الارتياد للغائط والبول
حدثنا محمد بن عقيل بن خويلد ، ثنا حفص بن عبد اللّه ، حدّثني إبراهيم بن طهمان ، عن محمد بن ذكوان ، عن يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : عدل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى الشعب ، فبال حتى إني لآوى له من فكِّ وركيه حين بال . وأمّا محمد بن ذكوان البطاحي الأزدي الجهضمي مولاهم ، فهو خال ولد حماد بن زيد ، ذكره البخاري في التاريخ الأوسط ، فقال : هو منكر الحديث . وكذلك قاله أبو حاتم الرازي والنسائي .
وقال الدارقطني : ضعيف . وقال ابن حبان : سقط الاحتجاج به . الاستجمار هنا عبارة عن تنح الخارج المعتاد من السبيلين بالأحجار ، واشتق من الجمار ، وهي الأحجار الصغار لرمي الجمار في الحج .
وسئل ابن عيينة عن معنى هذا ، فسكت ، فقيل له : أترضى بما قال مالك ؟ قال : وما قال مالك ؟ قال : الاستجمار الاستطابة ، فقال ابن عيينة : مثلي ومثل مالك كما قال الأول : وابن اللبُون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزْلِ القَناعيس كذا حكاه الدارقطني والخطابي وابن خزيمة في صحيحه ، زاد عن ابن وهب : الاستجمار : وهو الاستطابة بالأحجار ، وفيه ردّ لقول من قال : إنّ مالكا - رحمه اللّه - حمل الاستنجاء هنا على استعمال البخور ، مشتقا ذلك من التجمير وهو التبخير ، وليس بشيء ؛ لأنّ الحديث إنما سِيق في الاستطابة لا في التبخير ، ولئن صح ذلك عن مالك فقد سبقه أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنهما - ، وبمثل ما قاله مالك أولا قاله أصحاب اللغة بأسرهم فيما أعلم . وزعم الزمخشري أنّ ذلك حقيقة فيهما ، واللّه أعلم . قوله : ( فليلفظ ) ، معناه : فليقذف ، ومضارعه مكسور الفاء ، قال الجوهري : وذلك الشيء لفاظة ، وفي الجامع : كل ما تركته من يدك فقد لفظته ، فهو لفاظ ولفيظ وملفوظ ، واسم ذلك الشيء الملفوظ اللفظ ، ولا يقال : لفظته ، بكسر الفاء .
قوله : ( ما لاك ) ، يعني : أداره ، يقال : لاك الشيء له يلوكه لوكا ؛ إذا أداره في فيه ، ولاك الفرس اللجام ، يلوكه لوكا ، إذا أداره في فيه ، وكلّ شيء مضغته فقد لكته لوكا ، وفلان يلوك أعراض الناس ، إذا كان يقع فيهم . قاله القزاز . والجوهري بنحوه .
وأمّا الشيطان فذكر ابن الأنباري في اشتقاقه قولين : الأوّل : لتباعده من الخير ؛ أخذا من قول العرب : دار شطون ونوى شطون ، أي : بعيدة ، قال نابغة بني ظبيان : فأضحت بعدما وصلت بدار شطون لا تعاد ولا تعود الثاني : لغيه وهلاكه ، أخذا من قولهم : قد شاط الرجل يشيط ، إذا هلك . قال الأعشى : قد نطعن العير في مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل أراد قد يهلك على أرماحنا ، وقال في موضع آخر : وقولهم : فلان شيطان من الشياطين ، قال : معناه قوي نشيط مرح ، قال جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزلي وهن يَهْوَيْنَنَي إذ كنت شيطانًا وعاب الزجاج على أبي بكر قوله هذا ، وأنكر عليه كونه لم يذكر مم اشتقاقه ، وما درى أنه ذكر اشتقاقه أولا ، كما تقدم ، فاستغنى عن إعادته . ثانيًا : وأغفلا من اشتقاقه ما ذكره نطفويه : هو من الشطن : وهو الحبل الطويل المضطرب ، وما ذكره القزاز : هو فعلان من شيطه بالنار ، إذا أحرقه بها ، قال الجوهري نونه أصلية ، قال أمية بن أبي الصلت : أيما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأغلال ويقال أيضًا : إنها زائدة ، فإن جعلته فيعالا من قولهم تشيطن الرجل ، صرفته ، وإن جعلته من شيط لم تصرفه ، لأنه فعلان ، وفي الكامل : وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن ، وإنس ، أو سبع ، أو حية يقال له : شيطان ، وأن قولهم : تشيطن إنما معناه تخبث ، وتنكر ، قال الراجز : أبصرتها تلتهم الثعبانا شيطانة تزوجت شيطانا وقوله : ( ولا حرج ) : يعني فلا إثم ، قال تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ويقال : معناه : الضيق ، قال تعالى : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ، ويقال : معناه : الشك ، وهذا ليس مرادًا في الحديث ، وهو بالفتح والكسر وتسكين الراء أيضًا ، قال الخطابي : معناه التخيير بين الماء الذي هو الأصل في الطهارة ، وبين الأحجار التي هي للترخيص والترفه ، يريد أن الاستجمار ليس بعزيمة ، لا يجوز تركها إلى غيره ، لكنه إن استنجى بالحجارة فليجعله وترًا ، وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره ، وليس معناه رفع الحرج في ترك التعبد أصلًا ، بدليل حديث سلمان : نهانا أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار ، هكذا قاله ، وهو غير ظاهر ؛ لأن قوله : من استجمر فليوتر ، ومَنْ لا فلا حرج إنما يريد الإيتار في الاستجمار وعدمه ، لا ذكر للاستنجاء بالماء فيه ، على هذا أوله الطحاوي وغيره .
قال الطحاوي : في الحديث دلالة على أنه - عليه السلام - قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار ، وأيضًا فقد اكتفى - عليه السلام - بحجرين لما ألقى الروثة ، لأنه لو كان لا يجزئ بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين ، ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا ، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين انتهى . وفيه نظر من وجهين : الأول : قوله دل هذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد للغائط في موضع ليس فيه أحجار ، وذلك منطوق به فلا حاجة إلى أن يقال فيه : يدل ، ذكر ذلك البخاري في صحيحه بقوله : فالتمست الثالث فلم أجده ، فأخذت روثة ، فهذا ابن مسعود صاحب القصة بين أنه لم يجد في مكانه ذاك حجرًا لعلته . الثاني : في قوله : ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا إلى آخره ذهول عما في الحديث عند أبي الحسن بإسناد حسن : وألقى الروثة ، وقال : إنها رجس ، ائتني بغيرها ، وفي مسند أحمد : ائتني بحجر .
وفي الحديث جواز الاكتحال ، واستحباب الإيتار فيه ، واختلفوا في الكيفية على وجهين : فقيل بالإيتار في كل عين أخذًا بحديث ابن عباس من عند الترمذي كانت له - عليه السلام - مكحلة يكتحل منها في كل ليلة ، ثلاثة في هذه ، وثلاثة في هذه ، وقيل به في المجموع بأن يشفع في الواحدة ، ويوتر في الأخرى ، وقد رُوي في ذلك حديث عن أنس ، ذكره البغوي في شرح السنة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثًا ، وفي اليسرى ثنتين ، أما الأشاء ، فواحدها أشاءة . أنشد القزاز : لاث به الأشاء والعُبريُّ ...................... . وقال الأجدائي : يقال للنخلة حين تفصل من أمها : جثيثة ، وثبيلة ، وَوَدْيَة ، فإذا انتشرت فهي فسيلة ، ثم أشاءة ، ثم جعلة ، ثم ملم ، ثم طريق إذا نالت اليد أعلاها ، فإذا ارتفعت عن الأيدي فهي جبارة ، ثم رَقْلَةٌ ، ثم سحوق ، وذكر العسكري في كتاب التلخيص أنها التي لا تحمل ، وقيل : هي التي تنبت من غراس ، ويقال له بالفارسية : خدور ، وقال أبو حنيفة : هي من شواب النخل وصغاره حين نهضت ، والجمع : أشاءات ، وأشاء .
وفي الصحاح : الأشآء بالفتح والمد الواحدة أشآة ، والهمزة فيه منقلبة من الياء ؛ لأن تصغيرها أُشَيٌّ ، قال الشاعر : وحبذا حين تمسي الريح باردة وادي أشي وقيان به هضم يا ليت شعري عن جنبي مُلَسحَة وحيث تنبني من الحباة الألم عن الأشاءة هل زالت مخارمها وهل تغيّر من آرامها أرم ولو كانت الهمزة أصلية لقال : أشيء . والهدف : القطعة من الجبل أو الحائط ، والجمع : أهداف ، وهو أيضا حبل مشرف من الرمل ، ذكر ذلك القزاز . وفي الصحاح : وهو كلّ شيء مرتفع .
وفي الغريب المصنف ، عن الأصمعي تقييده بالعظيم . والحائش : جماعة النخل ، لا واحد له ، كما قالوا لجماعة البقر : ربرب ، قال الأخطل : وكأن ظعن الحي حائش قرية دان جناه وطيب الأثمار وأصل الحائش : المجتمع من الشَّجر نخلا كان أو غيره ، يقال : حائش الطرفاء . ذكره أبو نصر بن حماد .
وفي كتاب الهروي : هو جماعة النخل ، ومثله الصور ، والحَشّ والحُشّ والحُشَّة . وفي الغريب لأبي عبيد : وكذلك الغابة والأجمة والغيطل والأيكة والرعل والفيل والغريف والشعراء والدارة والأباة والخيس والأشب . والشِّعْب بالكسر : الطريق في الجبل ، والجمع الشعاب .
قاله الجوهري ، وفي الجامع : ما انفرج بين الجبلين . ومعنى آوى : أرق وأرثى له ، يقال : أويت لفلان وأنا آوي له ، أوية وأية ، بقلب الواو بالكسرة ما قبلها ، وتدغم ، ومأوية ومأواة . من كتاب الصحاح .
قال الشاعر : ولو أنني استأويته ما أوى ليا ...................