الوضوء بماء البحر
حدّثنا هشام بن عمار ، ثنا مالك بن أنس ، حدّثني صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سلمة ، هو من آل ابن الأزرق ، أن المغيرة بن أبي بردة ، وهو من بني عبد الدار ، حدّثه أنه سمع أبا هريرة يقول : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ، ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو الطهور ماؤه ، الحلّ ميتته . هذا حديث قال فيه أبو عيسى لما خرجه : هذا حديث حسن صحيح ، قال : وسألت محمدًا عنه ، فقال : هو حديث صحيح ، قال أبو عمر بن عبد البر : ما أدري ما هذا من البخاري ، فإن أهل الحديث لا يحتجون بمثل إسناد هذا الحديث ، ولو كان صحيحًا عنده لوضعه في كتابه ، قال : الحديث عندي صحيح ؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول ، وحاصل ما يعترض به على هذا الحديث أربعة أوجه : أحدها : الجهالة بسعيد بن سلمة والمغيرة ، وادعاء أنه لم يرو عن سعيد غير صفوان ، ولا عن المغيرة غير سعيد , وفي موضع آخر : وليس إسناده مما تقوم به حجة ، فيه رجلان غير معروفين بحمل العلم . انتهى كلامه .
وفيه نظر من وجوه : الأول : قوله ولو كان صحيحًا لوضعه في كتابه ، وذلك أنه هو قد أخبر عن نفسه أنه خرج كتابه هذا من مائة ألف حديث صحيحة ، قال : ولم أخرج هنا إلا ما أجمعوا عليه ، فهذا صحيح غير مجمع عليه . الثاني : ما ادّعى من أنّه لم يرو عن سعيد غير صفوان ، وليس كذلك ، بل روى عنه أيضًا الجلاح أبو كثير ، فيما ذكره النسائي في كتاب السنن ، والحاكم في المستدرك ، والبيهقي في كتاب السنن الكبير بلفظ : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما فجاءه صيّاد ، فقال : يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد ، فيحمل معه أحدنا الإداوة وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا ، فربما وجده كذلك ، وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه ، فلعله يحتلم أو يتوضأ ، فإن اغتسل أو توضأ نفد الماء ، فلعل أحدنا يهلكه العطش ، فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل منه أو نتوضأ به إذا خضنا ذلك ؟ فزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : اغتسلوا به وتوضؤوا منه ، فإنه الطهور ماؤه ، الحل ميتته . الثالث : المغيرة روى عنه غير سعيد ، وهو يحيى بن سعيد ، ويزيد بن محمد القرشي ، فيما ذكره البيهقي ، وعبد الله بن أبي صالح من رواية ابن وهب عنه .
ذكره أبو بكر في رياض النفوس ، والحارث بن يزيد ، ويزيد بن أبي حبيب ، وعبد العزيز بن صالح ، وأبو مرزوق التجيبي ، وموسى بن الأشعث البلوي وغيرهم ، فيما ذكره ابن يونس . وقال عبد الغني : وصفوان بن سليمان وعبد الله ابنه فيما ذكره أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد في كتابه التعريف بصريح التاريخ . الرابع : الخامس : وقال ابن يونس في تاريخ علماء مصر : ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين ، والبعث من مصر لعمر بن عبد العزيز سنة مائة ، وولده بإفريقيا إلى اليوم .
قال ابن أبي خلف : شهد قتل أصحاب يزيد بن المهلب ، وممن صححه أيضًا أبو حاتم البستي ، ثم قال : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه السنة تفرد بها سعيد بن سلمة ، فذكر حديث جابر الآتي بعد ، ورجّح ابن منده صحته . وقال ابن المنذر : ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في البحر : هو الطهور ماؤه . وقال البيهقي : هو حديث صحيح ، وإنما لم يخرجه البخاري في الصحيح لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة ، وذكره ابن الجارود في المنتقى ، أنا الشيخ المسند المعمر مجد الدين إبراهيم بن علي بقراءتي عليه ، أخبركم الإِمام الرحّال صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكري إجازة ، إن لم يكن سماعا ، أنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الهروي قراءة عليه ، أخبركم أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي قراءة عليه وأنت تسمع ، أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الجنزروذي ، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح السلمي النيسابوري ، أنا جدي الإِمام أبو بكر بجميع كتاب الصحيح من تأليفه ، قال : أنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أنا ابن وهب أنّ مالكًا حدثه ( ح )، وثنا يحيى بن حكيم ، نا بشر ، يعني ابن عمر الزهراني ، ثنا مالك ، نا صفوان ، عن سعيد بن سلمة فذكره ، قال : هذا حديث يونس .
وقال يحيى : عن صفوان ، ولم يقل : من آل ابن الأزرق ، ولا من بني عبد الدار . وقال : نركب البحر أزمانًا ، والحاكم في المستدرك ، ومع ذلك فقد أعل بأمور ، منها : الاختلاف في سعيد بن سلمة ، فيما ذكره البيهقي في السنن الكبير ، فقيل : عن سلمة بن سعيد . وقيل : عن عبد الله بن سعيد المخزومي .
وقيل : من آل الأزرق . وقيل : من آل ابن الأزرق . وقيل : من آل بني الأزرق .
ومنها : الإِرسال فيما ذكره أبو عمر من أن ابن أبي عمر والحميدي والمخزومي ، رووه عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن رجل من أهل المغرب يقال له المغيرة ، أن ناسًا من بني مدلج أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : .. . الحديث بمعنى حديث مالك ، قال : ويحيى بن سعيد أحفظ من صفوان ، وأثبت من سعيد بن سلمة . ومنها : الاضطراب واختلاف الروايات ، فأما ابن إسحاق فرواه عن يزيد بن أبي حبيب ، عن الجلاح ، عن عبد الله بن سعيد المخزومي ، عن المغيرة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : أتى رجال من بني مدلج ، وفي رواية عن ابن إسحاق : سلمة بن سعيد ، عن المغيرة حليف بني عبد الدار ، عن أبي هريرة .
ذكره السراج في مسنده . وفي كتاب البيهقي : واختلف في رواية يحيى بن سعيد اختلافًا كثيرًا ، فقيل : عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن رجل من بني مدلج ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، هذه رواية أبي عبيد القاسم بن سلام ، عن هشيم عنه . ورواه بعضهم ، عن هشيم ، فقال : عن المغيرة بن أبي برزة ، وهو وهم ، .
قال البيهقي : ورواه سفيان عن يحيى ، فقال : عن المغيرة بن عبد الله بن عبدٍ أن رجلا من بني مدلج ، ورواه سليمان بن بلال ، عن يحيى ، عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة أن رجلا من بني مدلج ، وفي رواية : عن عبد الله بن المغيرة الكندي ، عن رجل من مدلج . وقيل : عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبيه ، عن رجل من مدلج ، وقيل : عن المغيرة بن عبد الله عن أبيه . قال البيهقي في معرفة السنن : وهذا الاختلاف يدل على أنه لم يحفظه كما ينبغي ، والجواب عن ذلك أنّ من لم يحفظ لا يكون حجة على من حفظ ، وذلك أن ابن يوسف جوده ، وذلك فيما ذكره الحافظ ابن عساكر - رحمه الله - في كتابه مجموع الرغائب ، الذي قرأته على الشيخ بدر الدين يوسف الحنفي ، أخبركم أبو التقي صالح إجازة إن لم يكن سماعا عن مصنفه المذكور ، قال : وقد جوده عبد الله بن يوسف عن مالك ، عن صفوان ، عن سعيد ، سمع المغيرة أبا هريرة .
وفي كتاب التاريخ للبخاري : وحديث مالك أصح ، قال البيهقي : وقد تابعه الليث وعمرو بن الحارث ، كلاهما عن سعيد بن سلمة ، عن يزيد بن محمد ، عن المغيرة . وأمّا الاختلاف في نسبة المغيرة فكلّه بتفاوت غير ضار ، قاله أبو عمر . وأمّا رواية ابن إسحاق فقد خالفه في ذلك الليث ، حيث رواه كمالك ، والليث لا يقارن به ابن إسحاق ، وقد وقع لنا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - من غير طريق المغيرة ، من جهة الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عنه ، أنا بذلك أبو النون يونس بن إبراهيم الكناني إذنًا ومناولة عن ابن المقير ، قال : أنبأنا أبو الكرم الشهرزوري ، قال : أنا أبو الحسن بن المهتدي في كتابه ، عن أبي الحسن علي بن مهدي البغدادي الحافظ ، أنا الحسين بن إسماعيل ، ثنا محمد بن عبد الله بن منصور ، نا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن ، نا محمد بن غزوان ، نا الأوزاعي به ، ومن جهة ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء من طريق عبد الله بن محمد القدامي ، نا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري عنه ، ومن جهة الأعرج ، عن أبي هريرة ، ذكره ابن منده ، وأشار إلى عدم ثبوته .
وفي المستدرك : وقد رويت من متابعات مالك في طرق هذا الحديث عن ثلاثة ليسوا من شرط هذا الكتاب ، وهم : عبد الرحمن بن إسحاق ، والقدامي ، وإسحاق بن إبراهيم المزني ، وإنّما حملني على ذلك أن نعرف العالمين أن هذه المتابعات والشواهد لهذا الأصل الذي صدّر به مالك كتاب الموطأ ، وتداوله فقهاء الإسلام من عصره إلى وقتنا هذا ، لا يرد بجهالة سعيد والمغيرة ، على أنّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات . ورواه الدارقطني من حديث إبراهيم بن المختار ، عن عبد العزيز بن عمر عن سعيد بن ثوبان ، عن أبي هند ، عن أبي هريرة ، ولفظه : من لم يطهره ماء البحر فلا طهّره الله .