وَكَذَا فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ ، وَظَاهِرٌ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَقْوَى بِهِ مُعْتَقَدُ الشِّيعَةِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِذَا رَوَى شَيْئًا يُقَوِّي بِهِ بِدْعَتَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي مُقَدِّمَتِهِ : وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَتِهِ وَمُرَوِّجًا لَهُ رُدَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قُبِلَ إِلَّا أَنْ يَرْوِيَ شَيْئًا يُقَوِّي بِهِ بِدْعَتَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ قَطْعًا . انْتَهَى .
فَإِنْ قُلْتَ : لَمْ يَتَفَرَّدْ بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ بَعْدِي جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا أَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَجْلَحَ الْكِنْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْثَيْنِ إِلَى الْيَمَنِ ، عَلَى أَحَدِهِمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَلَى الْآخَرِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : " لَا تَقَعْ فِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، وَهُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي ، وَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، وَهُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي " . قُلْتُ : أَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ هَذَا أَيْضًا شِيعِيٌّ ، قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حُجَيَّةَ ، يُكَنَّى أَبَا حُجَيَّةَ الْكِنْدِيَّ ، يُقَالُ : اسْمُهُ يَحْيَى صَدُوقٌ شِيعِيٌّ . انْتَهَى ، وَكَذَا فِي الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ زِيَادَةَ بَعْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَهْمِ هَذَيْنِ الشِّيعِيَّيْنِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ لَيْسَتْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ .
فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ ، ثنا ابْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ : غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْيَمَنَ فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَفْوَةً . الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ : " يَا بُرَيْدَةُ أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ " ؟ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ " ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، ثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَرِيَّةٍ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : " مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ " ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، ثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ وَهُمْ يَتَنَاوَلُونَ مِنْ عَلِيٍّ . الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ . فَظَهَرَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ زِيَادَةَ لَفْظِ بَعْدِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ ، بَلْ هِيَ مَرْدُودَةٌ ، فَاسْتِدْلَالُ الشِّيعَةِ بِهَا عَلَى أَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ خَلِيفَةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَاطِلٌ جِدًّا . هَذَا مَا عِنْدِي ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مِنْهَاجِ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " هُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي " كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَلْ هُوَ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ وَلِيُّهُ فِي الْمَحْيَا ، وَالْمَمَاة ، فَالْوِلَايَةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ الَّتِي هِيَ الْإِمَارَةُ فَيُقَالُ فِيهَا وَالِي كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي كَمَا يُقَالُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِذَا اجْتَمَعَ الْوَلِيُّ وَالْوَالِي قُدِّمَ الْوَالِي فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ، وَقِيلَ : يُقَدَّمُ الْوَلِيُّ وَقَوْلُ الْقَائِلِ : عَلِيٌّ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي كَلَامٌ يَمْتَنِعُ نِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْمُوَالَاةَ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَقُولَ بَعْدِي ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِمَارَةَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَالٍ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ . انْتَهَى . فَإِنْ قُلْتَ : لَمْ يَتَفَرَّدْ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِقَوْلِهِ : " هُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي " بَلْ وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ ، فَفِي آخِرِهِ لَا تَقَعْ فِي عَلِيٍّ " فَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي وَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي " . قُلْتُ : تَفَرَّدَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، أَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ ، وَهُوَ أَيْضًا شِيعِيٌّ . قَوْلُهُ : ( هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .