التيمم
ثنا محمد بن أبي عمر العدني ، ثنا سفيان عن عمرو ، عن الزهري عن عبيد الله ، عن أبيه ، عن عمار ، قال : تيممنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المناكب . وفي كتاب المعرفة لأبي بكر : رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري ، ثم سمعه من الزهري ، فرواه عنه ، فكان يقول أحيانا : عن أبيه عن عمار ، وأحيانا لا يقول : عن أبيه . قال علي ابن المديني : قلت لسفيان : عن أبيه عن عمار ؟ قال : أشكّ في أبيه ، قال علي : كان إذا حدثنا لم يجعل : عن أبيه .
ورواه الشافعي عن الثقة عن معمر عن الزهري ، فذكر أباه ، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر فلم يذكره ، واختلف فيه على الزهري ، فقيل : عنه عن أبيه ، وقيل : عنه دون ذكر أبيه ، ورواه صالح بن كيسان عند أبي داود عن الزهري ، حدثني عبيد الله عن ابن عباس عن عمار : أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك ، حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء ، فتغيظ عليها أبو بكر ، وقد حبست الناس ، وليس معهم ماء ؛ فأنزل الله تعالى رخصة التطهير بالصعيد الطيّب ، فقام المسلمون مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ، ولم ينفضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط . قال أبو داود : زاد ابن يحيى في حديثه : عن ابن شهاب ، ولا يعتبر الناس بهذا ، قال أبو داود : وكذلك رواه ابن إسحاق - يعني : عن الزهري - قال فيه : عن ابن عباس ، وذكر ضربتين ، كما ذكره يونس ، ورواه معمر : ضربتين ، وقال مالك : عن الزهري عن عبيد الله عن أبيه عن عمار ، وكذلك قال أبو أويس ، وشك فيه ابن عيينة ، قال مرة : عن عبيد الله عن أبيه ، أو عن عبد الله بن عباس : اضطرب فيه . ومرة قال : عن أبيه .
ومرة قال : عن ابن عباس ، اضطرب فيه ، وفي سماعه من الزهري شك ، ولم يذكر أحد منهم الضربتين [ إلا من سميت ، وذكره ابن ماجه أيضا ] من جهة يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عمار ، بلفظ : فأمر المسلمين ، فضربوا أكفهم بالتراب ، ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا وجوههم مسحة واحدة ، ثم عادوا ، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى ، فمسحوا أيديهم . وفي قول أبي داود : ولم يذكر أحد منهم - يعني : من الرواة عن الزهري - إلا من سميت نظر ؛ لأن ابن أبي ذئب رواه عنه كذلك ، أنبأنا بحديثه أبو العباس أحمد بن وهب الشافعي ، أنبأنا أبو الحسن بن سلامة ، أنبأنا أحمد بن محمد البغوي ، أنبأنا القاسم بن أحمد الأصبهاني ، أنبأنا الحافظ أبو بكر بن مردويه ، ثنا عبد الله بن إسحاق البغوي ، ثنا أحمد بن ملاعب ، ثنا عبد الصمد بن النعمان ، ثنا ابن أبي ذئب به ، وفي كتاب الكجي : قال سفيان : فرأيت إسماعيل بن أمية جاء إلى الزهري ، فسأله عن هذا الحديث ، فأبى أن يحدثه ، وقال : لم أسمعه إلا من عبيد الله بن عبد الله ، فانظروا هل تجدونه من جانب آخر . ولما سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن حديث صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار في التيمم ، فقالا : هذا خطأ ، رواه مالك وابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن أبيه عن عمار وهو الصحيح ، وهما أحفظ ، قلت : قد رواه يونس وعقيل وابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله عن عمار ، وهم أصحاب الكتب ، فقالا : مالك صاحب كتاب وصاحب حفظ ، وأما ما زعمه ابن عساكر والمزي من أن ابن ماجه خرج في سننه عن محمد بن أبي عمر عن سفيان عن عمرو عن الزهري عن عبيد الله عن أنس عن عمّار به فغير صحيح ؛ لأني لم أجده في كتابه ، وفي التمهيد : كل ما يروى عن عمّار في هذا مضطرب مختلف فيه ، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربه واحدة للوجه واليدين .
وفي سؤالات أحمد بن أبي عبدة : قال أحمد في حديث عمّار هذا : هذا أثبت عندي ، وقال عبد الحق : الصحيح المشهور في صفة التيمم من تعليم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّما هو للوجه والكفين ، وأقرّه على ذلك أبو الحسن ؛ بل نظر فيه ، وكذا قاله ابن الحصار في المدارك . وقال إسحاق فيما ذكره أبو عيسى : حديث عمار للوجه والكفين حديث صحيح ، وحديثه : تيممنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المناكب والآباط ، ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين ؛ لأنّ عمارا لم يذكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بذلك ، وإنما قال : فعلنا كذا وكذا ، فلما سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره بالوجه والكفين ، ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقال الإمام الشّافعي : ولا يجوز على عمار إذا ذكر تيممهم مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند نزول الآية إلى المناكب ، إن كان عن أمره - عليه السلام - إلا أنه منسوخ عنده ؛ إذ روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أمر بالتيمم على الوجه والكفين ، أو يكون لم يرو عنه إلا تيمما واحدا ، فاختلف رواته عنه ، فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت ، وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها ؛ لأنها أوفق لكتاب الله تعالى من الروايتين اللتين روينا مختلفتين ، أو يكون إنما سمعوا آية التيمّم عند حضور الصلاة فتيمموا ، فاحتاطوا ، وأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد ؛ لأنّ ذلك لا يضرهم ، كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء ، فلما صاروا إلى سؤاله - عليه السلام - أخبرهم أنّهم يجزيهم من التيمم أقلّ مما فعلوا .
وهذا أولى المعاني عندي برواية ابن شهاب من حديث عمار بما وصف من الدلائل ، والله تعالى أعلم . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن اختلاف حديث عمار في التيمم ، وما الصحيح منها ؟ فقال : رواه الثوري عن سلمة عن أبي مالك الغفاري عن عبد الرحمن بن أبزى عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه شعبة عن الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ورواه حصين عن أبي مالك : سمعت عمارا يذكر التيمم موقوفا ، قال أبي : الثوري أحفظ من شعبة ، قلت لأبي : فحديث حصين عن أبي مالك ؟ قال : الثوري أحفظ ، ويحتمل أن يكون سمع أبو مالك من عمّار كلاما غير مرفوع ، وسمع مرفوعا من عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القصة ، وفي كتاب ابن أبي حازم : حديث عمار لا يخلو إمّا أن يكون عن أمره - عليه السلام - أو لا ، فإن لم يكن عن أمره فقد صحّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلافه ، ولا حجة لأحد مع كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والحق أحق أن يتبع ، وإن كان عن أمره فهو منسوخ ، وناسخه أيضا حديث عمار - يعني : المذكور في الصحيح - مرفوعا : إنما كان يجزيك ، وضرب صلى الله عليه وسلم بيده الأرض إلى التراب ، ثم قال : هكذا ، فنفخ فيها ، فمسح وجهه ويديه إلى المفصل ، وليس فيه الذراعان ، وهذا الحديث ظاهر الدلالة في النسخ لتأخّره عن الحديث الأوّل ، فإن قيل : فلو كان عمار حفظ التيمم في أوّل الأمر ، وكان الثّاني بعد الأوّل كما زعمتم لما اضطر عمار إلى التمرغ في التراب ، قلت : إنّما أشكل الأمر على عمر وعمار لحصول الجنابة ، فاعتزل عمر ، وتمعك عمار ظنّا منه أنّ حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر ؛ إذ ليس في الحديث الأوّل ما يدلّ على أنّ القوم كانوا قد أصابتهم جنابة ، وهم على غير ماء ، فاحتاجوا إلى الوضوء ، فأمروا بالوضوء . ولفظ الدارقطني في حديثه : إذ سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تمرغ في الصعيد كالدابة ، وضرب بكفه إلى الأرض ، ثم نفضها ، وقال : تمسح بها وجهك وكفيك إلى الرسغين ، وقال : لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ، وأوقفه شعبة وزائدة وغيرهما ، ورواه أبو بكر الأثرم : ثم تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغة من رواية إبراهيم عن حصين ، وفي لفظ لمسلم : ثم تمسح بهما وجهك وكفيك .
وفي لفظ لابن ماجه : فضربوا بأكفهم التراب ، ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بوجوههم مسحة واحدة ، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصّعيد مرة أخرى ، فمسحوا بأيديهم . وفي لفظ لأبي داود : ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد ، ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة . وفي رواية : شكّ سلمة بن كهيل ، فقال : لا أدري فيه : إلى المرفقين ، يعني : أو إلى الكعبين .
وقال شعبة : كان سلمة يقول : الكفين والوجه والذراعين ، فقال له منصور ذات يوم : انظر ما تقول ؛ فإنّه لا يذكر الذراعين غيرك . وقال الطبراني في الأوسط : لم يروه عن الحكم بن عتيبة إلا سليمان بن أبي داود . تفرد به محمد بن سليمان ، فرجع إلى أبي داود ، وفي رواية : إلا أنه لم ينفخ ، وفي رواية : سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التيمم ، فأمرني به واحدة للوجه والكفين .
وفي كتاب الدارقطني : إلى المرفقين ، قال الحربي : فذكرته لأحمد بن حنبل فعجب منه ، وقال : ما أحسنه ! . وفي رواية لأبي داود : قال : إلى المرفقين ، وفي إسناد هذه الرواية رجل مجهول ، قال أبو القاسم في الأوسط : لم يرو هذا الحديث عن أبان بن يزيد العطار إلا عفّان ، وقال أبو محمد بن حزم : والأخبار الثابتة كلها عن عمار بخلاف هذا ، فسقط الخبر . وفي لفظ للنسائي : ثم ضرب بيده على الأرض ضربة واحدة فمسح كفيه ، ثم نفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه ، وبيمينه على شماله ، على وجهه وكفيه .
وفي المعرفة : قال الشافعي : ولو أعلمه ثابتا - يعني : الوجه والكفين - لم أعده ، ولم أشك فيه ، وفي الأوسط لابن مطير : ثنا محمد بن نوح بن حرب ، ثنا يحيى بن غيلان ، ثنا إبراهيم بن محمد الأسلمي ، عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار ، أنه أصابته جنابة وليس معه ماء ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنما يكفيك أن تمسح وجهك وكفيك بالتراب ، ضربة للوجه وضربة للكفين . وقال : لم يروه عن أبي عميس عتبة بن عبد الله إلا إبراهيم بن محمد ، وفي المعجم الكبير له : وضربة لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا ، وفي لفظ : ومن بطون أيديهم إلى الآباط ، وفي لفظ : إلى المناكب والآباط ، وفي لفظ : إنما كان يكفيك من ذلك التيمم ، فإذا قدرت على الماء اغتسلت . وفي لفظ : عزبت في الإبل ، فأجنبت ، فأمرني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أتيمّم ، وكنت تمعكت في التراب حين أجنبت .
رواه عن أحمد بن الخضر المروزي ، ثنا محمد بن عبدة المروزي ، ثنا أبو معاذ النحوي الفضل بن خالد ، ثنا أبو حمزة السكري ، عن رقبة ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب عنه ، وهو غير حديثه الذي في الصحيح ؛ لأنّ ذلك وهو في غزاة ، والله أعلم . وفي كتاب الكنى للنسائي ، أنه قال لعمر : أما تذكر أنا كنّا نتناوب رعية الإبل فأجنبت ، الحديث . وفي كتاب البيهقي : أجنبت في الرمل فتمعكت ، الحديث .
وفي حديث عبد الله بن عمر : سلّم رجل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سكة من السكك ، وقد خرج من غائط أو بول ، فسلم عليه فلم يرد عليه ، حتى إذا كاد أن يتوارى ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ، ثم رد على الرجل السلام . رواه أبو داود من حديث محمد بن ثابت العبدي عن نافع عنه ، وقال في كتاب التفرّد : لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورووه فعل ابن عمر ، ورواية أبي الجهم نحو حديث ابن الهاد عن نافع عن ابن عمر ، ورواه أيوب بن مالك ، وعبيد الله ، وقيس بن سعد ، ويونس ، وابن أبي داود عن نافع عن ابن عمر : أنه تيمم ضربتين للوجه ، قال أبو داود : جعلوه فعل ابن عمر ، وسمعت أحمد يقول : روى محمد بن ثابت حديثا منكرا في التيمم ، انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث إنّ حديث ابن أبي داود مرفوع لا موقوف ، ذكره الشيرازي في الألقاب ، فقال : ثنا أبو عمرو ، ثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا موسى بن سعيد بن النعمان بن حبان الدنداني ، ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، عن ابن رواد به ، بلفظ : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . وقال الطبراني في الأوسط : لم يروه بهذا التمام عن نافع إلا العبدي .
وقال أبو أحمد بن عدي : خالف العبدي عبيد الله وأيوب والناس ، فقالوا : عن نافع عن ابن عمر فعله . وقال الخطابي : هذا حديث لا يصح ؛ لأن محمدا ضعيف جدا ، لا يحتج بحديثه . وقال أبو بكر في كتاب المعرفة : رواه جماعة من الأئمة عن العبدي ؛ منهم : يحيى بن يحيى ، ومعلى بن منصور ، وسعيد بن منصور ، وغيرهم .
وقال مسلم بن إبراهيم في رواية موسى بن الحسن بن عباد عنه : ثنا ، وأنكر البخاري رفع هذا الحديث ، ورفعه غير منكر ، فقد روى الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر - يعني : الذي في صحيح مسلم - قصة السلام مرفوعة إلا أنه قصر بها ، فلم يذكر التيمم . ورواه يزيد بن عبد الله بن الهاد عن نافع عن ابن عمر ، فذكر قصة السلام ، وذكر قصة التيمم ، إلا أنّه قال : ثم مسح وجهه ويديه ، كما روى يحيى بن بكير عن الليث في حديث ابن الصمة ، وإنّما تفرد العبدي من هذا الحديث بذكر الذراعين فيه دون غيره ، وتيمم ابن عمر ، وفتواه بذلك تؤكد رواية العبدي ، وتشهد له بالصحة ، فقد صار بهذه الشواهد معلوما أنه روى قصة السلام والتيمم ، وهو لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عنه ، فتيمّمه على الوجه والذراعين إلى المرفقين يدلّ على أنّه حفظه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنّ العبدي حفظه من نافع . أنبأ أبو سعيد ، أنبأنا أبو العباس ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا مالك عن نافع ، أنه أقبل هو وابن عمر من الجرف ، حتى إذا كان بالمربد نزل فتيمّم صعيدا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين ، ثم صلى .
وروى عُبيد الله ويونس عن نافع عن ابن عمر ، أنّه كان يقول : التيمم ضربتان ؛ ضربة للوجه ، وضربة للكفين إلى المرفقين . قال : ورويناه أيضا عن جابر مرفوعا : التيمم ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : وقال أبو زرعة : هذا حديث باطل .
الثاني : قوله : إنما ينفرد العبدي من هذا الحديث - يعني : حديث ابن عمر - بذكر الذراعين غير صحيح ، لما نذكره بعد من رواية الشافعي من شرح السنة للبغوي ، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه شاهدا : ثنا أبو جعفر عبد الله بن إبراهيم ، ثنا الهيثم بن خالد ، ثنا أبو نعيم ، ثنا سليمان بن الأرقم ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : تيممنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب ، ثم نفضنا أيدينا ، فمسحنا بها وجوهنا ، ثم ضربنا ضربة أخرى ، ثم نفضنا أيدينا ، فمسحنا بأيدينا من المرفق إلى الكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن ، ثم قال : هذا حديث مفسر ، وإنما ذكرته شاهدا ؛ لأن سليمان ليس من شرط هذا الكتاب ، وقد اشترطنا إخراج مثله في الشواهد ، ولفظ الدارقطني في سننه : وضربة للذراعين إلى المرفقين . قال الحاكم : أنبأنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد ، ثنا محمد بن عيسى المدائني ، ثنا شبابة بن سوار ، ثنا سليمان بن أبي داود الحراني عن سالم ونافع عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . سليمان بن أبي داود ، إنّما ذكرنا في الشواهد .
ثنا علي بن عيسى بن عمرو الحرشي ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا علي بن ظبيان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : التيمم ضربتان ؛ ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . قد اتفق الشيخان على حديث الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمر في التيمم ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، ولا أعلم أحدا أسنده عن عبيد الله غير . الثالث : قوله : ورويناه أيضا عن جابر من غير تعرّض للكلام عليه كعادته ، حتى ننظر من سبب ضعفه ، وعدم بلوغه مرتبة حديث العبدي ، لا سيّما وذكر بعده ، ولو صدر بذكره لكان أولى من حديث العبدي لصحته وعدالة رواته ، رواه الحاكم في مستدركه عن ابن حمشاذ وابن بالويه ، ثنا ابن إسحاق الحربي ، ثنا أبو نعيم ، ثنا عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر ، قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : أصابتني جنابة ، وإني تمعكت في التراب ، فقال : اضرب ، فضرب بيديه الأرض ، فمسح وجهه ، ثم ضرب بيديه ، فمسح بهما إلى المرفقين .
وثنا ابن حمشاذ وابن بالويه ، ثنا الحربي ، ثنا عثمان بن محمد الأنماطي ، ثنا حرمي بن عمارة عن عزرة بن ثابت ، بلفظ : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التيمم ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين . قال : هذا إسناد صحيح ، ورواه أبو بكر في مصنفه عن وكيع عن عزرة موقوفا ، وأتبع ما ذكره عن ابن عمر موقوفا ، ووقع ذكره عنده في موضع آخر مرفوعا ، وقال أبو عبد الله النيسابوري : ورواه عن محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن سنان القزاز ، ثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين ، ثنا هشام بن حسان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، قال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بموضع ، يقال له : مربد النعم يتيمم ، وهو يرى بيوت المدينة . قال : هذا حديث تفرد به ابن أبي رزين ، وهو صدوق ، ولم يخرجاه ، وقد أوقفه الأنصاري ، وغيره عن نافع عن ابن عمر ، وأما قول أبي القاسم الطبراني : لم يروه بهذا التمام غير العبدي ، ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من أنّ يزيد بن الهاد ذكره كذلك ، وكذا رواه أبو الحسن ، وفي الباب غير حديث ؛ من ذلك : حديث أبي هريرة : أن ناسا من أهل البادية أتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالوا : إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة ، ويكون فينا الحائض والجنب والنفساء ، ولسنا نجد الماء ، فقال : عليكم بالأرض .
رواه أبو القاسم في الأوسط من حديث المثنى بن الصباح عن الزهري عن سعيد عنه ، وقال : لم يروه عن الزهري إلا المثنى ، ولا رواه عن المثنى إلا حفص . تفرّد به إبراهيم الشافعي ، ورواه الثوري وعبد الرزاق وغيرهما عن المثنى عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب ، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب : ورواه عن شيخه أحمد بن محمد البزار ، ثنا الحسن بن حمّاد ، ثنا وكيع عن إبراهيم بن يزيد عن سليمان الأحول عن سعيد به : لا نعلم للأحول عن سعيد غير هذا ، ولم يروه إلا وكيع عن إبراهيم بن يزيد ، وقال البيهقي : هذا حديث يعرف بالمثنى عن عمرو ، والمثنى غير قوي ، وقد رواه الحجاج بن أرطاة عن عمرو ، إلا أنه خالفه في الإسناد ، فرواه عن عمرو عن أبيه عن جدّه ، واختصر المتن ، فجعل السؤال عن الرجل لا يقدر على الماء ، أيجامع أهله ؟ قال : نعم . ورواه أبو الربيع السمان عن عمرو بن دينار عن ابن المسيب عن أبي هريرة ، أن أعرابا ، وأبو الربيع ضعيف .
قال ابن المديني : قلت لسفيان : إنّ أبا الربيع روى عن عمرو عن سعيد عن أبي هريرة : يعزب في إبله ؟ فقال سفيان : إنما جاء بهذا المثنى عن عمرو بن شعيب ، وإنّما قال عمرو بن دينار : سمعت جابر بن زيد يقوله ، قال علي : قلت لسفيان : إنّ شعبة رواه هكذا عن جابر ، فقال : كان شعبة من أهل الحفظ والصدق ، ولم يكن ممن يريد الباطل . وقد روي عن ابن أبي عروبة عن عمرو ، وابن أبي عروبة إنّما سمعه من أبي الربيع عن عمرو ، وروي من وجه آخر ضعيف من حديث عبد الله بن سلمة الأفطس عن الأعمش عن عمرو ، والأفطس ضعيف ، ولفظ أبي الفرج في التحقيق : ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة ، ثم ضرب ضربة أخرى ، فمسح على يديه إلى المرفقين . وهو معارض بما ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه عن عباد بن العوّام عن برد عن سليمان بن موسى عن أبي هريرة ، قال : لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع ، فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم أجده ، فانطلقت أطلبه ، فلما رآني عرف الذي جئت له ، فبال ، ثم ضرب بيديه الأرض ، فمسح بهما وجهه وكفيه .
وحديث الربيع بن بدر عليلة ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأسلع ، ووصف كيف علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التيمم ، قال : فضرب بكفيه الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم أمر على لحيته ، ثم أعادها إلى الأرض ، فمسح بهما الأرض ، ثم دلك إحداهما على الأرض ، ثم مسح ذراعيه . ذكره أبو الحسن المقرئ في سننه ، وضعفه أبو حاتم الرازي في كتاب العلل ، ذكر الباوردي أن بسببه نزلت آية التيمم ، وقال ابن حزم : هذا الحديث في غاية السقوط ، وفيه إشكال ؛ لأن التيمم نزل قبل إسلامه ، وفي تاريخ البرقي : أصابتني جنابة ، فنزل عليه جبريل بالتيمم ، فذكره ، وهو مشكل أيضا . وحديث أبي أمامة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : في التيمم ضربة للوجه ، وأخرى للذراعين .
ذكره عبد الله بن وهب في مسنده عن محمد بن عمرو اليافعي عن رجل حدثه عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عنه ، قال ابن حزم : فيه علّتان : إحداهما : ضعف القاسم . الثانية : أن محمد بن عمرو لم يسم من أخبره عن جعفر ، وقد دلسه بعض الناس عليه ، فقال : عن محمد بن عمرو عن جعفر ، ومحمد لم يدرك جعفرا فسقط هذا الخبر . وحديث أبي ذر ، قال : وضع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه على الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المرفقين .
ذكره أبو محمد الفارسي من طريق ابن جريج عن عطاء ، حدثني رجل أنّ أبا ذر به ، وقال : هذا خبر ساقط ، قال ابن حزم : وقد روي من حديث عائشة وابن عمر ، أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تيمم للوجه والكفين بضربتين ، وليسا صحيحين : أمّا الأول : فرواه الحريش بن الخريت ، وهو ضعيف . والثاني : فيه سليمان بن أبي داود الحراني ، وهو مثله . وحديث ابن الصمة : أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تيمم ، فمسح بوجهه وذراعيه .
رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن عبد الرحمن بن معاوية عن الأعرج عنه . قال البيهقي : هو منقطع ، الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة ، إنّما سمعه من عمير مولى ابن عباس . وحديث ابن أبي الحمامة السلمي : أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو في المسجد ، فوضع يده على حائط المسجد ، فمسح به وجهه وذراعيه ، ثم دخل .
رواه أبو القاسم البغوي عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام عن أبيه ، قال : أتى ابن أبي الحمامة ، فذكره . وحديث عمار : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال : إلى المرفقين . ذكره البيهقي من حديث قتادة ، قال : حدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عنه ، والله أعلم .