باب في النضح بعد الوضوء
حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عاصم بن علي ، ثنا قيس ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنضح فرجه . هذا حديث إسناده ضعيف لضعف رواته : الأول : عاصم بن علي أبو الحسين الواسطي وإن كان البخاري قد خرج حديثه وأثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل ، فقد قال فيه يحيى بن معين : لا يساوي شيئًا ، وفي رواية : كَذابّ ابن كذاب . الثاني : قيس بن الربيع أبو محمد الأسدي الكوفي وإن كان أبو حفص وشعبة أثنيا عليه ووثّقه أبو الوليد الطيالسي ، وكذا قاله عفان والثوري وشعبة ، فقد قال عمرو بن علي : كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه ، وكان عبد الرحمن حدثنا عنه قبل ذلك ثم تركه .
وقال عفان : كان ربما أدخل حديث مغيرة في حديث منصور ، وسئل عنه أحمد فلينه . وقيل له مرة أخرى : لم ترك الناس حديثه ؟ قال : كان يتشيّع ، وكان كثير الخطأ في الحديث ، وروى أحاديث منكرة ، وكان ابن المديني ووكيع يضعفانه وكان وكيع إذا ذكره قال : الله المستعان ، وسئل عنه ابن معين فقال ليس بشيء . وقال مرة : ضعيف .
وقال ابن نمير وأبو داود : كان له ابن هو آفته ، نظر أصحاب الحديث في كتبه ، فأنكروا حديثه فظنوا أنه قد غيرها . وقال ابن عدي : وعامة رواياته مستقيمة ، والقول فيه ما قال شعبة ، كأنه لا بأس به . وقال ابن سعد : أبو محمد قيس بن الربيع الجوَّال توفي بالكوفة سنة ثمان وستين ومائة ، وكان كثير الحديث ضعيفًا فيه .
وقال السعدي : ساقط . وقال الدارقطني : ضعيف الحديث . وقال النسائي : متروك الحديث .
وقال ابن حبان : تتبعت حديثه فرأيته صادقا إلَّا أنه لما كبر ساء حفظه فيدخل عليه فيحدث منه ثقة بما فيه فوقعت المناكير في روايته واستحق المجانبة . وقال أبو الفتح الأزدي : ثنا ابن منيع ، نا محمود بن غيلان قال لي محمد بن عُبيد : كان قيس بن الربيع استعمله أبو جعفر على المدائن فكان يعلّق النساء بأثدائهن ويرسل عليهن الزنابير . وقال ابن القطان : إنما ساء حفظه بعد ولايته القضاء فهو مثل شريك وابن أبي ليلى ، وذكره الساجي والعقيلي والبلخي في كتاب الضعفاء ، وضعّف به ابن طاهر غير ما حديث .
الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن يسار . وقيل : داود الأنصاري الفقيه القاضي ، قال شعبة : ما رأيت أسوأ حفظًا منه أفادني أحاديث فإذا هي مقلوبة . وقال أحمد بن يونس : كان زائدة لا يروي عنه ، وكان قد ترك حديثه .
وقال أحمد : كان يحيى بن سعيد يضعفه . وفي رواية : سيئ الحفظ . وقال أحمد : هو سيئ الحفظ مضطرب الحديث وكان فقهه أحب إلي من حديثه ، حديثه فيه اضطراب جدا .
وفي موضع آخر : ضعيف ، وعن عطاء : أكثر خطأ ، إنّما دخل عليه وهو مريض . وقال يحيى : ليس بذاك . وقال النسائي : ليس بالقوي .
وقال مرة : ضعيف الحديث . وقال العجلي : كان فقيها صاحب سنة ، صدوقا جائز الحديث ، وكان قارئا للقرآن عالما به ، قرأ حمزة عليه وكان حمزة يقول : إنما تعلمنا جَودة القراءة عند ابن أبي ليلى ، وكان من أحسب الناس وأنقطهم للمصحف وأخطهم قلمًا وكان جميلا نبيلًا ، وأول من استقضاه على الكوفة يوسف بن عمر الثقفي ، وكان يرزقه في كل شهر مائة درهم ، وفي موضع آخر : كان كوفيا صدوقا ثقة ، وقال أبو حاتم الرازي : شُغل بالقضاء فساءَ حفظه ولا يتهم بشيء من الكذب إنما ينكر عليه كثرة الخطأ فلا يحتج به . وقال ابن حبان : كان فاحش الخطأ ، رديء الحفظ فكثرت المناكير في حديثه فاستحق الترك ، تركه أحمد ويحيى .
وقال الدارقطني : هو رديء الحفظ كثير الوهم . وقال ابن طاهر في كتاب التذكرة : وأجمعوا على تركه ، وفيما قاله نظر ؛ لما أسلفناه من عند العجلي ، وذكره أبو جعفر العقيلي وأبو القاسم البلخي في كتاب الضعفاء ، وكذلك يعقوب بن سفيان ، وضعف به أبو أحمد والإشبيلي وابن القطان ومحمد بن عبد الواحد المقدسي وأبو محمد بن حزم وأبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد ، وأبو الفرج في العلل المتناهية والتحقيق ، والبيهقي في الخلافيات والكبير والمعرفة غير ما حديث . ولما ذكره الساجي في كتاب الضعفاء قال : كان صاحب فقه ورأي وكان سيئ الحفظ لا يتعمد الكذب ، وكان يُمدح في فقهه وقضائه ، فأما في الحديث فلم يكن بحجة .
وقد ذكر الدارمي في مسنده حديثا إسناده صحيح ، هو أولى بالذكر مما تقدم من الأحاديث ، رواه عن قَبيصة ، ثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرةً مرة ونضح وهو في صحيح البخاري بغير هذه الزيادة . وقال الإِمام أحمد فيما حكاه عنه البيهقي : قوله ونضح تفرد بها قبيصة ، عن سفيان ، وقد رواه جماعة ، عن سفيان من دون هذه الزيادة ، وقد روي من وجه آخر ، عن ابن عباس من حديث الحسين بن علي ، عن يزيد الصدائي ، عن إبراهيم بن فروخ مولى عمر بن الخطاب ، عن أبيه ، عن ابن عباس مطولا فذكر نومه عند ميمونة ، قال ابن أبي حاتم : سألت عنه أبي فقال : هذا حديث منكر وإبراهيم عنه مجهول . ورواه الحافظ أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين عن عبد الله بن محمد بن زكريا ، عن محمد بن بكير ، عن محبوب بن مَحْرز ، عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، ولفظه : توضأ ونضح فرجه .
وقال : هذا حديث لم يروه إلا محبوب بن محرز تفرد به ، وفيما أسلفناه من عند الدارمي ردّ عليه كاف ، والله أعلم . وروى أبو الحسن في غرائب حديث مالك من حديث القاسم بن عبد الله الأخميمي ، عن سخبرة بن عبد الله القيرواني عنه ، عن الزهري ، عن أنس : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا توضأ نضح عانته . ثم قال : هذا باطل عن مالك ، ولا يصح ، وحديث عمار بن ياسر المتقدم عند ابن ماجه في خصال الفطرة ، وفيه : والانتضاح .
وذكر الحافظ أبو بكر الإِسماعيلي في جمعه مسند الحسن : ثنا أبو القاسم البغوي ، ثنا أحمد بن حازم الغفاري ، أنا عبد الله بن محمد بن سالم ، حدّثني حسين بن زيد بن علي عن الحسن بن زيد بن الحسن ، عن أبيه ، عن الحسن بن علي : أن النبي - - عليه السلام - - كان إذا توضأ أفضل لموضع سجوده ماءً حتى يسيله على مواضع السجود . ولما ذكره أبو جعفر الطبري في كتاب تهذيب الآثار ، عن ابن حازم ، قال : وهذا عندنا خبر صحيح سنده ، وقد يجب أن يكون على مذهب الآَخرين سقيما لعلتين : إحداهما : أنه خبر لا يُعرف له مخرج يصح عن النبي - عليه السلام - إلا من هذا الوجه ، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه . والثانية : أن ذلك مما لا يعرفه العامة وهو عمل من أعمال الطهارة ولو كان صحيحا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تجهله العامة ، كذا قال أبو جعفر ، ولم أجد في تاريخ محمد بن إسماعيل ، ولا في كتاب ابن أبي حاتم سماعا ولا رواية لزيد بن الحسن ، عن أبيه ، إنّما ذكرا روايته ، عن ابن عباس : أنه تطيب بالمسك ، لم يذكرا له رواية عن غيره .
وفي حديث جابر وابن عباس وأنس بن مالك والحسن وعمار - ردٌ لما أغفله الترمذي . النضح : الرش ، نضحت البيت أنضحه بالكسر ، وهو أيضا الشرب دون الري ، ذكره الجوهري ، قال الهروي : في الحديث : النضح من النضْخ . يريدُ من أصابه نَضخٌ من البول فعليه أن ينضحه بالماء ، والنضخ دون النضح .
وفي المغيث : هما متقاربان في المعنى ، وقيل : بالخاء ما بقي له أثر ، وقيل : ما كان على اعتماد ، وبالحاء بخلافهما . وقيل : بالمهملة أرق ، ومعناه : إذا توضأت فصبّ الماء على العضو صبًا ، ولا تقتصر على مسحه ، فإنه لا يجزئ فيه إلَّا الغسل . وقيل : استبراء الماءِ بالنثر والتنحنح يقال : نضحت أسلت وانتضحت تعاطيت الإسالة .
وقيل : رش الإزار الذي يلي الفرج بالماء ليكون أذهب للوسواس . وقيلَ : معناه الاستنجاءَ بالماء إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار . وفي المحكم : قال أبو علي : النضح ما كان من علو إلى سُفل .