باب في المجرُوح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إن اغتسل
حدثنا هشام بن عمار ، ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين ، ثنا الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح ، سمعت ابن عباس يخبر أن رجلا أصابه جرح في رأسه على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم أصابه احتلام ، فأمر بالاغتسال ، فاغتسل فكز فمات ، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : قتلوه ، قتلهم الله ، أولم يكن شفاء العي السؤال . قال عطاء : وبلغنا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجراح . هذا حديث خرجه أبو داود ، فبين أنه منقطع عن نصر بن عاصم ، ثنا محمد بن شعيب ، أنبأنا الأوزاعي ، أنه بلغه عن عطاء ، أنه سمع ابن عباس به .
وقال عبد الرحمن : سألت أبي وأبا زرعة عنه ، فقالا : رواه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء ، وأفسد الحديث . وخرجه أبو الحسن عن الفارسي ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا الأوزاعي عن رجل عن عطاء . وقال عبد الحق : ولا يروى من وجه قوي ، وسيأتي خلاف قوله ، وأما قول الحافظ المنذري أخرجه - يعني : أبا داود - منقطعا ، وابن ماجه موصولا ، فلم يصنع شيئا ، كلاهما منقطع ، لكن أحدهما قال : بلغه ، والآخر قال : عن ، فلو كان في ابن ماجه تحديث أو شبهه كما سنذكره بعد ، لساغ له قوله ، والله تعالى يغفر له ، لكن المتصل ما ذكره الحافظان أبو بكر بن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما ، وابن الجارود في منتقاه من حديث الذهلي ، ثنا عمر بن حفص بن غياث ، ثنا أبي ، أخبرني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح ، أن عطاء حدثه عن ابن عباس ، بلفظ : قتلهم الله ثلاثا ، قد جعل الله الصعيد أو التيمم طهورا .
قال : شكّ ابن عباس ، ثم أثبته بعد ، قال أبو بكر : ثنا يوسف بن موسى ، ثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رفعه في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ، قال : إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله ، أو القروح أو الجدري ، فيجنب ، فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم . وخرجه ابن الجارود أيضا ، وفي ذلك نظر ؛ لما ذكره أبو أحمد ، من أنّ جريرا سمع من عطاء بعد الاختلاط ، ولما خرج أبو عبد الله في مستدركه حديث الوليد ، قال : هذا حديث صحيح ، فإن الوليد بن عبيد الله هذا ابن أخي عطاء بن أبي رباح ، وهو قليل الحديث جدا ، وقد رواه الأوزاعي عن عطاء وخرج بعد ، وله شاهد آخر عن ابن عباس ، فذكر الحديث الذي أسلفناه من عند ابن خزيمة ، ثم ذكر حديث محمد بن يعقوب ، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي ، ثنا بشر بن بكر ، حدثني الأوزاعي ، ثنا عطاء ، فذكره ، قال : بشر بن بكر ثقة مأمون ، وقد أقام إسناده ، وهو صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وحدثناه أبو العباس ، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد ، أنبأنا أبي ، سمعت يقول : بلغني عن عطاء ، ورواه أيضا الهقل بن زياد ، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي ، فلم يذكر سماع الأوزاعي من عطاء ، إنّما قال : قال عطاء عن ابن عباس ، ورواه أيضا محمد بن كثير المصيصي ، فقال : ثنا الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح ، أنبأنا بذلك الإمام ضياء الدين موسى القطبي - رحمه الله تعالى - ، أنبأنا عبد اللطيف البغدادي ، قراءة عليه وأنا أسمع ، أنبأنا الشيخان اللبان والجمال ، أنبأنا أبو علي ، أنبأنا الحافظ أبو نعيم ، ثنا محمد بن أحمد بن علي ، ثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي ، ثنا محمد بن كثير ، فذكره ، وقال : هذا حديث غريب ، لا تحفظ هذه اللفظة - يعني : ألم يكن شفاء العي السؤال - عن أحد من الصحابة إلا من حديث ابن عباس ، ولا عنه إلا من رواية عطاء ، حدث به الوليد بن مسلم والأعلام عن الأوزاعي ، وقال ابن عساكر : ورواه أيوب بن سويد عن الأوزاعي كرواية ابن أبي العشرين ، ولما خرّج البيهقي حديث الوليد قال : هذا حديث موصول ، وتمام هذه القصة في الحديث الذي أرسله الأوزاعي عن عطاء . ومن أوجب الجمع بينهما يقول : لا تنافي بين الروايتين ، إلا أنّ إحداهما مرسلة ، وبنحوه ذكره قاسم في الدلائل ، فكأن أبا عبد الله لم يعد هذا علّة ؛ إذ صحت له طريقه ، فكأنه يقول : سمعه أولا عنه ، ثم سمعه عن آخر عنه ، ورواه أيضا في تاريخ نيسابور بإسناد ضعيف عن أبي الفضل المسلمي ، ثنا محمد بن حاتم بن يونس ، ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن الأشعث ، ثنا بشر بن يحيى من ثقات أصحاب عبد الله ، ثنا أبو عصمة عن إبراهيم الصائغ عن عطاء عن ابن عباس ، ورواه أيضا عن عطاء عن جابر بن عبد الله ، قال : خرجنا في سفر ، فأصاب رجل معنا حجر ، فشجّه في رأسه ، فاحتلم ، فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ قالوا : ما نجد لك رخصة ، وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات .
فلما قدمنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر بذلك ، فقال : قتلوه ، قتلهم الله ، ألا سألوا إذ لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ، ويعصر - أو يعصب ، شك الراوي - على جرحه خرقة ، ثم يمسح عليها ، ويغسل سائر جسده . رواه أبو داود من جهة الزبير بن خريق ، وقال أبو بكر بن أبي داود : هذه سنة تفرد بها أهل مكة ، وحملها أهل الجزيرة ، ولم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير ، وليس بالقوي ، وخالفه الأوزاعي ، فرواه عن عطاء عن ابن عباس ، واختلف عن الأوزاعي ، فقيل : عنه عن عطاء ، وقيل : عنه بلغني عن عطاء ، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو الصواب . وقال البيهقي في الخلافيات : هذا إسناد مختلف فيه ، وصحّ عن ابن عمر ، أنّه : كان يمسح على العصابة .
وقال في السنن الكبير : هذه رواية موصولة . وفي مسند الدارمي : قال عطاء : وبلغني أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل بعد ذلك ؟ فقال : لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجروح . وقال عبد الحق : لم يروه عن عطاء غيره ، وليس بالقوي ، ورواه الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس ، واختلف على الأوزاعي ، ولا يروى الحديث من وجه قوي ، وتتبع ذلك عليه أبو الحسن بقوله : هكذا ساقه في التيمم ، وهذا لا يحتمل إلا أنّ التيمم في حق المريض من رواية ابن عباس أيضا ، كما هو من رواية جابر ، وذلك باطل ، وإنّما اعتراه هذا من كتاب الدارقطني الذي نقله منه ؛ فإنّه أجمل القول كما ذكر ، ثم فسره بإيراد الأحاديث ، فتخلص ، فكتب أبو محمد الإجمال ، ولم يكتب التفسير ، فوقع الخطأ .
وحديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم ، ولا يعرف ذكر التيمم فيها إلا من رواية ابن خريق ، كما تقدّم أو من رواية أبي سعيد الخدري بإسناد بالغ إلى الغاية في الضعف ، رواه ابن عدي عن محمد بن الحسن بن موسى الكوفي بمصر ، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن حماد ، ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد عن عمرو بن شمر عمرو بن أنس عن عطية عن أبي سعيد ، قال : أجنب رجل مريض في يوم بارد على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فغسله أصحابه فمات ، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : ما لهم قتلوه ، قتلهم الله ، إنما كان يجزئ من ذلك التيمم انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث زعمه أنّ حديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم ؛ لما أسلفناه قبل من كتاب ابن حبان وابن خزيمة ، ولما في كتاب العلل لعبد الرحمن : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : المجدور أو المريض إذا خاف على نفسه تيمم ، قال أبو زرعة : ورواه جرير أيضا ؛ فقال : عن عطاء به مرفوعا في المجدور وهو خطأ ، أخطأ فيه علي بن عاصم ، ورواه أبو عوانة وورقاء وغيرهما عن عطاء بن السائب عن سعيد عن ابن عباس موقوفا ، وهو الصحيح ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث إغفاله أيضا على متابعة جرير ، وإن كان سماعه منه بأخرة فلابدّ من ذكره بهذين الأمرين أو بأحدهما ، وفي كتاب الدارقطني : ثنا بدر بن الهيثم ، ثنا أبو سعيد الأشج ، ثنا عبدة بن سليمان عن عاصم الأحول عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس ، قال : رخص للمريض التيمم بالصعيد ، فهذا كما ترى في كتاب الدارقطني الذي زعم أنّه بخصوصه ليس فيه ذكر التيمم في حديث ابن عباس ، اللّهم إلا أن يحمل كلامه على المرفوع ، فيجاب بأمرين : الأول : قوله رخص - بضم الراء - غالبا ، إنما يعزى لسيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كقوله : أمر بلال ؛ لأنه ليس لأحد أن يسن أو يرخص غيره ، وعلى تقدير المشاححة في هذه اللفظة ، فيقال له : قد قال أبو الحسن بعده : رواه علي بن عاصم عن عطاء ، فرفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فما اعتذارك عن هذا يا أبا الحسن ، وأظن الموقع له في هذا عدم رؤيته إيّاه في سننه ، وليس بين الموضعين إلا يسير ، وقد وقع لنا حديث عبد الحميد متصلا ، فقال : ثنا الأوزاعي ، ثنا عطاء بن أبي رباح ، قال : سمعت ابن عباس ، فذكره ، ذكره أبو عمر في جامع بيان العلم ، والله أعلم .
وأمّا تيمم الجنب ففيه أحاديث منها : حديث عمران بن حصين : رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا معتزلا لم يصل مع القوم ، قال : ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟ قال : أصابتني جنابة ولا ماء ؟ قال : عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك . خرجاه في كتابيهما . وحديث أبي ذر : كانت تصيبني الجنابة - يعني : وهو بالبربذة - فأمكث الخمس والست ، فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : أبو ذر ؟ ، فسكت ، فقال : ثكلتك أمك أبا ذر ، فدعا لي بجارية سوداء ، وفيه : الصعيد الطيب وضوء المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين .
خرجه أبو عيسى ، وقال : حسن صحيح ، وخرجه البستي في صحيحه من حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان ، سمعت أبا ذر به ، ثم قال : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أنّ هذا الخبر تفرد به خالد ، فذكر حديث الثوري عن أيوب وخالد به ، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه قال : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه ؛ إذ لم نجد لعمرو راويا غير أبي قلابة ، وهذا مما شرطت فيه ، وثبت أنهما قد أخرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين ، ولما ذكره الجوزقاني قال : هذا حديث صحيح ، ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال : الذي تفرد به من هذا الحديث : أنه رخص أن يصيب أهله ، ورواه حماد بن زيد فلم يذكر أبوالها ، ولما ذكره الإشبيلي أتبعه قول الترمذي فيه : حسن ، وتتبع ذلك عليه أبو الحسن بقوله : فهو عنده غير صحيح ، ولم يبين لم لا يصح ؛ وذلك لأنه لا يعرف لابن بجدان هذا حال ، وإنما روى عنه أبو قلابة ، واختلف عنه فخالد الحذاء يقول : عن عمرو بن بجدان ، ولا يختلف عن خالد في ذلك ، فأما أيوب ؛ فإنّه رواه عن أبي قلابة ، فاختلف عليه ، فمنهم من يقول فيه : عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر . ومنهم من يقول : عن رجل فقط . ومنهم من يقول : عن رجاء بن عامر .
ومنهم من يقول: عن عمرو بن بجدان ، كقول خالد . ومنهم من يقول : عن أبي المهلب . ومنهم من لا يجعل بينهما أحدا ، فيجعله عن أبي قلابة عن أبي ذر .
ومنهم من يقول : عن أبي قلابة أنّ رجلا من بني قشير قال : يا نبي الله ، وهو حديث ضعيف ، لا شك فيه ؛ لأنّه لابد فيه من عمرو بن بجدان ، ولهذا المعنى إسناد صحيح من رواية أبي هريرة ، قال صلى الله عليه وسلم : الصعيد وضوء المؤمن ، وإن لم يجد الماء عشر سنين . رواه البزار عن مقدم بن محمد ، ثنا عمي القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم ، ثنا هشام بن حسان عن ابن سيرين عنه ، انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : تقريره قول أبي محمد عن الترمذي : حسن ، والذي رأيت في عدّة من نسخه : حسن صحيح ، كما قدمته أولا ، وكذا ذكره ابن عساكر في الأطراف ، والشيخان ضياء الديّن المقدسي في أحكامه والمنذري في مختصره .
الثاني : الثالث : ما ذكره من الاختلاف في اسمه ، ونسبه كلّه يرجع إلى شيء واحد - والله أعلم - ، وفيه أيضا خلاف لم يذكره ، وهو عمرو بن محجن - أو محجن - وقيل : عن محجن أو أبي محجن ، فيما ذكره الخطيب في كتاب الفصل للوصل . وأما من قال : عن أبي المهلب ، فجوابه لو كان صحيحا لكان الآتي به هو مُوسى بن خلف أبو خلف العمي القائل فيه أبو حاتم : كثرت روايته للمناكير ، فاستحق الترك ، ولما روى أبو القاسم حديث مقدم في الأوسط ، قال : لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا هشام ، ولا عن هشام إلا القاسم بن يحيى - تفرد به مقدم - وحديث حكيم بن معاوية عن عمه ، أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إنّي أعزب عن الماء ، ومعي أهلي ، أفأصيب منهم ؟ قال : نعم ، قال : إني أغيب شهرا ؟ قال : وإن مكثت ثلاث سنين . ذكره البرقي في تاريخه من جهة بقية ، ثنا سعيد بن بشير ، ثنا قتادة عن معاوية بن حكيم أو حكيم بن معاوية عن عمه .
ورواه الوليد عن سعيد ، فقال : عن معاوية بن حكيم ، ولم يشكّ ، وعمه عبد الله بن سعد ، ولما ذكره البيهقي في السنن الكبير من حديث معاوية بن حكيم ، قال : يقال : عمه حكيم بن معاوية النميري . وحديث زيد بن أبي أنيسة : أنّ رجلا أجنب فغسل فمات ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لو يمموه ، قتلهم الله ! . قال النعمان : فحدثت به الزهري ، فرأيته بعد يرويه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقلت : من حدثك ؟ فقال : أنت حدثتني ، عمن حدثك ؟ قلت : عن رجل من أهل الكوفة ، قال : أفسدته ، في حديث الكوفة دغل كثير ، ذكره البخاري في الأوسط .
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، الرجل يغيب لا يقدر على الماء ، أيجامع أهله ؟ قال : نعم . رواه الإمام أحمد من حديث ابن أرطاة ، وفي السنن لأبي داود من حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت أن أغتسل فأهلك فتيممت ، ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ، وقلت : إنِّي سمعت الله تعالى يقول : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا قال : فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يقل شيئا . رواه عن ابن مثنى ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنيس عن عبد الرحمن بن جبير ، ثم قال : ابن جبير هذا مصري مولى خارجة بن حذافة ، وليس هو ابن جبير بن نفير .
ثنا محمد بن سلمة ، ثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد عن عمران عن ابن جبير عن أبي قيس مولى عمر : أن عمرا كان على سرية ، وذكر الحديث نحوه ، قال : فغسل مغابنه ، وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم ، فذكر نحوه ، ولم يذكر التيمم . قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية ، قال فيه : فتيمم ، وبنحوه ذكره في كتاب التفرد . ولما ذكره أبو عبد الله من حديث أبي قيس ، بلفظ : إنّ عمرا كان على سرية ، وإنهم أصابهم برد شديد لم ير مثله ، فخرج لصلاة الصبح ، فقال : والله لقد احتلمت البارحة ، ولكني والله ما رأيت بردا مثل هذا ، هل مر على وجوهكم مثله ؟ قالوا : لا ، فغسل مغابنه ، وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم ، فلما قدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل : كيف وجدتم عمرا وصحابته ؟ فأثنوا عليه خيرا ، وقالوا : يا رسول الله ، صلى بنا وهو جنب ، فأرسل إلى عمرو ، فسأله ، فأخبره بذلك ، وبالذي لقي من البرد ، فقال : يا رسول الله ، إن الله قال : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ولو اغتسلت مت ، فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عمرو .
وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، والذي عندي أنهما عللاه بحديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب ، ثم ذكر الحديث المتقدّم ، وقال : حديث جرير لا يعلّل حديث عمرو الذي فيه ذكر أبي قيس ؛ فإن أهل مصر أعرف بحديثهم من أهل البصرة . ولما ذكره البيهقي قال : يحتمل أن يكون عمرو فعل ما قيل في الروايتين جميعا : غسل ما قدر على غسله ، وتيمم للباقي . وقال أبو طالب : سألت الإمام أحمد عن الجنب يؤم المتوضئين ؟ قال : نعم ، قد أم ابن عباس - يعني : أصحابه - وهو جنب فتيمم ، وعمرو بن العاص صلى بأصحابه وهو جنب ، فأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتبسم .
قلت : حسان بن عطية سمع من عمرو ؟ قال : لا ، ولكن يقوى بحديث ابن عباس ، وقال : نقل عنه أنه ذكر ما روي عن عمرو ، فقال : ليس بمتصل الإسناد ، قال : وذكرت له عن علي : لا يؤم المتيمم المتوضئين فلم يعرفه ، انتهى . إنّما أنكره ؛ لأنه من رواية الحارث عنه فيما ذكره البيهقي . ولما ذكره عبد الحق الإشبيلي - رحمه الله تعالى - في الأحكام الكبير ، قال : هذا الإسناد أعلى من الأول ، عمرو بن الحارث لا يقاس بيحيى بن أيوب ، وعبد الرحمن بن جبير المصري أدرك عمرو بن العاص ، وعمران بن أبي أنس ثقة مشهور .
وأمّا قول أبي الحسن بن القطان : وزاد - يعني : الإشبيلي - فيه لفظا آخر من رواية عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبي قيس مولى عمرو عن عمرو ، ثم قال : هذا أوصل من الأوّل . كأنه يفهم أنّ الأول أيضا موصول ، وليس كذلك ؛ بل معنى قوله : أوصل : أنّ هذا متصل دون الأوّل ، فإنه منقطع ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث إن عبد الحق لم يقل : جبير بن نفير كما قاله عنه ، ونص ما عنده : هذا أوصل من الأول ؛ لأنه عبد الرحمن بن جبير المصري عن أبي قيس وأبي يسوغ لأبي محمد هذا القول ، ومن عند أبي داود نقل الحديث ، وأبو داود قد نص على أنه ليس بابن جبير بن نفير ، ولكن قوله هذا يتجه على ما ذكره في الكبرى من أنه أدرك عمرا ، فصار بهذا موصولا أيضا ، فينازع في الاتصال ، وأصله في تعليق البخاري ، بلفظ : أنه أجنب في ليلة باردة فتيمم ، وتلا قوله تعالى : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ، فذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يعنّفه .
ووقع في أنساب بني سهم : أصابني جنابة وأنا مريض شديد المرض ، فتخوفت إن اغتسلت أن أقتل نفسي ، الحديث . وحديث أبي هريرة المتقدم ، وقد تقدّم . وحديث طارق بن شهاب قال : جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : يا رسول الله ، إني أجنبت فلم أصل ، قال : أحسنت ، وجاءه آخر ، فقال : إني أجنبت فتيممت وصليت ، قال : أصبت .
ذكره أبو محمد الأموي ، وصححه بعد شهادته لطارق بصحبة صحيحة ، وفي سنن البيهقي : وأمّا فعل ابن عمر قال البيهقي : محمول على الاستحباب ، وحديث جابر مرفوعا : لا يؤم المتيمم المتوضئين : إسناده ضعيف فيما قاله الدارقطني . وحديث الزهري عن سعيد عن عمر بن الخطاب قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يؤم المتيمم المتوضئين . ذكره ابن شاهين ، وذكر بعده حديث عمرو بن العاص ، ثم قال : يحتمل أن يكون هذا الحديث ناسخا للأول ، وهذا الحديث أجود إسنادا من حديث الزهري ، فإن صحّ فيحتمل أن يكون النهي في ذلك لضرورة وقعت مع وجود الماء ، فإن قال قائل : فيجوز أن يكون هذا رخصة لعمرو ؛ إذ لم ينهه ولم يأمره بالإعادة ، قيل : لو كان رخصة له دون غيره لم يقل له : أحسنت ، وضحك في وجهه ، ولقال له كما قال لأبي بردة بن نيار وغيره ، والله أعلم .
وأمّا إذا تيمم الرجل وصلّى ، ثم وجد الماء ، ففيه حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد ، قال : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس معهما ماء ، فتيمما صعيدا طيبا فصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، وأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ، ولم يعد الآخر ، ثم أتيا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكرا ذلك له ، فقال للذي لم يعد : أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك ، وقال للذي توضأ وأعاد : لك الأجر مرتين . ذكره أبو عبد الله في مستدركه من حديث ابن نافع عن الليث عن بكر عنه ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، قال ابن نافع : ثقة . وقد وصل هذا الإسناد عن الليث ، وقد أرسله غيره ، أنبأناه أبو بكر بن إسحاق ، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ، ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث بن سعد ، عن عميرة بن أبي ناجية ، عن بكر بن سوادة ، عن عطاء بن يسار ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنحوه ، انتهى كلامه .
وفيه نظر ؛ لما ذكره أبو داود من أنّ ذكر أبي سعيد في هذا الحديث وهم ، وليس محفوظ ، وهو مرسل ، ثنا القعنبي ، ثنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد عن عطاء بن يسار أنّ رجلين من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمعناه ، وقال الطبراني في الأوسط : ورواه من حديث الليث عن بكر بن سوادة عن عطاء عن أبي سعيد ، قال : لم يروه عن الليث متصلا إلا عبد الله بن نافع ، تفرد به المسيبي . وقال الدارقطني : تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلا ، وخالفه ابن المبارك وغيره ، فلم يذكروا أبا سعيد . وعاب أبو الحسن على الإشبيلي كونه رماه بالإرسال ، وأغفل كونه منقطعا فيما بين الليث وبكر ، قال : قلت : هو قد منع به مرسلا ، والمرسل متصل إلى عطاء بزيادة عميرة ، فلعله الذي أورد ، وإيّاه قصد ، فالجواب أن نقول : هو إذن قد ترك أن يبيّن أنه مرسل في إسناده رجل مجهول ، وذلك أنّ عميرة بن أبي ناجية مجهول الحال ، فإذ لم يبيِّن ذلك فقد أوهم أنه لا عيب له إلا الإرسال ، والأظهر أنه لم يرد شيئا من ذلك ، ولا اعتقد فيه إلا أنه إذا سقط منه ذكر أبي سعيد - يعني : من رواية الليث - عن بكر عن عطاء مرسلا ، على نحو ما رواه ابن المبارك عن الليث ، ذكر روايته الدارقطني ، فقال : ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا عبد الرزاق عن ابن المبارك عن ليث عن بكر عن عطاء : أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما نحوه ، وإذا كان هذا هو الذي اعتقد ، فلم يعتمد إلا منقطعا فيما بين ليث وبكر ، ولكنه لم يبيّنه ، ولا أيضا تبين له على نحو ينفعه ؛ فإنّ المنقطع الذي اعتمد إنما وصّله أبو داود عن رجل مجهول وهو عميرة ، وأقول بعد هذا : إنّه قد جاء من رواية أبي الوليد الطيالسي ، ثنا الليث عن عمرو بن الحارث وعميرة عن بكر عن عطاء عن أبي سعيد ، ذكره أبو علي بن السكن ، فقال : ثنا أبو بكر الواسطي ، ثنا عباس بن محمد ، ثنا أبو الوليد فذكره .
وأمّا الانقطاع الذي زاده ابن لهيعة فيما بين بكر وعطاء فلا يلتفت إليه ؛ لضعف ابن لهيعة ، انتهى كلامه . وفيه نظر ؛ من حيث عصبه الجناية برأس عميرة ، وأظنّه أبا عذرة هذا القول ، وليس كما زعم ، فإنه ممن قال فيه الحافظ أبو سعيد بن يونس : هو مولى حجر من بني رعين ، ثم لبني بدر يكنى أبا يحيى ، وكان ناسكا متعبدا ، يقال : إن أباه أبا ناجية كان روميا ، يدعى حريثا ، روى عنه عبد الرحمن بن شريح ، وحيوة بن شريح ، والليث ، وبكر بن مضر ، ويحيى بن أيوب ، ورشدين بن سعد ، وعبد الله بن وهب ، قال ابن وزير : توفي سنة ثلاثٍ وخمسين ومائة ببحر منصرفا من الحج ، وكانت له عبادة وفضل ، وقال أحمد بن وزير : سمعت ابن وهب يقول : كان عميرة من العباد ، وكان بمنزلة النائحة إذا قرأ يبكي ، وإذا سجد يبكي ، وإذا سكت عن القراءة وفرغ من الصلاة جلس يبكي ، وكان يزيد بن حاتم الأمير يسأل عنه ، فيقول : ما فعلت الثكلى ؟ وقال أبو نصر بن ماكولا : روى عن يزيد بن أبي حبيب ، وأبي الأسود ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وقال النسائي : وابن بكير كان ثقة . وقال المحالي عن أحمد بن محمد بن رشدين : سمعت أحمد بن صالح ، وسئل عن عميرة وأبي شريح ، فقال : هما متقاربان في الفضل .
وذكره البستي في كتاب الثقات ، وقال : توفي سنة إحدى وخمسين ، وكذلك ذكره ابن نافع . وأمّا التيمم لردّ السلام ، ففيه : حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة ، قال : أقبل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نحو بئر جمل ، فلقيه رجل فسلّم عليه ، فلم يرد عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أقبل على الجدار ، فمسح وجهه ويديه ، ثم ردّ عليه السلام . أنبأنا به المسند المعمر أبو الحسن بن الصلاح - رحمه الله - ، أنبأنا العلامة أبو علي الحسن بن محمد بن محمد البكري ، وأبو عبد الله المرسي ، قالا : أنبأنا المؤيد الطوسي ، أنبأنا الفراوي ، أنبأنا الفارسي ، أنبأنا أبو أحمد بن عمرويه ، ثنا أبو إسحاق بن سفيان ، سمعت أبا الحسين القشيري ، قال : وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس ، أنه سمعه يقول : أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حتى دخلنا على أبي الجهيم ، فقال .. .
الحديث . كذا ذكره مسلم بن الحجاج في صحيحه مقطوعا ، وفيه مع ذلك وهم : وهو قوله : عبد الرحمن بن يسار ، وقد ذكره أبو عبد الله في صحيحه متصلا سالما من هذا الوهم ، أنبأنا بذلك مسند وقته الشيخ أبو العباس الصالحي - رحمه الله - أنبأنا ابن الزبيدي ، أنبأنا أبو الوقت ، أنبأنا الداودي ، أنبأنا السرخسي ، أنبأنا الفربري ، أنبأنا محمد بن إسماعيل - رحمه الله - ، ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج ، قال : سمعت عميرا مولى ابن عباس قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبي جهيم ، فذكره ورواه أبو داود وأبو عبد الرحمن من رواية شعيب بن الليث عن أبيه ، فثبت اتصاله وصح الاحتجاج به ، ووقع في هذا الحديث زيادة حسنة ، أنبأنا بها المسند المعمر علي بن موسى الحجازي ، أنبأنا شيخ الإسلام شمس الدين الخرقي ، قراءة عليه في شهور سنة تسع وستين وستمائة ، أنبأنا الفقيه رشيد الدين زاهد بن محمد المروروذي ، أنبأنا شيخ الإسلام أبو محمد النيهي ، أنبأنا الحافظ أبو محمد الحسين بن مسعود ، أنبأنا عبد الوهاب بن محمد الكناني ، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، قال البغوي : وأنبأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنبأنا أبو بكر الحيري ، ثنا الأصم ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشّافعي ، أنبأنا إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن الصمة ، قال : مررت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يبول ، فسلمت عليه ، فلم يردّ علي حتى قام إلى جدار ، فحته بعصا كانت معه ، ثم وضع يده على الجدار ، فمسح وجهه وذارعيه ، ثم ردّ علي . قال : هذا حديث حسن ، وفيه فوائد منها : وجوب مسح اليدين إلى المرفقين ، ومنها : أنّ التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب ؛ لأنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حت الجدار بالعصا ، ولو كان مجرد الضرب كافيا لكان لا يحته .
وحديث أبي هريرة تقدّم ذكره من عند ابن ماجه ، وحديث عبد الله بن عمر تقدم أيضا . وحديث عبد الله بن حنظلة بن الراهب : أن رجلا سلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد بال ، فلم يرد عليه ، حتى قال بيده إلى الحائط - يعني : أنه تيمم - . رواه أحمد في مسنده ، وفي طريقه رجل لم يسم .
وحديث سليمان بن يسار أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذهب إلى بئر جمل لحاجته ، ثم أقبل ، فسلم عليه رجل ، فلم يرد عليه حتى مسح يديه بجدار ، ثم رد عليه السلام . ذكره أبو بكر في كتاب المعرفة . وأما التيمم بالسباخ ففيه : حديث عائشة : قال صلى الله عليه وسلم : قد أريت هجرتكم ، أريت سبخة ذات نخل ، الحديث ، خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، وقال فيه : إن التيمم بالسباخ جائز ، وأما التيمم للجنازة ففيه حديث رواه ابن عدي من جهة مغيرة بن زياد عن عطاء عن ابن عباس : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذا فجأتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم .
قال ابن عدي : هذا غير محفوظ ، وإنما هو موقوف عن ابن عباس . وفي كتاب العلل لعبد الله بن أحمد : وروى الليث عن نافع عن ابن عمر ، أنه قال : لا يصلي على الجنازة إلا وهو طاهر . قال البيهقي : وكذلك رواه مالك عن نافع .
والذي روي عنه في التيمم لصلاة الجنازة يحتمل أن يكون في السفر عند عدم الماء ، وفي إِسناد حديث ابن عمر في التيمم ضعف ، وأما التيمم لكل فريضة فقد صح عن ابن عمر ، وروي عن علي وعمرو بن العاص وابن عباس فيما قاله البيهقي ، واستدل على حد طلب الماء بحديث ابن عمر : أنه تيمم بمربد النعم وصلى ، وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال ، وبحديثه أيضا : أنه كان يكون في السفر ، فتحضره الصلاة ، والماء منه على غلوة أو غلوتين ، ونحو ذلك ، ثم لا يعدل إليه ، وسئل ابن المسيب عن راع في غنمه أو راع تصيبه الجنابة ، وبينه وبين الماء ميلان أو ثلاثة ، قال : يتيمم صعيدا طيبا . وعن علي : اطلب الماء حتى يكون آخر الوقت ، فإذا لم تجد ماء تيمم ، ثم صل . قال أبو بكر : وهذا لم يصح عن علي ، وبالثابت عن ابن عمر نقول ، ومعه طاهر القرآن ، والله تعالى أعلم .