باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدّت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم
حدثنا علي بن محمد ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير ، عن عائشة قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله إني امرأة أستحاض ، فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قال : إنّما ذلك عرق ، وليس بالحيضة ، فاجتنبي الصلاة أيام محيضك ، ثم اغتسلي ، وتوضئي لكل صلاة ، وإن قطر الدّم على الحصير . 23 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وإسماعيل بن موسى ، ثنا شريك ، عن أبي اليقظان ، عن عديّ بن ثابت ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ، ثم تغتسل ، وتتوضأ لكل صلاة ، وتصوم ، وتصلي . هذان الحديثان لماّ خرجهما أبو داود قال : وحديث عدي ، والأعمش ، عن حبيب ، وأيوب أبي العلاء يعني : عن ابن شبرمة ، عن امرأة مسروق ، عن عائشة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمثل حديث حبيب كلها ضعيفة لا تصحّ ، ودلّ على ضعف حديث الأعمش ، عن حبيب ؛ أنّ هذا الحديث أوقفه حفص بن غياث ، وأنكر حفص بن غياث حديث مرفوعا ، وأوقفه أيضا أسباط ، عن الأعمش موقوفا على عائشة ، ورواه أبو داود ، عن الأعمش مرفوعا أوّله ، وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كلّ صلاة ، ودلّ على ضعف حديث حبيب هذا أنّ رواية الزهري عن عروة ، عن عائشة قالت : فكانت تغتسل لكل صلاة في حديث المستحاضة ، وروى أبو اليقظان ، عن عدي ، عن أبيه ، عن علي ، وفي كتاب ابن العبد : ورواه أبو اليقظان عن أبيه وهو ضعيف جدا ، وعمار مولى بني هاشم ، عن ابن عباس ، وروى عبد الملك بن ميسرة ، وبيان ، ومغيرة ، وفراس ، ومجالد عن الشعبي حديث قمير ، عن عائشة : توضأ لكل صلاة .
ورواه داود ، وعاصم عن الشعبي ، عن قمير ، عن عائشة : تغتسل كل يوم . وروى هشام بن عروة ، عن أبيه : المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وهذه الأحاديث كلها ضعيفة ، زاد ابن العبد أحاديث الوضوء إلا حديث قمير ، وحديث عمار مولى بني هاشم ، وحديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، والمعروف عن ابن عباس : الغسل ، وفي موضع آخر : قال يحيى بن سعيد لرجل : احك عني أنّ هذا الحديث لا شيء ، يعني حديث حبيب ، عن عروة ، ولما خرج أبو عيسى حديث عدي ، قال : هذا حديث تفرد به شريك ، عن أبي اليقظان ، وسألت محمدا عن هذا الحديث ؟ فقلت : جدّ عدي ما اسمه ، فلم يعرف محمد اسمه ، وذكرت له قول يحيى بن معين أنّ اسمه دينار ، فلم يعبأ به ، وقال في التاريخ الأوسط : حديث عدي ، عن أبيه ، عن جدّه ، وعن أبيه ، عن علي في المستحاضة لا يصح ، وقال أبو زرعة النصري في تاريخ دمشق : عمرو بن أخطب هو جدّ عدي بن ثابت ، ومحمد بن ثابت ، وقال في العلل : سألت محمدا عنه ؟ فقال : لا أعرفه إلا من هذا الوجه ، وقلت : قال ابن معين : هو عدي بن ثابت بن دينار ، فلم يعرفه ، ولم يعدّه شيئا . وفي كتاب الاستيعاب : دينار الأنصاري انفرد بالرواية عنه ثابت وهو جدّ عدي بن ثابت ، حديثه في المستحاضة يضعفونه .
وفي كتاب الطوسي : جدّ عدي مجهول لا يعرف ، ويقال اسمه دينار ، ولم يصح ، وقال الحافظ ضياء الدين : وقد ضعف غير واحد هذا الإسناد لأجل أبي اليقظان ، وفي كتاب الطهارة لابن أبي داود : حديث عدي بن ثابت معلول ، وفي أفراد الدارقطني : تفرد به شريك عنه ، وفي إيضاح الأشكال لأبي الفضل المقدسي ، أنبأ أبو سعد ، أنبأ البرقاني ، قال : قلت لأبي الحسن : شريك ، عن أبي اليقظان ، عن عدي بن ثابت ، عن أبيه ، عن جدّه كيف هذا الإسناد ؟ قال : ضعيف . قلت : من جهة من ؟ قال : أبو اليقظان ضعيف ، قلت : فيترك ؟ قال : لا يخرج رواه الناس قديما ، قلت له : عدي بن ثابت ، ثابت ابن من ؟ قال : قد قيل : ابن دينار . وقيل : إنه يعني جدّه أبا أمّه عبد الله بن يزيد الخطمي ، ولا يصح من هذا كلّه شيء ، قلت : فيصح أنّ جدّه أبا أمّه هو عبد الله بن يزيد الخطمي ؟ قال : كذا زعم ابن معين .
انتهى كلامه . ويفهم منه تفرد ابن معين بما ذكره ، وليس كذلك لمتابعته على قوله ، فمن ذلك أنّ ابن حبان لما ذكره قال عدي بن ثابت الأنصاري : يروي عن البراء ، وأبي أمه عبد الله بن يزيد ، وقال ابن أبي حاتم : عدي بن ثابت الأنصاري وجده أبو أمّه عبد الله بن يزيد ، ومعهما على ذلك غير واحد . منهم الباجي ، والكلاباذي ، وأما قول ابن الجنيد فيما ذكره أبو موسى المديني في كتاب الصحابة من تأليفه عندما ترجم لابن ثابت ، وقال : هو عدي بن ثابت بن عازب ابن أخي البراء بن عازب ، فلم يصنع شيئا ؛ لأنه لم يجد له متابعا ، ولأنّ جماعة كثيرة في بني ظفر من ولد قيس بن الخطيم الشّاعر كذا ذكره الكلبي ، وأبو عبيد بن سلام ، وابن حزم ، وأبو عمر والمبرد ، وغيرهم .
وزعم أبو نعيم الحافظ : أن اسم جده قيس الخطمي ، وهو على مخالفة الجم الغفير ، أقرب إلى الصواب ، وأما ذكره الحافظ المنذري من أنّه لا يعلم جدّه قال : وكلام الأئمة يدل على ذلك فغير صواب . وأمّا ما قاله الحافظ الدمياطي أنّ صوابه عدي بن أبان بن ثابت فلعمري يحتمل أن يكون جيدا لولا قول ابن سعد في كتاب الطبقات ، وولد ثابت بن قيس بن الخطيم أبانا ، وأمه أم ولد ، وعمرا ، ومحمدا ، ويزيد قتلوا يوم الحرة جميعا ، وليس لهم عقب ، فهذا كما ترى ابن سعد جزم بأن أبانا لا عقب له ، وبمثله ذكره ابن الكلبي في جمهرة الجمهرة ، ثم ذكر ابن سعد عديًّا في طبقات الكوفيين ، وسمى أباه ثابتا كالجماعة . وخرج ابن ماجه حديثا في كتابه الصلاة ، عن عدي بن ثابت ، عن أبيه ، عن جدّه ، وقال : أرجو أن يكون متصلا ، وبهذا قال الحربي في كتاب العلل ليس لجد عدي بن ثابت صحبة ، وقال البرقي في تاريخه : لم نجد من يعرف جدّه معرفة صحيحه ، ذكر بعضهم أنّه عدي بن ثابت بن قيس بن الخطمي ، وقيس لا يعرف له إسلام ، وقيل : إنّ جدّه لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي ، كذا جاء في الحديث ، ولا ينبغي أن ينسب إلى جدّه لأمّه ، فينبغي أن يوقف وينسب ويترك الحديث على ما روي ، والله تعالى أعلم .
ولا معدل عن هذه الأقوال إلا بقول مبين لا يتطرّق إليه الاحتمال ، ويشبه أن يكون الموضح له روايته عن أبيه ، عن جدّه ، وجدّه على هذا يكون قيسا الشاعر ، ولم يسلم وهو أيضا عدي ، لكن يعارضه قول ابن سعد المذكور ، وأبي عمر : لا أعلم لثابت هذا رواية ، ويؤيّده عدم وجداني أبانا في كتاب من الكتب مذكورا ، والذي يتجه من هذه الأقوال على ما فيه قول أبي نعيم ، أو قول ابن معين كلاهما ، ولأن قيسا الخطمي معروف في الصحابة ويعرف بجد عدي ، وكذلك دينار فيما ذكره أبو عمر ، وابن قانع ، وابن أبي حاتم الرازي . وفي كتاب الحيض لأحمد : أنبأ شريك ، عن أبي اليقظان ، عن عدي ، عن أبيه ، عن علي مثله . وكذا هو في كتاب المصنف ، وفي سؤالات مهنأ : سألت أبا عبد الله عن حديث الأعمش ، عن حبيب ، عن عروة في المستحاضة ، فقال : ليس بصحيح ، قال قلت : من قبل من الخطأ ؟ قال : من قبل الأعمش ؛ لأن حبيبا لم يحدّث عن عروة بن الزبير بشيء .
قال : قلت لأحمد : قال يحيى بن سعيد هو شبه لا شيء ، قال : نعم هو كذلك ، وقال الدوري : سمعت يحيى قال أبو بكر بن عياش : ما بالكوفة إلا ثلاثة أنفس : حبيب ، وحماد بن أبي سليمان قلت ليحيى : حبيب ؟ قال : نعم . إنّما روى حديثين أظن يحيى يريد منكرين يعني المستحاضة والقبلة ، وفي كتاب السنن الكبير للبيهقي ، وأما رواية حبيب في شأن فاطمة ، فإنها ضعيفة ، وقال في المعرفة : وهذا حديث ضعيف ضعّفه يحيى بن سعيد القطّان ، وابن المديني ، وابن معين ، وسفيان الثوري ، وحبيب لم يسمع من عروة بن الزبير شيئا ، وقد تقدم في باب القبلة من أمر هذا الحديث شيء كثير ، وأنّ أبا داود أثبت لحبيب سماعا من عروة بن الزبير ، ويزيد ذلك وضوحا أن البزار ذكر هذا والقبلة في باب عروة بن الزبير عن عائشة ، وكذا نسبه وكيع عند ابن ماجه ، عن الأعمش ، وإن ثبت هذا فيكون إسناده صحيحا على شرط الشيخين ، وأصله في الصحيحين بلفظ : إن فاطمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : إني أستحاض ، فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ قال : لا إنّ ذلك عرق ، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي . وفي لفظ : إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي .
وذكر الدارقطني أنّ محمد بن عمرو بن علقمة رواه عن الزهري ، فأتى به بلفظ أغرب فيه ، وهو قوله : إن دم الحيض دم أسود يعرف . وفي كتاب المسائل لعبد الله قال : سمعت أبي يقول : كان ابن أبي عدي ثنا بهذا عن عائشة ، ثم تركه بعد ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وقال أبو حاتم : لم يتابع ابن عمرو على هذه الرواية . وقال ابن القطان : وهذا فيما أرى منقطع ، وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد بن عمرو ، عن الزهري ، عن عروة عن فاطمة أنها كانت تستحاض .
فهو على هذا منقطع ؛ لأنّه قد حدّث مرة أخرى من حفظه ، فزادهم فيه ، عن عائشة فيما بين عروة وفاطمة فاتصل ، فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة ، أعني أن يحدّث به من حفظه مرسلا ومن كتابه متصلا ، فأمّا هكذا فهو موضع نظر ، وأبو محمد إنّما ساق الرواية المنقطعة ؛ فإنه ساقه عن فاطمة فالمتصلة إنما هو عن عائشة أنّ فاطمة ، وإذا نظر في هذا في كتاب أبي داود تبيّن منه أنّ عروة إنّما أخذ ذلك عن عائشة لا من فاطمة هذا ، ولو قدرنا أنّ عروة سمع من فاطمة ، وقد يظن به السماع منها لحديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكر بن عبد الله عن المنذر ، عن عروة أنّ فاطمة حدّثته أنها سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشكت إليه الدم ، فقال لها : إنما ذلك عرق . الحديث . وهذا لا يصح منه سماعه منها ؛ للجهل بحال المنذر ، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه ، فقال : مجهول ليس بالمشهور ، ذكره هكذا أبو داود وهو عند غيره معنعن لم يقل فيه إنّ فاطمة حدّثته ، وكذلك حديث سهل بن أبي صالح ، عن الزهري ، عن عروة قال : حدثتني فاطمة أنها أمرت أسماء ، أو أسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة .
الحديث . فإنه مشكوك في سماعه إياه من فاطمة ، أو من أسماء ، وفي متن الحديث ما أنكر على سهل وعد مما ساء فيه حفظه وظهر أثر تغيره عليه ، وكان قد تغيّر وذلك أنه أحال على الأيام ، وذلك أنّه قال : فأمرها أن تقعد التي كانت تقعد ، والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم والقرء ، وعن عروة فيه رواية أخرى لم يشك فيها بأن التي حدّثته هي أسماء رواها عليّ بن عاصم ، عن سهيل عند الدارقطني فترى قصتها إنّما يرويها عروة إما عن عائشة وإمّا عن أسماء ، وقد قلنا : إنه ولو صح أنّ عروة [سمع من فاطمة لم ينفع ذلك في الحديث الأول لإدخال عروة] بينها وبينه فيه عائشة ، وزعم ابن حزم أنّ عروة أدرك فاطمة ، ولم يستبعد أن يسمعه من خالته ومن ابنة عمه ، وهذا عندي غير صحيح ، ويجب أن يزاد في البحث عنه ، وفاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد ، ، وعروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ، فهي في قعدد الزبير . انتهى كلامه .
وفيه نظر من حيث عصبه الجناية برأس سهيل في الإحالة على الأيّام ، وليس هو بمنفرد بذلك ، لما في صحيح البخاري : ثنا أحمد بن أبي رجاء ، ثنا أبو أسامة سمعت هشام بن عروة أخبرني أبي عن عائشة أنّ فاطمة سألت ، وفيه : فدعي الصلاة قدر الأيّام التي كنت تحيضين فيها . الحديث . فهذا كما ترى الإحالة على الأيام من غير روايته ، فلا تَدَخُّلٌ لسهيل في هذا السند ، وأما مشاححته ابن حزم ، فليست جيدة؛ لأنه لم يرد الحقيقة ليحررها والمجاز لا مشاحة فيه ، والله تعالى أعلم .
وفي رواية عند أبي داود ، عن أسماء قالت : قلت يا رسول الله : إنّ فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت . الحديث . قال أبو داود : ورواه مجاهد ، عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين .
وفي سؤالات أبي طالب قال أحمد : وقيل له في حديث عائشة قال عليه السلام لفاطمة : دعي الصلاة أيّام أقرائك ، فقال : هذا خطأ ، كل من روى أيام أقرائك ، فقد أخطأ ، عائشة لم ترو عن النبي عليه السلام أقراءك ، وتعني بأن الأقراء : الأطهار ، وإنمَا روى علقمة على ما سمع من عمر وأهل الكوفة لا يعرفون إلا قول عبد الله فجعلوه الأقراء ، والأعمش كان يضبط هذا كانّ الحيض عندهم الأقراء فرووه . ، وأما أهل المدينة ، فلا يقولون الأقراء إّنما يقولون أيام حيضك، وما كانت تحبسك حيضتك ؟ . وأمّا ما زعمه ابن عساكر ومن بعده كالمنذري والقشيري وغيرهما : من أنّ ابن ماجه خرج حديث عائشة هو والجماعة من حديث هشام ، عن أبيه عنها في الطهارة ، ففيه نظر؛ لأنّ ابن ماجه لم يخرج فيه إلا حديث حبيب ، عن عروة المذكور قبل ، وقال ابن عبد البر : هذا الحديث أصح حديث روي في هذا الباب ، وقاله أيضا أبو محمد الإشبيلي ، وقال ابن منده في صحيحه بعد إخراجه من حديث مالك ، عن هشام : هذا إسناد مجمع على صحته ، قال : وهو حديث مشهور عن هشام صحيح رواه أيوب، والثوري، وشعبة، وزائدة ، وابن نمير ، وسعدان بن يحيى، وكلها مقبولة على رسم الجماعة ، وقال أبو معاوية وحماد في حديثهما : قال عروة : تغتسل الغسل الأول ، ثم تتوضأ لكل صلاة .
ولفظ أبي عوانة : فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم . وفي لفظ لابن منده : اغتسلي وصلي . وعند الترمذي قال أبو معاوية في حديثه ، فقال : توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت .
وقال فيه : حسن صحيح ، وعند الدارقطني : فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، ثم اغتسلي . زاد أبو معاوية قال هشام : قال أبي : ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت . وفي لفظ لأبي عبد الرحمن : فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي ، فإنما ذلك عرق ، وليست بالحيضة .
قيل له : فالغسل ؟ قال : ذلك لا يشك فيه ، وفي لفظ للبيهقي : فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي . وضعف هذه اللفظة لمخالفة سائر الرواة عن هشام قال : ولم يذكر أحد عن هشام وتوضئي إلا حماد بن زيد ، وفي موضع آخر : ليست بمحفوظة ، وفيه نظر لما ذكره ابن حبان في صحيحه من حديث أبي حمزة عن هشام به ، ثم قال : ذكر خبر المدحض قول من زعم أن هذه اللفظة تفرد بها أبو حمزة ، فذكر حديث أبي عوانة عنه بها ، ورواه من حديث أبي حمزة السكري ، عن هشام ، عن أبيه مرسلا بلفظ فاغتسلي عند طهرك وتوضئي عند كل صلاة . وروى الحسن بن زياد هذه اللفظة ، عن أبي حنيفة ، عن هشام مرفوعا .
قال البيهقي : واللالكائي فيما حكاه عنه ابن الجوزي في التحقيق ، والصحيح أن هذه الكلمة من قول عروة مستدلين بقول هشام قال أبي ، ثم تتوضأ ، وليس ذلك بينّ في الإدراج لما أسلفنا قبل من حديث النسائي وغيره ، ولما يأتي بعد من عند الدارمي أيضا ، وعروة لا يمكن أن يقول هذا من نفسه ، إذ لو قاله هو لكان لفظه : ثم تتوضأ لكل صلاة ، ولم يقل : توضئي مشاكلا لما قبله ، من لفظ الأمر ، والله تعالى أعلم . ويفهم من قول البيهقي وروى اللؤلؤي تفرده بذلك ، وليس الأمر على ما يوهمه كلامه ، فقد تابعه عن أبي حنيفة المقرئ ، وأبو نعيم فيما ذكره الطحاوي بلفظ : فاغتسلي لطهرك ، ثم توضئي عند كل صلاة . وذكر ابن الهذيل فيما ذكره الحافظ أبو الشيخ في فوائد الأصبهانيين ، عن سالم بن عصام ، عن عمه عن محمد بن المغيرة ، عن الحكم عن أيوب عنه ، وتابع أبا حنيفة عليها أيضا يحيى بن هاشم ، رواه الحارث بن أبي أسامة عنه ، ثنا هشام ، وقال أبو عمر في التمهيد : ورواية أبي حنيفة عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا كرواية يحيى بن هاشم سواء ، قال فيه : وتوضئي لكل صلاة ، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن هشام أيضا بإسناده مثله ، وحماد في هشام ثقة ثبت ، وفي موضع آخر : وحديث فاطمة فيه ردّ على من أوجب الوضوء على المستحاضة ، فإذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا لزمها له الوضوء ، وأما دم استحاضتها ، فلا يوجب وضوءا لأنه كدم الجرح السائل ، وكيف يجب من أجله وضوء وهو لا ينقطع ، ومن كانت هذه حاله من سلس البول والمذي لا يرتفع بوضوئه حدثا ؛ لأنه لا يتمه إلا وقد حصل ذلك الحدث في الأغلب .
انتهى كلامه . وفيه تناقض لما أسلفنا من قوله : إن الوضوء في حديث عائشة صحيح ، وهو من أطراف حديث عائشة المذكور ، فلا رد إذا على من قال به ، والله تعالى أعلم . وأمّا قول البيهقي : إنّ أبا حمزة السكري رواه عن هشام مرسلا فيشبه أن يكون وهمًّا ؛ لأن البستي ذكره في صحيحه ، فقال : ثنا محمد بن علي بن الحسن سمعت أبي ، ثنا أبو حمزة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة أنّ فاطمة بنت أبي حبيش ، فذكره ، وفيه فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة .
ثم قال : ذكر الخبر المدحض قول من زعم أنّ هذه اللفظة تفردّ بها أبو حمزة ، وأبو حنيفة ، أنبأ محمد بن أحمد بن النصر في عقب خبر أبي حمزة ، ثنا محمد بن علي بن شقيق ، سمعت أبي ، ثنا أبو عوانة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة سئل عليه الصلاة والسلام عن المستحاضة ؟ فقال : تدع الصلاة أيامها ، ثم تغتسل غسلا واحدا ، ثم تتوضأ عند كل صلاة . وفي لفظ للإسماعيلي في صحيحه فإذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة ، وإذا أدبرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صلاة . ولفظ الدارمي ، وخرجه في مسنده ، عن حجاج بن منهال ، ثنا حماد بن سلمة : فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي .
قال هشام ، وكان أبي يقول : تغتسل غسل الأوّل ، ثم ما يكون بعد ذلك ، فإنها تطهر ، وتصلي . وفي لفظ لأحمد : ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلي . وأمّا قول الشّافعي ذكر الوضوء عندنا غير محفوظ ، ولو كان محفوظا كان أحب إلينا من القياس ، ذكره البيهقي ، وقال : هو كذلك ، ففيه نظر لما أسلفناها ولما في الأوسط لأبي القاسم ، نا محمد بن المرزبان ، ثنا محمد بن حكيم الرازي ، نا هشام بن عبيد الله السني ، نا أبو معاذ خالد البلخي ، عن محمد بن عجلان ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قال عليه السلام : المستحاضة تغتسل مرة ، ثم تتوضأ ، يعني لكل صلاة ، وقال : لم يروه عن ابن عجلان إلا أبو معاذ ، تفرد به هشام .
قال أبو عمر : فيه دليل على أنّ المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمرها بغيره ، وردّ القول من رأى عليها الجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد ، والمغرب والعشاء بغسل واحد ، وتغتسل للصبح؛ لأنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمرها بشيء من ذلك في هذا الحديث ، وفيه ردّ لمن قال بالاستظهار يومين ، أو ثلاثا أو أقل ، أو أكثر . غريبه : أمّا القرء ، فذكر الأصمعي أن الحجازيين من الفقهاء ذهبوا إلى أنه الطهر ، وذهب العراقيون إلى أنه الحيض ، ولكل واحد من القولين شاهد من الحديث واللغة ، أمّا حجة الحجازيين من الحديث : فما روي عن عمر ، وعثمان ، وعائشة ، وزيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا : الأقراء الأطهار ، وأما حجتهم من اللغة فيقول ميمون : أفي كل عام أنت جاشم غزوة تُشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثه مالا ، وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا وأمّا حجة العراقيين من الحديث فقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمستحاضة : اقعدي عن الصلاة أيّام أقرائك . وأما حجتهم من اللغة فقول الراجز : يا رب ذي ضغن على فارض له قروء كقروء الحائض قال ابن السيد وحكى يعقوب بن السكيت وغيره من اللغويين أنّ العرب تقول : أقرأت المرأة إذا طهرت وأقرأت إذا حاضت ، وذلك أنّ القرء في كلام العرب معناه الوقت ، فلذلك صلح للطهر والحيض معا ، ويدل على ذلك قول مالك بن خالد الهذلي : شنئت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح وقد احتج بعض الحجازيين لقولهم بقول الله تعالى : ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فأثبت الهاء في ثلاثة ، فدل ذلك على أنّه أراد الأطهار ، ولو أراد الحيض لقال ثلاث قروء ، ولأن الحيض مؤنثة ، وهذا لا حجة فيه عند أهل النظر ، إنما الحجة لهم فيما قدمناه ، وإنما لم تكن فيه حجة؛ لأنه لا ينكر أن يكون القرء لفظا مذكرا يعنى به المؤنث ، ويكون تذكير ثلاثة حملا على اللفظ دون المعنى ، كما تقول العرب : جاءني ثلاثة أشخاص وهم يعنون نساء والعرب تحمل الكلام تارة على اللفظ ، وتارة على المعنى ، ألا ترى إلى قراءة القراء : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي بكسر الكاف وفتحها ، وفي كتاب الأضداد ليعقوب : وقال أبو عمرو الشيباني : يقال دفع فلان إلى فلان جاريته تقرئها مشدّد مهموز ، يعني أن تحيض عنده ، وتطهر للاستبراء ، وجمعه : قروء ، قال الأصمعي : ومنه يقال : أقرأت الريح : إذا جاءت لوقتها ، وأهل الحجاز يقولون : ذهبت عنك القرة مخففة بغير همز ، يريدون وقت المرض ، قال : ومن جعله الطهر احتج بقول أبي عبيدة : أقرأت النجوم بالألف معناه : غابت ، ومنه قرء المرأة فيمن زعم أنه طهرها لغيبة الدّم عند الطهر ، لأنها خرجت من الحيض إلى الطهر ، كما خرجت النجوم من الطلوع إلى المغيب ، وقالوا : ما قرأت الناقة سلا قط مقصور بغير ألف ، ومنه قول عمرو بن كلثوم التغلبي : ذراعي حرة أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا معناه : ما حملت ، ولا غيبت في بطنها ولدا ، ومن ذلك قراء المرأة فيمن زعم أنه طهرها ، قال يعقوب : وسمعت أبا عمرو الشيباني يقول : الإقراء : أن يقري الحية سمها ، وذلك أنها تصونه ، أي تجمعه شهرا ، فإذا وفى لها شهرا أقرأت ، ومجت سمها ، ولو أنها لدغت شيئا في أقرائها لم تطنه ، ولم ينج سليمها ، ويقال : قد أقرأ سُمّها ، إذا اجتمع .
وقوله : تستثفر ، قال الجوهري : استثفر الرجل بثوبه إذا ردّ طرفه بيّن رجليه إلى حجزته ، واستثفر الكلب بذنبه : أي جعله بين فخذيه ، قال الزبرقان بن بدر : تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستثفر الحامي وقال الهروي : هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة توثق طرفيها في حقب ، تشدّه على وسطها بعد أن تحشى كرسفا ، فيمنع بذلك الدم ، ويحتمل أن يكون مأخوذا من ثفر الدابة تشدّه كما يشدّ الثغر تحت الذنب ، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثفر ، يريد به فرجها ، وإن كان أصله للسباع ، فإنه استعير ، والله تعالى أعلم ، وفي الأساس : أثفر الدابة مثفار يرمي بسرجه إلى مؤخره ، ومن المجاز استثفرت المستحاضة : تلجمت . قال ابن عباس : والاستحاضة هو جريان الدم من الفرج في غير أوانه من عرق ، يقال له : العاذل بخلاف الحيض لخروجه من قعر الرحم .