ما جاء في البول قائما
حدثنا إسحاق بن منصور ، ثنا أبو داود ، ثنا شعبة ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن المغيرة بن شعبة : أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائما . قال شعبة : قال عاصم يومئذ : وهذا الأعمش يرويه عن أبي وائل ، عن حذيفة ، وما حفظه ، فسألت عنه منصورا ، فحدثنيه عن أبي وائل ، عن حذيفة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائما . هذا حديث خرجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن محمد بن عبد اللّه المخرمي ، ثنا يونس بن محمد ، ثنا حماد بن سلمة ، عن حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة ، عن أبي وائل ، فذكره بلفظ ففرج رجليه .
وقال الترمذي : حديث أبي وائل عن حذيفة أصح . كذا ذكره في الجامع ، وفي العلل الكبير نحوه ، وفيه تصريح بسماع عاصم من أبي وائل ، قال الدارقطني : حديث أبي وائل عن المغيرة خطأ ، وبنحوه قال البيهقي ، ويشبه أن يكون قول ابن خزيمة أولاهما وأقربهما إلى الصواب ؛ لصحة إسناده وعدالة رواته ، وأنّه لا بُعد في أن يكون أبو وائل رواه عن اثنين ، وأن الاثنين رويا ما شاهداه من فعل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وأنّ أبا وائل أدَّى الخبرين عنهما ، فسمعه منه جماعة ، فأدى كل ما سمع ، وقْد روى فعله ذاك - صلى الله عليه وسلم - جماعة غير من تقدّم ، منهم : سهل بن سعد الساعدي ، وحديثه عند ابن خزيمة في صحيحه ، والطبراني في الأوسط وأشار إلى تفرد إبراهيم بن حماد عن أبي حازم عن مصعب ، وقال : ولا يرويه عن أبي حازم إلا مصعب ، وأبو هريرة ، وفي حديثه بيان لسبب ذلك ؛ وهو جرح كان بمأبضه عند الحاكم . وقال : رواته كلّهم ثقات .
وقال البيهقي : هذا حديث صحيح . وفيما قالاه نظر ؛ ، وأبو القاسم بن عساكر في كتابه المسمّى مجموع الرغائب في أحاديث مالك الغرائب ، وثبت عن عمر وابنه وزيد أنّهم فعلوا ذلك . قاله ابن المنذر .
وقيل أيضا عن علي ، وسعد بن عبادة ، وأنس ، وأما قول ابن عساكر في كتاب الأطراف : رواه ابن ماجه في الطهارة ، عن إسحاق ، عن أبي داود ، عن شعبة ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، وعن إسحاق بن منصور ، عن أبي داود ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن المغيرة به ، ولم يذكر أبا وائل ، وتبعه على ذلك الحافظ المزي ؛ فلم أر ذلك في عدّة من نسخ ابن ماجه ، وليس فيها إلا ما أسلفناه ، قال الخطابي : فعل - عليه السلام - ذلك لأنه لم يجد للقعود مكانا ، وعن الشّافعي : كانت العرب تستشفي لموضع الصلب بالبول قائما ، فيرى أنه كان به إذ ذاك . وقال عياض : كان ذلك لشغله بأمور المسلمين ، فلعلّه طال عليه المجلس حين حضره البول ولم يمكنه التباعد كعادته ، فأتى السباطة لدمثها ، وأقام حذيفة يستره عن الناس . وفي المعلم : كان ذلك لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر ، بخلاف القعود ، ومنه قول عمر بن الخطاب : البول قائما أحصن للدبر من الجلوس .
ويحتمل أنه - عليه السلام - فعل ذلك لبيان الجواز ورفع الحرج ، وأما قول المنذري : أو لعله كان فيها نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن تتطاير عليه ، فليس ظاهرا ؛ لكون القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد . وقول حذيفة : دعاني ، ظاهر في جواز التكلم على قضاء الحاجة ، وزعم بعضهم أن كلامه له بالإشارة لا باللفظ ، اعتمادا على ما في البخاري : فأشار إلي ، وطريق الجمع أن قولَه دعاني ، يعني الإِشارة ، وكذا قوله : لم تنحيت ؟ إن كانت صحيحة ، فيكون إنكارا بالإِشارة أيضا ، أو نقول : إنه جعل الإِشارة تأكيدا للفظ . والسباطة الموضع الذي يرمى فيه التراب ، ويكون بالأبنية مرفقا .
وقيل : السباطة : الكناسة نفسها ، وكانت بالمدينة ، جاء ذلك في حديث محمد بن طلحة بن مصرف ، عن الأعمش ، وهو مضعف لقول من قال : إن المسح على الخف لا يكون إلَّا في سفر ، وفعل ذلك لكونها للناس عامة ، أو لأنها كانت مواتا مباحة ، وأضيفت للقوم على سبيل الاختصاص لا الملك ، أو لأن هذا كان خاصا به لعدم كراهية الناس لذلك . قال الطحاوي : وقيل : إنّه فعل ذلك مرة . روى وكيع ، عن زائدة ، عن عبد العزيز أبي عبد اللّه ، عن مجاهد قال : ما بال - عليه السلام - إلا مرة في كثيب أعجبه .
انتهى ، وحديث حذيفة والمغيرة يردّه ، ويوضح أنّه ليس في كثيب ، فدلّ على التعدد .