حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

كتاب الْعِلَلِ

﴿بسم الله الرحمن الرحيم شفاء الغلل في شرح كتاب العلل

كِتَاب الْعِلَلِ أخبرنا الكروخي ، نا القاضي أبو عامر الأزدي والشيخ أبو بكر الغورجي وأبو المظفر الدهان قالوا : نا أبو محمد الجراحي ، نا أبو العباس المحبوبي ، أنا أَبُو عِيسَى الترمذي قال : جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الْحَدِيثِ هُوَ مَعْمُولٌ بِهِ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا خَلَا حَدِيثَيْنِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالْمَدِينَةِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ولا سفر وَلَا مَطَرٍ وَحَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَّةَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فِي الْكِتَابِ .

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ . أَمَّا بَعْدُ ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ مُحَمَّدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَافِظِ عَبْدِ الرَّحِيمِ جَعَلَ اللَّهُ مَآلَهُمَا النَّعِيمَ الْمُقِيمَ : إِنِّي لَمَّا فَرَغْتُ بِعَوْنِهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ مِنْ تَصْنِيفِ شَرْحِ الْجَامِعِ لِلتِّرمِذِيِّ الْمُسَمَّى بِتُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْرَحَ كِتَابَهُ " الْعِلَلُ الصَّغِيرُ " الَّذِي أَلْحَقَهُ فِي آخِرِهِ ، وَجْعَلَهُ كَالْخَاتِمَةِ لَهُ ؛ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَبَاحِثَ مُهِمَّةٍ تَحْتَاجُ إِلَى التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ ، وَفَوَائِدَ جَمَّةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى التَّوْضِيحِ وَالتَّفْصِيلِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُوَفِّقُ وهو المعين ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . اعْلَمْ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْعِلَلِ كِتَابَيْنِ : الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ . وَكِتَابُ الْعِلَلِ الصَّغِيرُ لَهُ هُوَ هَذَا وَلَهُ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ بِجَامِعِهِ ، وَلِذَا أَلْحَقَهُ بِآخِرِهِ . وَكِتَابُ الْعِلَلِ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ الْأَحَادِيثَ الْمُعَلَّلَةَ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ ، وَيُبَيِّنُ فِيهِ عِلَّةَ كُلِّ حَدِيثٍ ، وَقَدْ يُصَنَّفُ الْمُسْنَدُ مَعَ بَيَانِ عِلَلِ الْأَحَادِيثِ ، وَيُقَالُ لَهُ الْمُسْنَدُ الْمُعَلَّلُ ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ كُتُبِ الْعِلَلِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي التَّدْرِيبِ ص 181 : وَمِنْ أَحْسَنِهِ أَيِ التَّصْنِيفِ تَصْنِيفُهُ أَيِ الْحَدِيثِ مُعَلَّلًا بِأَنْ يَجْمَعَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ أَوْ بَابٍ طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ رُوُاتِهِ ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْعِلَلِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ ، وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ عَلَى الْأَبْوَابِ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ ، وَقَدْ صَنَّفَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ مُسْنَدَهُ مُعَلَّلًا فَلَمْ يَتِمَّ قَبْلُ ، وَلَمْ يُتَمَّمْ مُسْنَدٌ مُعَلَّلٌ قَطُّ ، وَقَدْ صَنَّفَ بَعْضُهُمْ مُسْنَدَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُعَلَّلًا فِي مِائَتَيْ جُزْءٍ انْتَهَى .

وَقَدْ يُرَادُ بِالْعِلَّةِ مَعْنًى أَعَمُّ مِنْ مَعْنَاهَا الْمَشْهُورِ كَمَا سَتَقِفُ عَنْ قَرِيبٍ ، فَيُجْمَعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْفَوَائِدِ الْمُهِمَّةِ فِي كِتَابٍ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا كِتَابُ الْعِلَلِ ، كَمَا صَنَعَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْعِلَلُ الصَّغِيرُ " هَذَا . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُعَلَّلُ فَهُوَ مَا اطُّلِعَ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ مَعَ ظُهُورِ السَّلَامَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : ثُمَّ الْوَهْمُ أِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ الدَّالَةِ عَلَى وَهْمِ رَاوِيهِ مِنْ وَصْلِ مُرْسَلٍ أَوْ مُنْقَطِعٍ أَوْ إِدْخَالِ حَدِيثٍ فِي حَدِيثٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْقَادِحَةِ وَيَحْصُلُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ التَّتَبُّعِ وَجَمْعِ الطُّرِقِ فَهَذَا هُوَ الْمُعَلَّلُ ، وَهُوَ مِنْ أَغْمَضِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَأَدَقِّهَا ، وَلَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهْمًا ثَاقِبًا وَحِفْظًا وَاسِعًا ، وَمَعْرِفَةً تَامَّةً بِمَرَاتِبِ الرُّوُاةِ وَمَلَكَةً قَوِيَّةً بِالْأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ : كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَيَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ ، وَأَبِي حَاتِمٍ ، وَأَبِي زُرْعَةَ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَقَدْ يَقْصُرُ عِبَارَةُ الْمُعَلِّلِ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى دَعْوَاهُ كَالصَّيْرَفِيِّ فِي نَقْدِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ انْتَهَى . قَالَ الْبُلْقِينِيُّ : أَجَلُّ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي الْعِلَلِ : كِتَابُ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْخَلَّالِ ، وَأَجْمَعُهَا كِتَابُ الدَّارَقُطْنِيِّ . قَالَ السُّيُوطِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : وَقَدْ صَنَّفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ( يَعْنِي الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ) فِيهِ " الزُّهْرُ الْمَطْلُولُ فِي الْخَبَرِ الْمَعْلُولِ انْتَهَى .

قُلْتُ : وَقَدْ صَنَّفَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ أَيْضًا فِي الْعِلَلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ . وَكِتَابُ الْعِلَلِ لِلْإِمَامِ الدَّارَقُطْنِيِّ كِتَابٌ عَجِيبٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ فِي تَرْجَمَتِهِ : وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُبَيِّنَ بَرَاعَةَ هَذَا الْإِمَامِ فَطَالِعِ الْعِلَلَ لَهُ فَإِنَّكَ تَنْدَهِشُ وَيَطُولُ تَعَجُّبُكَ انْتَهَى . وَإِنِّي قَدْ طَالَعْتُهُ فَوَجَدْتُهُ كَمَا وَصَفَهُ الذَّهَبِيُّ ، وَقَدْ طَالَعْتُ أَيْضًا كِتَابَ الْعِلَلِ لِلْحَافِظِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَهُوَ أَيْضًا كِتَابٌ جَلِيلٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَهَارَةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ فِي مَعْرِفَةِ الْعِلَلِ مَا حَكَاهُ الْحَافِظُ فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدُونَ الْحَافِظِ : رَأَيْتُ الْبُخَارِيَّ فِي جِنَازَةٍ - وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ يَسْأَلُهُ عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالْعِلَلِ - وَالْبُخَارِيُّ يَمُرُّ فِيهِ مِثْلَ السَّهْمِ كَأَنَّهُ يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ انْتَهَى . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ : لَمْ أَرَ أَحَدًا بِالْعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَمَعْرِفَةِ الْأَسَانِيدِ كَبِيرَ أَحَدٍ أَعْلَى مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ انْتَهَى . وَأَمَّا قَولُ مَسْلَمَةَ : أَلَّفَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيُّ كِتَابَ الْعِلَلِ وَكَانَ ضَنِينًا بِهِ فَغَابَ يَوْمًا فِي بَعْضِ ضِيَاعِهِ فَجَاءَ الْبُخَارِيُّ إِلَى بَعْضِ بَنِيهِ ، وَرَاغَبَهُ بِالْمَالِ عَلَى أَنْ يَرَى الْكِتَابَ يَوْمًا وَاحِدًا فَأَعْطَاهُ لَهُ فَدَفَعَهُ إِلَى النُّسَّاخِ فَكَتَبُوهُ لَهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا حَضَرَ عَلِيٌّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَأَجَابَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَصِّ كَلَامِهِ مِرَارًا فَفَهِمَ الْقَضِيَّةَ وَاغْتَمَّ لِذَلِكَ ، فَلَمْ يَزَلْ مَغْمُومًا حَتَّى مَاتَ بَعْدَ يَسِيرٍ وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ بِذَلِكَ الْكِتَابِ انْتَهَى . فَقَدْ أَبْطَلَهُ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا لَفْظُهُ : وَأَمَّا الْقِصَّةُ الَّتِي حَكَاهَا ( أَيْ مَسْلَمَةُ ) فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَلِ لِابْنِ الْمَدِينِيِّ فَإِنَّهَا غَنِيَّةٌ عَنِ الرَّدِّ لِظُهُورِ فَسَادِهَا ، وَحَسْبُكَ أَنَّهَا بِلَا إِسْنَادٍ ، وَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ كَانَ مُقِيمًا بِبِلَادِهِ ، وَأَنَّ الْعِلَلَ لِابْنِ الْمَدِينِيِّ قَدْ سَمِعَهَا مِنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ ، فَلَوْ كَانَ ضَنِينًا بِهَا لَمْ يُخْرِجْهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْبُطْلَانِ لِهَذِهِ الْأُخْلُوقَةِ . انْتَهَى .

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ مُقْتَضَاهَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْقَادِحَةِ كَكَذِبِ الرَّاوِي وَفِسْقِهِ وَغَفْلَتِهِ وَسُوءِ حِفْظِهِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابِ ضِعْفِ الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْعِلَلِ وَسَمَّى التِّرْمِذِيُّ النَّسْخَ عِلَّةً ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ عِلَّةٌ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ فَصَحِيحٌ ، أَوْ فِي صِحَّتِهِ فَلَا ؛ لِأَنَّ فِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَنْسُوخَةً ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمُ الْعِلَّةَ عَلَى مُخَالَفَةٍ لَا تَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَإِرْسَالِ مَا وَصَلَهُ الثِّقَةُ الضَّابِطُ حَتَّى قَالَ مِنَ الصَّحِيحِ صحيح مُعَلَّلٌ ، كَمَا قِيلَ مِنْهُ : صَحِيحٌ شَاذٌّ . وَقَائِلُ ذَلِكَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ فِي الْإِرْشَادِ ، وَمَثَّلَ الصَّحِيحَ الْمُعَلَ بِحَدِيثِ مَالِكٍ : لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مُعْضَلًا ، وَرَوَاهُ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَوْصُولًا . قَالَ : فَقَدْ صَارَ الْحَدِيثُ بِتَبْيِينِ الْإِسْنَادِ صَحِيحًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : وَذَلِكَ عَكْسُ الْمُعَلَّلِ فَإِنَّهُ مَا ظَاهِرُهُ السَّلَامَةُ فَاطُّلِعَ فِيهِ بَعْدَ الْفَحْصِ عَلَى قَادِحٍ ، وَهَذَا كَانَ ظَاهِرَهُ الْإِعْلَالُ بِالْإِعْضَالِ ، فَلَمَّا فُتِشَ تَبَيَّنَ وَصْلُهُ ، كَذَا فِي تَدْرِيبِ الرَّاوِي .

تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ رِجَالِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ لَا أَذْكُرُ تَرَاجِمَهُمُ فَإِنَّهَا تَقَدَّمَتْ فِي الشَّرْحِ وَإِنَّمَا أَذْكُرُ تَرَاجِمَ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ رِجَالِهِ .

قَولُهُ : ( أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى كَرُوخَ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ ، وَهُوَ أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ ، وَقَائِلُ أَخْبَرَنَا هُوَ عُمَرُ بْنُ طَبَرْزَدَ الْبُغْدَادِيُّ ( نَا الْقَاضِي أَبُو عَامِرٍ الْأَزْدِيُّ )

[4/384]

بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَإِهْمَالِ الدَّالِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَزْدِ ، وَاسْمُهُ : مَحْمُودُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ( وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِالرَّاءِ وَالْجِيمِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْغُورَةُ بِالضَّمِّ قَرْيَةٌ عِنْدَ بَابِ هَرَاةَ وَهُوَ غُورَجِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ انْتَهَى . وَاسْمُ أَبِي بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ هَذَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ أَبِي حَامِدٍ ( نَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ اسْمُهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَرَّاحِ ( نَا أَبُو الْعَبَّاسِ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبِ بْنِ فُضَيْلٍ .

قَوْلُهُ : ( جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ مَعْمُولٌ بِهِ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا خَلَا حَدِيثَيْنِ إِلَخْ ) فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا نَظَرٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، وَفِي بَابِ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ صَاحِبُ دِرَاسَاتِ اللَّبِيبِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ ( وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَّةَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فِي الْكِتَابِ ) أَيْ فِي جَامِعِهِ فِي الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . قَالَ صَاحِبُ الدِّرَاسَاتِ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا أَتَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي بَيَانِ عِلَّةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ تَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْعَمَلَ بِهِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُ إِشْعَارًا كَالتَّصْرِيحِ بِأَزْيَدَ مِنْ مُعَارَضَةِ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَرْوِيَّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِحَدِيثِ الْجَمْعِ وَلَيْسَتِ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالصُّورَةِ دُونَ الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْجَمْعِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وُجُوهٍ ، وَحَدِيثُ حُرْمَةِ الْجَمْعِ مَعْلُولٌ بِحَنَشٍ كَمَا أَقَرَّ بِهِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ صِحَّةِ أَحَدِهِمَا وَضَعْفِ الْآخَرِ ، عَلَى أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا ثُبُوتَ الْمُعَارَضَةِ وَكَوْنَهَما عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ مِنَ الصِّحَّةِ ، فَالْمُعَارَضَةُ إِذًا لَمْ يُمْكِنِ التَّقَصِّي مِنْهَا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ فَهِيَ مِمَّا يُوجِبُ الْوَقْفَةَ فِي الْحُكْمِ بِأَحَدِهِمَا مَا لَمْ يُوجَدِ الْمُرَجِّحُ لِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَلَا تُعَدُّ الْمُعَارَضَةُ مِنْ عِلَلِ الْحَدِيثَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا . وَإِذَا وُجِدَ الْمُرَجِّحُ عُمِلَ بِمَا تَرَجَّحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْآخَرِ بِكَوْنِهِ مَعْلُولًا ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَاهِرِ هَذَا الْفَنِّ الشَّرِيفِ . عَلَى أَنَّا- عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الْمُعَارِضِ لِحَدِيثِ الْجَمْعِ- نَقْتَدِرُ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ . ثُمَّ ذَكَرَ صَاحِبُ الدِّرَاسَاتِ وُجُوهَ الْجَمْعِ مُفَصَّلَةً ، ثُمَّ قَالَ : وَأَمَّا عِلَّةُ الْحَدِيثِ الثَّانِي فَنَقُولُ : قَوْلُهُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ دَعْوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فِيمَا لَا يُبَاحُ فِيهِ الدَّعْوَى إِلَّا بِنَصِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَوْلُهُ : وَهَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ إِلَى آخِرِ الْمَتْنِ . قُلْتُ : لَا يَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا عَلَى أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَقْتُلِ الرَّجُلَ فِي الرَّابِعَةِ . فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقَتْلِ كَانَ مِنْ بَابِ الْإِبَاحَةِ وَالرُّخْصَةِ لِلسِّيَاسَةِ دُونَ إِيجَابِهِ حَدًّا فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ فَتَرْكُ الْقَتْلِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا يُعَارِضُ تِلْكَ الرُّخْصَةَ ، وَمَتَى يُمْكِنُ الْجَمْعُ لَمْ يُبَحْ لَنَا الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ عِنْدَنَا لَا يُقَدَمْ عَلَى النَّسْخِ أَيْضًا مَا لَمْ يُوجَدْ نَصٌّ مِنَ الشَّارِعِ -صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِنَسْخِهِ ، وَإِنْ عُلِمَ تَأَخُّرُ تَارِيخِ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَنِ الْآخَرِ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَافِظُ الْحَازِمِيُّ فِي الِاعْتِبَارِ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ مُعَلَّقًا قَالَ : وَكَانَتْ رُخْصَةً مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّ الْقَتْلَ فِي الرَّابِعَةِ كَانَتْ رُخْصَةً فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ ، فَكَأَنَّ الْأَمْرَ هُنَاكَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ ، وَلِهَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ فِيمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ قَبِيْصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِنَحْوِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ مَعَ هَذَا الْجَمْعِ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَفْسِهِ كَيْفَ أَقْدَمَ عَلَى الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ ؛ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا عِلَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّتِي أَشَارَ فِي بَابِ الْعِلَلِ إِلَى تَقَدُّمِ ذِكْرِهَا فِي الْكِتَابِ ، وَمَا طَرِيقُ ثُبُوتِ عَدَمِ أَخْذِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَرَدَ مِنَ الرُّخْصَةِ وَالْإِبَاحَةِ لِلسِّيَاسَةِ فِي الرَّابِعَةِ ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ ثبَتَ عَدَمُ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْأُمَّةِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْأَخْذِ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَخْذِ بِأَحَادِيثِ الرُّخَصِ رِوَايَتُهَا كَذَلِكَ مُبَاحَةً وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ بِهَا مِنْهُمْ قَطُّ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ ، فَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ صِحَّةِ الْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنَّهُ مَا أَخَذَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ .

انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الدِّرَاسَاتِ .

ورد في أحاديث10 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث