باب في البول قاعدا
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وسويد بن سعيد ، وإسماعيل بن موسى السدي ، قالوا : نا شريك ، عن المقدام بن شريح بن هانئ ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : من حدّثك أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بال قائما فلا تصدقه ، أنا رأيته يبول قاعدا . هذا حديث لما خرجه الترمذي ، قال فيه : هذا حديث أحسن شيء في الباب وأصح . وأبو حاتم بن حبان ذكره في صحيحه بلفظ : من حدثكم أنه كان يبول قائما .
وكذلك أبو عوانة الإِسفرائيني ، وخرجه الحاكم في مستدركه من جهة عثمان بن سعيد الدارمي ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا سفيان ، عن المقدام ، ولفظه : ما بال - عليه السلام - قائمًا منذ أنزل عليه الفُرقان ، ومن حديث سعيد بن مسعود ، ثنا عبيد الله بن موسى ، ثنا إسرائيل عن المقدام ، عن أبيه : سمعت عائشة تقسم باللّه ما رأى أحد النبي - عليه السلام - يبول قائما منذ أنزل عليه الفرقان . وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، والذي عندي أنهما لما اتفقا على حديث حذيفة : أتى سباطة قوم فبال قائما وجدا حديث عائشة معارضا له ، فتركاه ، واللّه أعلم . انتهى .
وفيه نظر من حيث إنّ شأن المحدث النظر إلى الإِسناد وصحته والمتن وكونه محفوظا ، وأما التعارض فليس من شأنه ، ذاك من شأن الفقهاء ، ولئن سلمنا أن ذلك من شأنهم ، فلا تعارض بين الحديثين ؛ لأنّ عائشة - رضي اللّه عنها - أخبرت عمّا شاهدت من فعله - عليه السلام - في بيته ، والبيت ليس محلا للأعذار ، وللأعذار المذكورة قبل . وعلى رواية أبي عوانة يكون النفي ورد على صيغة الاستمرار في الأغلب ، وحديث حذيفة ليس فيه كان ، فلا يدل على مطلق الفعل ، فلا مخالفة ، واللّه أعلم . وفي قولها : أنا رأيته ، وهي لفظة تفرد بها شريك ، وزعم بعضهم أنها غير محفوظة ، ولئن كانت صحيحة فتكون على معنى الإخبار عن الحال المستمرة في رؤيتها وعلمها ، ولم تطلع على ما اطلع عليه غيرها ؛ ولهذا عللت مستند إنكارها برؤيتها ، ومع ذلك فهي نافية ، وغيرها مثبت ، وإذا تعارضا فالمثبت مقدم .
ويؤيّده ما ذكره ابن ماجه ، عن سفيان الثوري : الرجل أعلم بهذا من المرأة ، وأيضا فحديث عائشة إنّما جاء من جهة المقدام عن أبيه ، وهما ليسا من شرط البخاري ؛ فلذلك أضرب عن ذكره ، فلو قال : على شرط مسلم ؛ لكان صوابا من قوله ، واللّه أعلم . وحديثه سالم من ابن بنت السدي الذي في هذا الباب ، وقد رمي بالغلو في التشيّع ، ومنهم من ضعّفه .