حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمام

باب الوضوء من القُبلة

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد ، قالا : حدثنا وكيع ، ثنا الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل بعض نسائه ، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ ، قلت : من هي إلا أنت ؟ فضحكت . هذا حديث لما رواه أبو داود عن عثمان : ثنا وكيع قال : وكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن الأعمش ، ثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني ، ثنا عبد الرحمن بن مغراء ، ثنا الأعمش ، ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث . قال أبو داود : قال يحيى بن سعيد لرجل : احك عني أن هذين الحديثين - يعني : حديث الأعمش هذا عن حبيب ، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة - قال : احك عني أنهما شبه لا شيء .

وروي عن الثوري قال : ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني - يعني : لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء - ، وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا ، زاد ابن العبد واللؤلئي : صحيحا ، انتهى كلامه . ولقائل أن يقول : قول الأعمش ، ثنا أصحاب لنا : لا يقدح في الإسناد الأول ؛ لأمرين : الأول : عبد الرحمن بن مغراء لا يقاوم زائدة والحماني ووكيعا . الثاني : يحتمل أن أصحابه رووه له كما رواه له حبيب ، ويكون لحبيب في هذا شيخان إذا قلنا بصحة إسناد الثاني ، وقول الثوري : لم يحدثنا حبيب عن ابن الزبير ، لا يؤثر في صحة هذا الحديث ؛ لأن الشيخ غالبا لا يروي لأصحابه عن جميع مشايخه ، وقد يخص قوما دون آخرين ، وقال أبو عيسى : سمعت محمدا يضعف هذا الحديث ، وقال حبيب بن أبي ثابت : لم يسمع من عروة ، وقد روى عن التيمي عن عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلها ولم يتوضأ ، وهذا لا يصح أيضا ، ولا نعرف لإبراهيم سماعا من عائشة ، وليس يصح في هذا الباب شيء ، قال أبو عيسى : وسمعت أبا بكر العطار يذكر عن ابن المديني ، قال : ضعف يحيى بن سعيد هذا الحديث جدا ، قال أبو عيسى : وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا ؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد ، وذكر الدارقطني عن يحيى بن سعيد أنه قال : إنما كان الثوري أعلم الناس بهذا ، وزعم أن حبيبا لم يسمع من عروة شيئا ، وبنحوه ذكره الإمام أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والحافظان ؛ أبو بكر البيهقي ، وأبو الحسن بن القطان ، وأبو الفرج بن الجوزي ، وابن سرور المقدسي ، وأشار ابن حزم إلى عدم صحته ، [ وفي كتاب الخلال : سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة في القبلة ؛ فقال : هو غلط ، وفي كتاب الميموني : قال أبو عبد الله : هذا الحديث مقلوب على حديث عائشة : قبل وهو صائم ، وهو هذا الحديث بعينه ، يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قلت : فمن أين ؟ أليس حبيب صالح الحديث ؟ ! قال : بلى ، ولكن لا أعلم أحدا روى عن حبيب عن عروة شيئا إلا هذا الحديث ، وحديث آخر يرويه الأعمش ، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم : وسمعت أبي يقول : لم يصح حديث عائشة في ترك الوضوء من القبلة - يعني : حديث الأعمش عن حبيب عن عروة - وسئل أبو زرعة عن الوضوء من القبلة ؛ فقال : إن لم يصح حديث عائشة قلت به ، وأشار البغوي في شرح السنة إلى ضعفه .

وقال الشافعي : ليس بمحفوظ من قبل أن عروة إنما روى : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلها صائما . وقال البيهقي في المعرفة : والصحيح رواية عروة ، والقاسم بن محمد ، وعلي ، ابن الحسين ، وعلقمة ، والأسود ، ومسروق ، وعمرو بن ميمون ، عن عائشة : كان - عليه السلام - يقبل وهو صائم ، وحديث حبيب معلول . وقال في الخلافيات : اشتبه فساده على كثير ممن ليس الحديث من شأنه ، ويراهُ إسنادا صحيحا ، وهو فاسد من وجهين : الأول : الانقطاع .

والثاني : عروة ليس بابن الزبير ، إنما هو شيخ مجهول يعرف بالمزني وأما قوله : ومنهم من قال : ليس هو عروة بن الزبير ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من رواية وكيع المصرح فيها بنسبه عند ابن ماجه والدارقطني ، وأيضا فلا أحد من الغرباء يتجاسر على أم المؤمنين بقوله : من هي إلا أنت ؟ ويحكي ضحكها غالبا إلا من كان ذا محرم منها ، ويزيده وضوحا رواية هشام له عن أبيه كرواية حبيب . ذكر ذلك الدارقطني في كتاب السنن من رواية حاجب بن سليمان عن وكيع عنه ، وقال : وليس كذلك لمتابعة ذكر ذلك أبو الحسن في كتابه عن الحسين بن إسماعيل عن علي بن عبد العزيز الوراق - يعني : المصنف المشهور - عنه عن أبي أويس ، قال : حدثني هشام ، فذكره ، ثم قال : لا أعلم حدث به عن عاصم غير علي بن عبد العزيز ، ورواه أيضا من جهة شيبان بن عبد الرحمن ، عن الحسن بن دينار ، عن هشام ، عن أبيه عروة بن الزبير : أن رجلا قال : سألت عائشة ، الحديث . ومن جهة محمد بن جابر عن هشام ، ومن جهة عبد الملك بن محمد عن هشام ، ورواه عن عروة كروايتهما الزهري .

قال أبو الحسن : ثنا ابن قانع ، عن إسماعيل بن الفضل ، عن محمد بن عيسى بن يزيد الطرطوسي ، عن سليمان بن عمر بن سيار ، عن أبيه ، عن ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن عروة به . وقال البيهقي حين ذكره : رواته إلى ابن أخي الزهري أكثرهم مجهولون ، ولا يجوز الاحتجاج بأخبار ترويها المجاهيل ، ورواه الدارقطني أيضا من جهة إسماعيل بن موسى ، ثنا عيسى بن يونس عن معمر ، فأدخل بين الزهري وعروة رجلا - وهو أبو سلمة - ثم قال : هذا خطأ من وجوه . قال البيهقي : إنما أراد الخطأ في متنه وإسناده جميعا ؛ حيث أدخل أبا سلمة ، وزاد في متنه : ثم صلى ولم يتوضأ ، والمحفوظ ما سبق ، والحمل فيه على من دون عيسى ، وكيف يكون ذلك من جهة الزهري صحيحا ، ومذهبه بخلافه ، ورواه عن عروة أيضا محمد بن عمرو ، وذكره عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن معبد بن نباتة عن محمد عن عروة به ، وذكر الزعفراني عن الشافعي ، قال : إن ثبت حديث معبد في القبلة لم أر به بأسا ، ولا في اللمس ، وزاد أن محمد بن عمرو لم يثبت له عن عروة شيء ، انتهى .

فقد تبين لك أن عروة هذا هو ابن الزبير لا المزني لكونه مجهولا ، ولم يرو عنه إلا ابن أبي ثابت ، أخذا من إسناد حديثه المذكور عند أبي داود ، ولو روى عنه من وصفناه لخرج عن الجهالة التي لم تزايله ، فيما ذكره غير واحد من المؤرخين ، والله تعالى أعلم . وأيضا فقد رواه عن عائشة جماعة غير عروة ، نذكر منه ما تيسر ؛ فمن ذلك : رواية عطاء عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ . رواه البزار في مسنده عن إسماعيل بن يعقوب بن صبيح ، ثنا محمد بن موسى بن أعين ، حدثني أبي ، عن عبد الكريم الجزري عنه ، وقال : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا من رواية عائشة ، ولا نعلمه يروى عن عائشة إلا من حديث حبيب عن عروة ، ومن حديث عبد الكريم عن عطاء عنها ، وقال في موضع آخر : وهذا الحديث إسناده إسناد حسن ، وهو معروف من حديث عبد الكريم ، ومحمد بن موسى ليس به بأس ، قد احتمل حديثه أهل العلم ، ولا نعلم فيه مطعنا يوجب التوقف عن حديثه ، وسائر الرجال يستغنى بشهرتهم عن صفاتهم ، وإسماعيل بن صبيح رجل ثقة مشهور ، وقد رواه خطاب بن القاسم قاضي حران ، وكان مشهورا أيضا عن عبد الكريم ، انتهى كلامه .

وفيه نظر ؛ لما نذكره بعد - إن شاء الله تعالى - ، ولما ذكر أبو محمد الإشبيلي هذا الحديث ، قال : موسى بن أعين ثقة مشهور ، وابنه مشهور ، روى له البخاري ، ولا أعلم لهذا الحديث علّة توجب تركه ، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول يحيى بن معين : حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء ؛ لأنه غير محفوظ . قال أبو محمد : وانفراد الثقة بالحديث لا يضره ، فإما أن يكون قبل نزول الآية ، وإما أن تكون الملامسة الجماع كما قال ابن عباس ، ولما رواه الدارقطني من جهة جندل بن والق ، ثنا عبيد الله بن عمرو عن غالب عن عطاء ، قال : غالب هو ابن عبيد الله ، متروك . وقال صاحب الذخيرة : هذا حديث لا يصح ؛ لأنّ غالبا يتهم بالوضع ، قال أبو الحسن : ثنا عثمان بن أحمد الدقّاق ، ثنا محمد بن غالب ، ثنا الوليد بن صالح ، ثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم الجزري بمثله ، ثم قال : يقال إن الوليد وهم في قوله : عبد الكريم ، إنما هو حديث غالب ، ورواه الثوري عن عبد الكريم عن عطاء من قوله ، وهو الصواب .

ولما ذكر أبو بكر هذا الحديث في كتاب الخلافيات لم يتكلم على الوليد بشيء إلا بقول عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : لِمَ لم تكتب عن الوليد ؟ فقال : رأيته يصلي في المسجد الجامع ، ويسيء صلاته ، وفي موضع آخر قال : ورواه سلمة بن صالح منفردا به ولم يتابع عليه ، قال الحاكم : عن محمد بن عبد الرحمن الكوفي عن عطاء عن عائشة ، وروى عن عبد الكريم عن عائشة مرفوعا ، وهو وهم ، والصحيح : عن عطاء من قوله ، انتهى . والذي يشبه أن يكون ابن معين أراد الطريق التي أسلفناها من عند الدارقطني أولا ، يؤيد ذلك قول ابن عدي : والحديث الذي ذكره أبو زكريا هو ما روى عبيد الله بن عمرو عنه عن عطاء ، فذكر حديث القبلة ، ثم قال : إنما أراد ابن معين هذا الحديث ؛ لأنه غير محفوظ ، ثم قال : ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة ، يرويها عن قوم ثقات ، وإذا روى عنه الثقات فحديثه مستقيم ، وقول الدارقطني : يقال : إن الوليد وهم في قوله : عن عبد الكريم ؛ فقد ينازع في ذلك على طريقة معلومة لمتأخري المحدثين والفقهاء إذا كان ثقة ، ويطالب قائل ذلك بالدليل على ما حكم به من الوهم ، وما تقدّم من متابعة ابن أعين تضعف قوله ، وتقتضي أن للحديث أصلا من رواية عبد الكريم ، وقال ابن الحصار في كتابه تقريب المدارك : وقد طعنوا على عبد الكريم ؛ لانفراده برفع هذا الحديث ، وليس ذلك مطعنا ، وانفراد الثقة برفع الحديث لا يقدح فيه ، وحديثه هذا مسند صحيح . وأمّا رواية الثوري له موقوفا فهي مسألة مشهورة عند الفقهاء والأصوليين فيما إذا وقف ثقة ورفع ثقة ، وعبيد الله بن عمرو من الثقات المخرج حديثهم في الصحيحين ، وأيضا فعطاء صاحب فتوى معروف بذلك ، فيجوز أن يكون أفتى بما روى ، كما نقل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين ، فلا يقوي القرينة في غلط من رفع كلّ القوة ، وأما ما ذكره البيهقي عن الوليد فليس عيبا ترد به أحاديثه ؛ لاحتمال أن يكون يرى رأي العراقيين ، وصلاة بعضهم عند أحمد غير صحيحة ، ولئن سلمنا له الطعن فيه ؛ فحديث البزار المذكور ليس فيه الوليد ، والله أعلم .

ومن ذلك : رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنها : أنا بها القدوة المعمر أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي ، بقراءتي عليه : أخبركم أبو إسحاق إبراهيم بن خليل بن عبد الله الدمشقي ، قراءة عليه ، يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وستمائة ، بجامع حلب ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللخمي المعروف بابن الخرقي ، بقراءة أخي ، سنة ست وثمانين وخمسمائة ، أنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي ، في ربيع الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة ، أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الصوفي ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن أبي نصر ، أنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة ، سنة أربعين وثلاثمائة ، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد ، ثنا محمد بن شعيب بن شابور ، عن سعيد بن بشير ، عن منصور بن زاذان ، حدثه عن محمد بن مسلم الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أنها قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخرج إلى الصلاة ، ثم يقبلني ولا يتوضأ . قال أبو القاسم في معجمه الأوسط ، ورواه من حديث سعيد : لم يروه عن الزهري إلا منصور ، ومن ذلك : زينب السهمية الآتي حديثها بعد ، ومن ذلك : إبراهيم التيمي عنها : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبّلها ، ولم يتوضأ . رواه أبو داود عن محمد بن بشار ، ثنا يحيى وعبد الرحمن ، ثنا سفيان ، عن أبي روق عنه ، وقال : هذا مرسل ؛ التيمي لم يسمع من عائشة ، وقد سبق كلام البخاري فيه ، وقال الدارقطني : لم يروه عن إبراهيم غير أبي روق عطية بن الحارث ، ولا نعلم حدث به غير الثوري وأبي حنيفة من حديث يحيى بن نصر بن حاجب عنه .

واختلف فيه ، فأسنده الثوري عن عائشة ، وأبو حنيفة عن حفصة ، وكلاهما أرسله ، وإبراهيم لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ، ولا أدرك زمانهما ، وفيه نظر ؛ لما علم أن مولده - على ما ذكره البيهقي - سنة خمسين ، وتوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين - على ما قاله أبو معشر وابن أبي خيثمة - ، وعائشة كانت وفاتها سنة سبع - أو ثمان - وخمسين ، والله أعلم . وأما إجماعهم على إرساله فليس كذلك ؛ لما ذكره أبو الحسن في سننه مسندا من طريق صحيحة ، فقال : ورواه معاوية بن هشام - يعني : المخرج حديثه في صحيح مسلم - عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم عن أبيه - يعني : المخرج حديثه في الصحيحين - عنها ، فوصل إسناده ، واختلف عنه في لفظه ؛ فقال عثمان بن أبي شيبة - فيما ثناه البغوي عنه بهذا الإسناد - : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبل وهو صائم ، وقال غيره : كان يقبل ولا يتوضأ . ولما ذكر البيهقي هذا في المعرفة قال : معاوية ليس قويا ، لم يزد على ذلك ، وليس بعلة يرد بها حديثه لما أسلفناه ، والله تعالى أعلم .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث