باب الرخصة في ذلك
حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي ، ثنا مروان بن معاوية ، عن جعْفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة : سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مس الذكر ، فقال : إنما هو جزء منك . وفي مصنف وكيع بن الجرّاح : إنما هو جِذْوةٌ منك . هذا حديث معلّل بأمرين : الأول : جعفر بن الزبير الدمشقي الباهلي ، وقيل : الحنفي العابد الشامي .
قال علي ابن المديني : سمعت يحيى وذكره ، فقال : لو شئت أن أكتب عنه ألفا لكتبت ، كان يروي عن ابن المسيب نحوا من أربعين حديثا ، وضعفه يحيى جدا ، وقال يزيد بن هارون : كان جعفر بن الزبير وعمران بن حدير في مسجد واحد ، وكان الزحام على جعفر ، وليس عند عمران أحد ، فكان شعبة يمرّ بهما ، فيقول : عجبا ! الناس اجتمعوا على أكذب الناس ، وتركوا أصدق الناس ، قال يزيد : فما أتى علينا إلا القليل حتى رأيت ذلك الزِّحام على عمران ، وتركوا جعفرا ليس عنده أحد . وقال غندر : رأيت شعبة راكبا على حمار ، قيل له : أين تريد يا أبا بسطام ؟ فقال : أذهب وأستعدي على هذا - يعني : جعفرا - وضع على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعمائة حديث كذب . وقال يحيى بن معين : جعفر ضعيف ، وفي رواية : ليس بثقة .
وقال الفلاس : متروك الحديث ، كثير الوهم ، [ وقال أبو حاتم : كان واهي الحديث ، لا أرى أن أحدث عنه ، وهو متروك الحديث ] . وقال أبو زرعة : اضربوا على حديثه ، لا أحدّث عنه بشيء ، وقال السعدي : نبذوا حديثه ، وقال البخاري : متروك الحديث ، وفي التاريخ الأوسط : أدركه وكيع ثم تركه ، وقال النسائي والدارقطني وعلي بن الجنيد والأزدي : متروك الحديث ، وقال أبو أحمد : وعامة أحاديثه لا يتابع عليها ، والضعف على حديثه بيّن ، وتركه الإمام أحمد ، وفي موضع آخر : ضرب على حديثه ، وفي كتاب العلل عنه : أن اضرب على رواية جعفر بن الزبير ؛ لأنه إنّما كانت رواية عن القاسم ، وذكره القيرواني في كتاب الضعفاء ، وذكر العقيلي عن محمد بن المثنى : ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عنه شيئا قط . الثاني : أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى خالد بن يزيد بن معاوية ، ويقال : مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد ، ويقال : مولى جويرية بنت أبي سفيان ، قال أبو زرعة الدمشقي : وهو أحبّ القولين إلي .
وقال الطبراني : مولى معاوية بن أبي سفيان ، وإن كان قد وثقه يعقوب بن سفيان وابن معين والترمذي ويعقوب بن شيبة والحربي ، وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : ما رأيت أحدا أفضل منه . وقال الجوزجاني : كان خيارا فاضلا ، فقد قال الإمام أحمد ، وذكره ، فحمل عليه ، وقال : يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب ، وتكّلم فيها ، وقال : ما أرى هذا الأمر إلا من قبل القاسم ، وهو منكر الحديث ، وفي كتاب العقيلي : هذه الأحاديث المناكير يقولون : من قبل القاسم ، وسئل عنه أبو حاتم ، فقال : حديث الثقات عنه مستقيم ، لا بأس به ، وإنمّا ينكر عليه الضعفاء . وقال ابن حبان : كان يروي عن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المعضلات ، وقال الكوفي : يكتب حديثه ، وليس بالقوي ، وقال إبراهيم بن الجنيد : سمعت ابن معين يقول : القاسم ثقة إذا روى عنه الثقات ، أرسلوا ما رفع هؤلاء .
وفي رواية البرقي عنه : ضعيف ، ذكرها أبو العرب ، وفي الأوسط للبخاري : وروى عنه العلاء بن الحارث وكثير بن الحارث وسليمان بن عبد الرحمن ويحيى بن الحارث ، وابن جابر أحاديثه مقاربة . وأمّا من يتكلّم فيه مثل جعفر بن الزبير وعلي بن يزيد وبشر بن نمير ونحوهم ، ففي حديثهم مناكير واضطراب . وفي كتاب العقيلي : لما حدّث بشر بن نمير عن القاسم قال شعبة : ألحقوه به ، وقال أبو داود : هو أبو عبد الرحمن ، ومولى عبد الرحمن ، وأهل الشام ينكرون أن يكون ابن عبد الرحمن ، ويقولون : هو سبي ، قال أبو داود : وهم أعلم به .
قال الآجري : وسمعت أبا داود يقول : سمعت أحمد بن صالح يقول : إنما هو القاسم عن مولى أدخل بينه وبين أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا أمامة وعمرو بن عبسة وعليا وجماعة لا أعرفهم ، فضعف لحال هذا ، والله أعلم . وذكره الساجي والبلخي في كتاب الضعفاء ، وفي الباب غير ما حديث بخلاف ما يوهمه كلام أبي عيسى ؛ من ذلك : حديث عمر بن الخطاب وعصمة بن مالك الخطمي - وكان من الصحابة - أنّ رجلا قال : يا رسول الله ، إنِّي احتككت في الصلاة ، فأصابت يدي فرجي ، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وأنا أفعل ذلك . رواه الدارقطني عن محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ، قال : ثنا أحمد بن محمد بن رشدين ، عن ابن عفير ، عن الفضل بن المختار ، عن الصلت ابن دينار ، عن أبي عثمان النهدي ، عن عمر بن الخطاب ، وعن عبيد الله بن موهب ، عن عصمة .
والصلت ، قال أحمد وعمرو بن علي وعلي بن عمر : ليس بالقوي ، وفي رواية عن أحمد : ترك الناس حديثه ، وقال علي بن الجنيد : متروك . والفضل بن المختار ، قال ابن عدي : أحاديثه منكرة ، وعامتها لا يتابع عليها ، وقال أبو حاتم الرازي : مجهول ، وأحاديثه مُنكرة ، يُحدثُ بالأباطيل ، وقال الأزدي : منكر الحديث جدا ، ولما ذكرها البيهقي في الخلافيات ضعفهما بنحو ما قدمناه بعد فصْله بينهما . وحديث جري الحنفي : أن رجلا أتى رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : [ إني ربما أكون في الصلاة ، فتقع يدي على فرجي ] ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وأنّا ربما كان ذلك ، امض في صلاتك .
رواه الحافظ محمد بن إسحاق بن منده في كتاب معرفة الصحابة ، عن عبدوس بن الحسين النيسابوري ، عن محمد بن المغيرة الهمداني ، عن القاسم بن الحكم العرني ، عن سلام الطويل ، عن إسماعيل بن رافع ، عن حكيم بن سلمة ، عنه . وسلام بن سلم ، وقيل : ابن سليمان ، وقيل : ابن سالم ، أبو عبد الله السعدي الخراساني ، سكن المدائن ، قال فيه يحيى : ضعيف ، لا يكتب حديثه ، وقال مرّة : ليس بشيء ، وضعفه ابن المديني جدا ، وقال الإمام أحمد : منكر الحديث ، وقال البخاري والرازي : تركوه ، وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كذاب ، وقال النسائي وعلي بن الجنيد والأزدي والدارقطني : متروك الحديث ، وقال ابن حبان : يروي عن الثقات الموضوعات ، كأنه كان المتعّمد لها . وإسماعيل بن رافع أبو رافع مات بالمدينة قديما ، وكان كثير الحديث ضعيفا ، وهو الذي روى حديث الصور بطوله ، قاله ابن سعْد .
وقال أحمد ويحيى : ضعيف الحديث ، وفي رواية عن يحيى : ليس بشيء . وقال الفلاس : منكر الحديث ، وقال النسائي وعلي بن الجنيد : متروك الحديث ، انتهى . ويشبه أن يكون حديثه عن الصحابة منقطعا ؛ لأني لم أر أحدا ذكر أنه سمع من صحابي ، إنما وصف بالرواية عن التابعين ، ولما ذكره البيهقي في الخلافيات عن رجل من بني حنيفة ولم يسمه ، قال : هذا منقطع ، والله أعلم .
وحديث مرثد بن الصلت عن أبيه ، أنّه وفد على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسأله عن مس الذكر ، فقال : إنما هو بضعة منك . رواه ابن بنت منيع الحافظ في معجمه عن محمد بن خلف المقرئ : ثنا أحمد بن محمد بن شماس ، ثنا عبد الرحمن بن عمرو ، قال : سمعت عبد الرحمن بن مرثد الجعْفي يحّدث عن أبيه مرثْد بن الصلت ، ثم قال : وهذا حديث منكر ، والذي حدث به عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة ، وهو ضعيف الحديث جدا . وحديث أبي أيوب الأنصاري ، قال : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : مسست ذكري وأنا في الصلاة ، فقال : لا بأس .
ذكره أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار بغير إسناد ، ويشبه أن يكون ضعيفا ؛ لأنا قدمنا ضعفه قبل . وحديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن مسّ الذكر ، فقال : ما أبالي مسسته ، أو مسست أنفي ، ذكره البيهقي في الخلافيات ، وقال : هذا حديث منكر ، روينا خلافه عنها ، وحديث رجل من بني حنيفة بنحوه ، ذكره أيضا ورماه بالانقطاع . وحديث أبي ليلى ذكره البيهقي في السنن الكبير عن أبي بكر القاضي وأبي سعيد بن أبي عمرو ، قالا : ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن عمران ، حدّثني ابن أبي ليلى ، عن عيسى ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي ليلى ، قال : كنّا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء الحسن ، فأقبل يتمرغ عليه ، فرفع عن قميصه وقبل زبيبته .
ذكره إثر حديث طلق ، ثم قال : هذا إسناد غير قوي ، وليس فيه : أنه مسّه بيده ثم صلى ولم يتوضأ . اختلف أهل العلم في هذا الباب ، فذهب بعضهم إلى هذه الأحاديث ، ورأوا ترك الوضوء من مسّ الذكر . روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وعمار بن ياسر ، وابن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وحذيفة بن اليمان ، وعمران بن حصين ، وأبي الدرداء ، وسعد بن أبي وقّاص - في إحدى الروايتين - ، وعمر بن الخطاب في رواية ، وأنس بن مالك ، ومعاذ بن جبل ، وعبد الله بن عمر ، وأبي بكر الصديق ، وأبي هريرة - في إحدى الروايتين عنه - وأبي أيوب ، وعائشة - في إحدى الروايتين عنهما .
قال أبو عمر بن عبد البر : والأسانيد عن الصحابة في إسقاط الوضوء منه أسانيد صحاح من نقل الثقات ، انتهى كلامه . وفيه نظر إن أراد هؤلاء المسمين ؛ لأن حديث ابن مسعود تقدّم ردّه بأبي قيس الأودي ، وحديث ابن عمر وعائشة تقدّم الكلام عليهما قبل ، وحديث حذيفة أعلّه أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه ، وكذلك حديث أبي أيوب وعمر بن الخطاب تقدم ذكرهما ، وحديث عمران مشكوك في اتصاله ؛ لأنه من رواية الحسن عنه ، وغير واحد يزعم أنه منقطع . وقال به أيضا ابن المسيب ، والشعبي ، وإبراهيم ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وعكرمة ، وقتادة ، وطاوس ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، والضحاك ، ومكحول ، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وشريك ، والحسن بن حر ، وعبيد الله بن الحسن ، قال أبو عمر : جمهور العلماء العراقيين ، مضى على ذلك أسلافُهم ، ويحيى بن معين وابن المبارك .
وخالفهم في ذلك آخرون ؛ فذهبوا إلى إيجاب الوضوء من مسّ الذكر ، فممن روي عنه ذلك : عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وأبو أيوب ، وزيد بن خالد ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وجابر بن عبد الله ، وعائشة ، وأم حبيبة ، وبُسرة بنت صفوان ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وعروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وعطاء بن أبي رباح ، وأبان بن عثمان ، وجابر بن زيد ، والزهري ، ومصعب بن سعد ، ويحيى بن أبي كثير ، وسعيد بن المسيب ، قال الحازمي في أصّح الروايتين عنه : وهشام بن عروة ، والأوزاعي ، وأكثر أهل الحديث ، وجماعة أهل الشام والمغرب ، والشّافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والمشهور من قول مالك ، ومجاهد ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وحُميد الطويل ، وسليمان التيمي ، وأبو العالية ، والشعبي . قال أبو عمر بن عبد البر ، عن الثوري ، قال : دعاني وابن جريج بعض الأمراء ، فسألنا عن مسّ الذكر ، فقال ابن جريج : يتوضأ من مسّ الذكر ، وقلت أنا : لا وضوء على من مسّ ذكره ، فلما اختلفنا قلت لابن جُريج : أرأيت لو أنّ رجلا وضع يده في مني ؟ قال : يغسل يده ، فأيما أنجس المني أم الذكر ؟ قال : المني ، قلت : فكيف هذا ؟ قال : ما ألقاها على لسانك إلا شيطان . قال أبو عمر : يقول الثوري : إذا لم يجب الوضوء من مس المني فأجدر أن لا يجب من مس الذكر ، وإذا لم يجب من النجس فأحرى ألا يجب من الطاهر ، وإنما ساغت المناظرة ، وصارت المعارضة عنده في هذه المسألة لاختلاف الآثار فيها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - ، ومن بعدهم في ذلك ، ولو كان فيها أثر لا معارض له ولا مطعن فيه لسلّم الجميع له وقالوا به .
قال أبو بكر بن حازم : ومن ذهب إلى إيجاب الوضوء ادّعى أنّ حديث طلق [ على تقدير ثبوته ] منسوخ ، وناسخه حديث بُسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو ؛ لتأخّرهم في الإسلام . وقال بعض من ذهب إلى الرخصة : المصير إلى حديث طلق أولى لأسباب ؛ منها : اشتهار طلق بالصحبة ، ومنها : طول صحبته وكثرة روايته ، ثم لو سلمنا ثبوت حديث بُسرة ، فمن أين لكم ادعاء النسخ في ذلك ؛ إذ ليس في حديث بُسرة ما يدل على النسخ ؟ بل أولى الطرق أن يجمع بين الحديثين ، كما حكاه لوين عن ابن عيينة ، فإنه قال : تفسير حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من مس ذكره فليتوضأ ، معناه : أن يغسل يده إذا مسّه ، وردّ ذلك ابن حزْم ، فقال : هذا باطل ، لم يقل أحدٌ : إنّ غسل اليد واجب أو مستحب من مس الفرج ، لا المتأولون لهذا التأويل الفاسد ولا غيرهم ، ويقال لهم : إن كان كما تقولون فأنتم أول مخالفين للأمر ، وأيضا فإنه لا يطلق الوضوء في الشّريعة إّلا لوضوء الصلاة ، وقد أنكر - عليه السلام - إيقاع هذه اللفظة على غير الوضوء للصلاة ، لما أتى من الغائط فأتي بطعام ، فقيل : ألا تتوضأ ؟ فقال : لم أصل فأتوضأ ، وقد جاء مبينا في حديث بُسّرة : فليتوضأ وضوءه للصلاة ، وقال ابن حبّان : خبر طلق منسوخ ؛ لأن قدومه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول سنة من سني الهجرة ، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضُوء من مسّ الذكر ، وأبو هريرة أسلم سنة سبْع ، فدل ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بسبع سنين ، ثم قال : ذكر الخبر المصّرح برجوع طلق إلى بلده بعد قدمته تلك . قال : أنا أبو خليفة ، نا مسدد ، ثنا ملازم ، نا عبد الله ، عن قيس ، عن أبيه ، قال : خرجنا سنة وفد إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة من بني حنيفة ، ورجل من بني ضبيعة بن ربيعة ، حتى قدمنا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعناه وجلسنا معه ، وأخبرناه بأن بأرضنا بيعة لنا ، واستوهبناه من فضل طهوره ، فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض ، وصبّ لنا في إداوة ، ثم قال : اذهبوا بهذا الماء ، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم ، ثم انضحوا مكانها من هذا الماء ، واتخذوا مكانها مسجدا ، قلنا : يا رسول الله ، البلد بعيد ، والماء ينشف ، قال : فأمدوه من الماء ، فإنّه لا يزيده إلا طيبا ، فخرجنا ، فتشاححنا على حمل الإداوة ، أيّنا يحملها ، فجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك نوبا ، لكل رجل يوما وليلة ، فخرجنا بها ، حتى قدمنا بلدنا ، فعلمنا الذي أمرنا ، وراهب ذلك القوم رجل من طيء فنادينا بالصلاة ، فقال الراهب : دعوة حق ، ثم ذهب فلم ير بعد .
قال أبو حاتم : في هذا الخبر بيان واضح أن طلقا رجع إلى بلده بعد القدْمة التي ذكرنا ، قال : ثم لا يُعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك ، فمن ادعّى رجوعه بعد ذلك فعليه أن يأتي ببينة مصرحة ، ولا سبيل له إلى ذلك . وبنحوه قاله البيهقي والبغوي في شرح السنة ، وفيه نظر لما ذكره أبو القاسم الطبراني : نا الحسن بن علي الفسوي ، ثنا حماد بن محمد الحنفي ، نا أيوب بن عتبة ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه طلق ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : من مس فرجه فليتوضأ . قال الطبراني : لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد ، وهما عندي صحيحان ، يشبه أن يكون سمع الحديث الأوّل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل هذا ، ثم سمع هذا بعد ، فوافق حديث بسرة وغيرها ، فسمع الناسخ والمنسوخ ، انتهى .
وفيه إشعار برجوعه مرة أخرى ، فإن الإيجاب وعدمه لا يتأتى في أيام قليلة غالبا ، لما قيل عنه ، من أنّ مقامه بالمدينة كان قليلا ، نص على ذلك الأئمة . وأيضا فقد قيل : إن بسرة من مسلمة الفتح ، وإذا كان كذلك كان حديثها ظاهرا في النسخ ، ولا احتياج إلى حديث أبي هريرة لتقدّمها عليه ، وممن قال ذلك : إسماعيل بن سعيد الفقيه ، والاحتياط في ذلك أبلغ ، يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإسناد صحيح ، أنه : نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه ، أفلا ترون أن الذكر لا يشبه سائر الجسد ، ولو كان ذلك بمنزلة الإِبهام والأنف والأذن وما هو منّا لكان لا بأس علينا أن نمسّه بأيماننا ، فكيف يشبه الذكر بما وصفوا من الإبهام وغير ذلك ؟ ! فلو كان شرعا سواء لكان سبيله في المسّ سبيل ما سمّينا ، ولكن هاهنا علّة قد غابت عنا معرفتها ، ولعل ذلك أن يكون عقوبة ؛ لكي يترك الناس مس الذكر ، فيصير من ذلك إلى الاحتياط ، انتهى كلامه . وفي استدلاله بحديث مسّ الذكر باليمين نظر ؛ لإغفاله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وهو يبول ؛ لما فيه من الاستهانة باليمين وخشية الاستنجاء بها ، والله أعلم .
وقال أبو محمد بن حزْم : خبر طلق صحيح إلا أنه لا حجة فيه لوجوه ؛ أحدها : أنّ هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مسّ الفرج ، هذا ما لا شك فيه ، وهو كذلك ، فحكمه منسوخ يقينا ، حين أمر - عليه السّلام - بالوضوء منه ، ولا يحل ترك ما يتيقّن أنه ناسخ ، والأخذ بما تيقّن أنّه منسوخ . وثانيهما : أن كلامه - عليه السلام - : هل هو إلا بضعة منك ؟ ! دليل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه ؛ لأنه لو كان بعده لم يقل - عليه السلام - هذا الكلام ؛ بل كان يبيّن على أنّ الأمر بذلك قد نسخ ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلا ، وأنّه كسائر الأعضاء . وقال الخطابي : وترك خبر طلق على أنه أراد اللمس ، ودونه جائز ، واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبة وابن عيينة : أنّه سأله عن مسّه في الصلاة ، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه ، انتهى .
وفي قوله : والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل نظر ؛ لما ذكره أبو عمر من حديث أبي الوليد الطيالسي ، نا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عمر بن الخطاب : أنه صلى بالناس فأهوى بيده فأصاب فرجه فأشار إليهم كما أنتم ، فخرج فتوضأ ثم رجع إليهم فأعاد . وفي الإسرار : ومطلق اللمس : اسم للمس بلا حائل ، وهذه المسألة وقعت في زمن عبد الملك بن مروان ، فشاور الصحابة ، فأجمع من بقي من الصحابة أنه لا وضوء فيها ، وقالوا : لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبيّنا لقول امرأة ، لا ندري أصدقت أم كذبت ، يعْنُون بُسرة . ومعنى قولهم : كتاب ربنا : بين الأحداث في كتابه ، وكانت نجسة : من دم حيض ومني وغائط ، وشرع الاستنجاء بالماء بقوله : رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا .
فكانوا يتبعون الحجارة بالماء والاستنجاء بالماء ، لا يتصور إلا بمس الفرجين جميعا ، فلما ثبت بالنص أنه من التطهير لم يجز أن يجعل حدثا بخبر غريب تعم به البلوى ، فسقط على ما هو الأصل في خبر الواحد ؛ ولأنه ورد بخلاف القياس ، وقد ثبت من مذهب أبي هريرة ما يذكر أنه ليس بحديث ، والراوي إذا ذهب إلى خلاف ما روى دل على زيافة الحديث ما عرف في موضعه . قال أبو محمد بن حزْم : وقول من قال : تعظم به البلوى ، ولو كان لما جهله ابن مسعود ولا غيره حماقة قد غاب عن جمهور الصحابة الغسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه ، وهو مما تكثر به البلوى . وقد رأى أبو حنيفة الوضوء من الرعاف ، وهو مما تكثر به البلوى ، ولم يعلم ذلك جمهور العلماء ، ورأى الوضوء من ملء الفم من القلس ، ولم يره في أقل من ذلك ، وهذا تعظم به البلوى ، ولم يعلم ذلك قبله أحدٌ من ولد آدم - عليه السلام - والله أعلم .
وأما الوضوء من مسّ الإبط ، فقد جاء في حديث رواه الزهري ، عن عبيد الله بن عتبة ، عن عمر : أنه أمر رجلا يتوضأ من مسّ الإبط . قال البيهقي : هذا مرسل ، وقد أنكره الزهري بعد ما حدث به ، ويمكن أن يكون أمره بغسل اليد تنظفا . وروى أبو الحسن من حديث ابن عرفة : ثنا خلف بن خليفة ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عمر : إذا توضأ الرجل ومس إبطه أعاد الوضوء .
قال : وعن ابن عباس : ليس عليه إعادة ، وروى البيهقي أن ابن عمر أدخل يده في إبطه وهو في الصلاة ثم مضى . وأما الوضُوء من مسّ الصنم : فذكر المدائني في سيره ، من حديث محمد بن الوليد ، عن يعلى بن عبيد ، عن صالح بن حيان ، عن ابن بُريدْة ، عن أبيه : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بريدة - وقد مس صنما - فتوضأ . وفي مصنف عبد الرزاق ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمار الدهني ، عن أبي عمرو الشيباني : أن علي بن أبي طالب لما استتاب المستورد العجلي مسّ صليبا كان في عُنقه ، فلما دخل في الصلاة قدم رجلا ، ثم أخبر الناس أنه لم يفعل ذلك لحدثٍ أحدثه ، ولكنّه من مس هذه الأجداث ، فأحببت أن أحدث وضوءا .
وفي الأوسط للطبراني : نا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، نا معاوية بن هشام ، ثنا شيبان أبو معاوية ، عن جابر الجعفي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، قال : كنا نتوضأ من الأبرص إذا مسسناه . لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد ، تفرد به ابن نُمير ، ولم نكتبه إلا عن الحضرمي ، وكتبه عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل . ومن حديث بقية ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال صلى الله عليه وسلم : الحدث حدثان ؛ حدث اللسان وحدث الفرج ، وحدث اللسان أشد من حدث الفرج ، ومنهما الوضُوءُ .
وقد روي عن ابن عباس موقوفا ، وروى داود بن المحبّر القائل فيه ابن المديني : ذهب حديثه عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : يتوضأ من الحدث ، وأذى المسلم ، وقالت عائشة : يتوضأ أحدكم من الطعام الطّيب ، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه ؟ ! . وعن إبراهيم النخعي : إني لأصلّي الظهر والعصر والمغرب بوضُوء واحد إلا أن أحدث ، أو أقول منكرا ، الوضوء من الحدث وأذى المسلم ، وعن عبيدة السلماني نحوه . وفي كتاب الترهيب لأبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني : ثنا محمد بن سعيد الشافعي ، عن محمد بن عامر ، عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر ، ثنا عثمان بن مظفر ، عن أبي عبيدة ، عن علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليعد وضوءه .
وعن ابن مسعود : لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب . ذكره ابن حزم ، وعلّل الجميع ، قال : وقد أوجب الوضوء من قرقرة البطن في الصلاة إبراهيم النخعي ، وأوجب الوضوء في الإنعاظ والتذكر والمس على الثوب بشهوة بعض المتأخرين . وروينا إيجاب الغسل من نتف الإبط عن علي وعبد الله بن عمرو ، وعن مجاهد الوضوء من تنقية الأنف ، وقد صح عن عروة : الوضوء من مس الأنثيين ، وروينا عن علي بن أبي طالب ومجاهد وذر والد عُمر بن ذر إيجاب الوضوء من قص الأظفار وقص الشعر ، والله تعالى أعلم .
قال ابن المنذر : وبه قال الحكم وحمّاد ، ومن ارتد ثم رجع إلى الإِسلام كان الأوزاعي يقول : يستأنف الوضوء .