باب الوضوء من المذي
حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا مالك بن أنس ، عن سالم أبي النضر ، عن سليمان بن يسار ، عن المقداد بن الأسود ، أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل ، قال : إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه ، يعني : يغسله ويتوضأ . هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، فقال : ثنا يونس بن عبد الأعلى ، ثنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، ولفظه : يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله ، فخرج منه المذي ، ماذا عليه ؟ فإن عندي ابنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنا أستحيي أن أسأله ، قال المقداد : فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ، فقال : إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه ، وليتوضأ وضوءه للصلاة . وبنحوه ذكره ابن الجارود في منتقاه ، وابن حبان في صحيحه ، وقال إثره : مات بالجرف سنة ثلاث وثلاثين ، ومات سليمان بن يسار سنة تسع وتسعين ، وقد سمع سليمان من المقداد ، وهو ابن دون عشر سنين .
وقال أبو عمر : ورواه ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه سمع عليا بالكوفة ، قال : وقد خولف في ذلك عمرو ، والحديث صحيح ثابت عند أهل العلم ، وله طرق شتى عن علي والمقداد وعمار ، وكلّها صحاح حسان ، أحسنها ما ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال : قيل لعطاء : أرأيت المذي ، أكنت ماسحه مسحا ؟ قال : لا ، المذي أشد من البول . أخبرني عايش بن أنس أخو بني سعد بن ليث ، قال : تذاكر علي وعمار والمقداد المذي ، فقال علي : إني رجل مذاء ، فسلا عن ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال عايش : فسأله أحد الرجلين - عمار أو المقداد - وقال عطاء : قد سماه عايش ونسيته ، وذكره ابن حزم مصححا له - أعني الحديث الأول - . وأبى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي بقوله : هكذا رواه أبو النضر عن سليمان ، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان عن ابن عباس موصولا ، أنبأ به أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، ثنا أحمد بن عيسى ، ثنا ابن وهب ، أخبرني مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، فذكره ، انتهى كلامه .
وفيه نظر في موضعين : ، وقد انتقد الحافظ أبو الحسن البغدادي على مسلم إخراجه هذه الترجمة ، والله أعلم . الثاني : ما ذكر من انقطاع حديث سليمان ، وليس هو بأبي عذرة هذا القول ، لتقدم الإمام الشافعي بذلك بقوله : سليمان عن المقداد مرسل ، لا نعلم سمع منه شيئا ، وتبعه على ذلك الحافظ أبو الوليد الدمشقي وغيره ، فغير صحيح ؛ لما أسلفناه قبل ، والمثبت مقدم على النافي ؛ لا سيما مع بيان وجه ذلك وسببه ، وأما قول أبي عمر : رواية يحيى عن مالك في هذا الحديث : فلينضح فرجه وليتوضأ . وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب وسائرهم : فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة .
وهذا هو الصحيح ، وقد رواه عبد الرزاق عن مالك ، كما رواه يحيى : ولينضح فرجه . ولو صحت رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة يفسرها رواية غيره ؛ لأن النّضح يكون في لسان العرب مرة الغسل ، ومرة الرش ، انتهى ما ذكره . وفيه نظر ؛ لما تقدم من حديث الباب عن عثمان بن عمر عن مالك ، بلفظ : ولينضح فرجه ، وكذلك رواه أبو داود في سننه من حديث القعنبي ، وذكر الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ : أن أبا مصعب وأحمد بن إسماعيل المدني وابن وهب ومعنا القزاز وعبد الله بن يوسف ويحيى بن بكير الشافعي وابن القاسم وعتبة بن عبد الله وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى والقاسم بن يزيد رووه عن مالك ، بلفظ : فلينضح ، إلا ابن وهب ؛ فإن في بعض ألفاظه : فليغسل ، فلو عكس أبو عمر قوله لكان مصيبا ، والله تعالى أعلم .
وفي مسند أحمد من حديث هانئ بن هانئ عن علي : كنت رجلا مذاء ، فأمرت المقداد ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فضحك ، وقال : فيه وضوء . وفي رواية لأبي داود من طريق ابن العبد ، نا القعنبي ، ثنا أبي ، عن هشام بن عروة [ عن أبيه ، عن حديث حدثه عن علي ، قال : قلت للمقداد : قال أبو داود : ورواه المفضل ] بن فضالة ، والثوري ، وابن عيينة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن علي . ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، عن هشام ، عن أبيه : أن عليا ، قال أبو داود : ورواه الثوري وجماعة عن هشام ، عن أبيه ، عن المقداد ، عن علي ، وفيه : فليغسل ذكره وأنثييه .
ورد أبو محمد المنذري هذا الحديث بقوله : قال أبو حاتم : عروة عن علي مرسل ، وفيه نظر في موضعين : الأول : أن هذا بعينه ذكره أبو داود نفسه في كتاب التفرّد ، بقوله : وحديث هشام عن أبيه عن علي ليس بمتصل ، إلا أن ابن إسحاق قال : عن عروة عن المقداد عن علي ، انتهى . فإن كان لم يسمعه من علي كان متصلا بوساطة المقداد ، كما ذكره أبو داود . الثاني : لا حاجة بنا إلى ذكر قول أبي حاتم : عن عروة عن علي مرسل ؛ لكونه صرح في نفس السند بالانقطاع بقوله : حدثه عن علي ، وخرجه الكجي عن حجاج .
ثنا حماد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن المقداد : أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المذي ، فقال : كل فحل يمذي ، وليس فيه إلا الطهور . وقد اختلفت ألفاظ حديث علي - رضي الله عنه - فذكر ابن حبان بعد تصحيحه حديث المقداد وعمار أنّ عليا أمرهما ، وحديث أبي عبد الرحمن أنه هو السائل ، قد يتوهم بعض المستمعين لهذه الأخبار أن بينها تضادا أو تهاترا ، وليس كذلك ؛ لأنّه يحتمل أن يكون علي أمر عمارا أن يسأل فسأله ، ثم أمر المقداد أن يسأل فسأله ، ثم سأل هو بنفسه ، والدليل على صحة ما ذكرت أن متن كل خبر بخلاف متن الخبر الآخر ؛ ففي خبر أبي عبد الرحمن : إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك وتوضأ ؛ وإذا رأيت المني فاغتسل ، وفي خبر إياس بن خليفة عن عمار : يغسل مذاكيره ويتوضأ ، وليس فيه ذكر المني ، وخبر المقداد مستأنف ، فينبئك أنه ليس بالسؤالين اللذين ذكرناهما ؛ لأن فيه : سأل عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ، ماذا عليه ؟ فإنّ عندي ابنته ، فذلك ما وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة - والله أعلم - انتهى الذي قاله بطريق الاحتمال . وتقدم من عند أبي عمر مبينا ، وقد ورد في بعض الألفاظ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو السائل له .
جاء ذلك مبينا في حديث حسن الإسناد رواية عن المسند المعمر أبي زكريا يحيى بن يوسف المقدسي ، قال : حدثني ابن رواح ، أخبرنا الحافظ أبو طاهر البغوي - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، في رمضان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ، أنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار ، قراءة عليه وأنا أسمع ، ثنا أبو الحسن الفالي ، أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن خربان ، أنا القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ، ثنا الحسن بن علي قاضي الأهواز ، نا محمد بن علي الوراق ، ثنا أبو نعيم ، ثنا رزام الضبي ، قال : سألت جوابا التيمي عن المذي ، فقال : سألت عنه أبا إبراهيم يزيد بن شريك ، فألجأ الحديث إلى علي ، وألجأ علي الحديث إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : رآني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد شحبت ، فقال لي : يا علي ، لقد شحبت ، قلت : شحبت من اغتسال الماء ، وأنا رجل مذاء ، فإذا رأيت منه شيئا اغتسلت ، قال : لا تغتسل منه يا علي ، الحديث . فعلى هذا يحمل ما في مسند أحمد عن عبد الله ، قال : حدثني أبو محمد شيبان ، ثنا عبد العزيز بن مسلم ، نا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي ، قال : كنت رجلا مذاء ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ، فقال : في المذي الوضوء ، وفي المني الغسل . ويحتمل أن يكون لما بعث علي من بعث ليسأل رآه - عليه السلام - شاحبا ، ونزل علي - رضي الله عنه - جوابه عن ذلك بمنزلة السؤال ابتداء على طريق التجوز ، والله تعالى أعلم .
وأما رواية سعيد بن بشير عن محمد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن يحيى بن الجزار عن علي : أمر المقداد ؛ فخطأ . قال ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه . وفي السنن الكبير ، من جهة ابن جريج عن عطاء : أنّ عليّا كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي .