باب ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب
حدثنا حرملة بن يحيى ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها قالت : إن كانت إحدانا لتحيض ، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله ، وتنضح على سائره ، ثم تصلي فيه . هذا حديث تفرد به ابن ماجه موقوفا ، وإسناده صحيح ، وفي الصحيحين : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه ، فإن أصابه شيء من دم بلّته بريقها ، ثم قصعته بظفرها ، وفي كتاب أبي داود بسند فيه ضعف : تغسله ، فإن لم يذهب أثره فلتقرصه بشيء من صفرة ، قالت : كنت أحيض عند النبي ثلاث حيضات جميعا لا أغسل لي ثوبا . ورواه الدارمي في مسنده بسند جيّد ، وفي لفظ لأبي داود : أخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكساء فلبسه ، ثم خرج يصلي الغداة ، ثم جلس : فقال رجل : يا رسول اللّه هذه لمعة من الدم ، فقبض إلى ما يليها فبعث بها إلي مصرورة في يد الغلام ، فقال : اغسلي هذه ، ثم أجفّيها ، ثم أرسلي بها لي ، ففعلت : فجاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصف النهار وهي عليه .
وحديث أبي هريرة : أنّ خولة بنت يسار أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقالت : يا رسول الله : ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه ، قال : فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ، ثم صلى فيه ، قالت يا رسول الله : إن لم يخرج أثره ؟ قال : يكفيك الماء ، ولا يضرك أثره . رواه الإمام أحمد ، وفي تاريخ ابن أبي خيثمة الأوسط : ثنا أبو داود ، ثنا علي بن ثابت ، عن الوازع بن نافع ، عن أبي سلمة ، عن خولة بنت يسار قالت : قلت : يا رسول الله . الحديث ، جعله من مسندها ، وفي كتاب الطبراني ، عن الحسين بن إسحاق ، عن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا علي بن ثابت الجزري ، عن الوازع ، عن أبي سلمة ، عن خولة بنت حكيم ، فذكره ، والله أعلم ، والوازع تركه جماعة منهم النسائي ، وحديث امرأة من غفار قالت : أردفني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حقيبة رحله ، قالت : فوالله لنزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الصبح فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله ، وإذا بها دم مني ، وكانت أول حيضة حضتها ، قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت ، فلما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما بي ورأى الدم قال : ما لك لعلك نفست ، قلت : نعم .
قال : فأصلحي من نفسك ، ثم خذي إناء من ماء ، واطرحي فيه ملحا ، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ، ثم عودي لمركبك . قالت : فلما فتح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر ، رضخ لنا من الفيء ، قالت : وكانت لا تطهر إلا جعلت في طهورها ملحًا ، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت . أنبأ به أبو الحسن بن الصلاح رحمه اللّه تعالى بقراءتي عليه ، ثنا الحافظ أبو علي البكري ، أنبأ أبو عبيد الله محمد بن محمد بن محمد بن غانم ، أنبأ الشيوخ أبو طاهر روح ، وأبو الفضل عباس ، أنبأ أبو الرجاء الراراني ، وأبو سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ ، قالوا : أنبأ الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده - رحمه الله تعالى - بجميع كتاب المردفين ، قال : أنبأ أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد السيرافي ، ثنا القاضي أبو عبد الله أحمد بن إسحاق بن خربان النهاوندي ، ثنا محمد بن عبد الرزاق ، نا سليمان ، ثنا محمد بن عمرو الرازي ، ثنا سلمة - يعني ابن فضيل - ثنا محمد يعني ابن إسحاق ، عن سليمان بن سحيم ، عن آمنة ابنة أبي الصلت عنها ، قال ابن منده : وأنبأ محمد بن أحمد بن عبد الرحيم ، أنبأ عبد الله بن محمد المقري ، ثنا ابن أبي عاصم ، ثنا أحمد بن محمد بن نيزك ، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا أبي ، ثنا ابن إسحاق ، عن سليمان بن سحيم ، عن آمنة بنت أبي الصلت الغفارية قالت : أتيت النبي عليه السلام في نسوة من بني غفار فقلنا : يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا ، وهو يسير إلى خيبر .
فنداوي الجرحى ونعين المسلمين ما استطعنا ، فقال : على بركة الله فخرجنا معه ، وكنت جارية حديثة السن ، فأردفني عليه السلام على حقيبة راحلته ، . الخامس : ترك إعلاله بدخول أم علي بين سليمان ، وأمه ، إذ هي مجهولة العين والحال ، وأظنّه إنما ترك ذاك لكونه جاء على لسان ابن أبي سبرة ، وهو ممن لا يعتمد على قوله ، ولو كان ثقة لكان إعلاله الحديث بهذه العلّة حسنا ، وليس لقائل أن يقول : سليمان ثقة مجمع عليه ، وروى عن أمه ، وليس مدلسا ، فلا اعتبار بمن أدخل بينهما راويا ، لاحتمال أن تكون ماتت وهو صغير كما جرى لأبي عبيدة بن عبد الله وغيره ، أو يكون سمع منها ، ولم يسمع هذا بعينه ، فسمعه عنها ، هذا إذا صرّح بالسماع منها ، وهنا فلم يصرح به ، والله أعلم . السادس : قوله : إنّ الغفارية صاحبة القصة ، وقد قدمنا عن ابن منده أنها هي صاحبتها لا غيرها ، وهذا كلّه مشيا على مذهبه ، وما استلزمه ، وإلا فنحن في غنية عن هذا جميعه ؛ لأنّ من كان مذكورا في كتب الصحابة كفينا مؤنته ، سواء شهد له التابعي بالصحبة ، أو لم يشهد له ، وسواء روى عنه واحد ، أو أكثر ، هذا هو المعمول عليه والجادة ، وأما إعراض المنذري عن كلّ من تقدّم ذكره وتضعيفه الحديث بمحمد بن إسحاق فغير حسن ؛ لأنه ممن لا يضعف به الأحاديث ، لا سيّما هو ، فإنه فعل ذلك في غير ما حديث ، صححه أو سكت عنه ، وهو من روايته ، وأحيانا ينبّه عليه ، فما أدري ما يوجب ذلك ؟ وليس لقائل أن يقول : لعله يصححه بما عضده من متابعات وشواهد ؛ لأنّه لم يقل ذلك ، ولو قاله ما قبل منه ، إلا بابرازه ذكر ذلك ، لكيما يعلم هل المتابع أهل لذلك أم لا ؟ هذا هو الاصطلاح ، ولسنا من تحسين الظن ، أو التخرص في إيراد ، ولا صدر ، والله تعالى أعلم ، وحديث الحسن ، عن أبيه ، عن أم سلمة : إنّ إحداهن تسبقها القطرة من الدم ، فإذا أصاب إحداكن ذلك فلتقصعه بريقها .
رواه الدارمي من حديث أبي بكر الهذلي ، وهو ضعيف ، وفي الأوسط لأبي القاسم من حديثه ، عن أحمد بن زهير ، ثنا علي بن إشكاب ، ثنا محمد بن ربيعة الكلابي ، ثنا المنهال بن خليفة ، عن خالد بن سلمة ، عن مجاهد عنها قالت : كانت إحدانا تحيض في الثوب ، فإذا كان يوم طهرها غسلت ما أصابه ، ثم صلت فيه ، وإن إحداكن اليوم تفرغ خادمها لغسل ثوبها يوم طهرها . لم يروه عن مجاهد إلا خالد ، تفرد به المنهال . ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن أحمد بن أبي سريج الرازي ، أنبأ أبو أحمد ، ثنا المنهال بلفظ ، وقيل لها : كيف كنتن تصنعن بثيابكن إذا طمثتن على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إنّا كنا لنطمث في ثيابنا ، أو في دروعنا ، فما نغسل منه إلا أثر ما أصابه الدم .
الحديث . غريبه ، قوله : ( بضلع ) بضاد معجمة ، قال ابن الأعرابي : الضلع العود ها هنا ، وقال الأزهري : الأصل فيه ضلع الجنب ، ويقال للعود الذي فيه عرض واعوجاج : ضلع شبيها بالضلع ، وفي ديوان الأدب ، في باب فعل بكسر بالفاء ، وفتح العين : الضلع : واحد الأضلاع ، والضلع أيضا : الجبيل المنفرد ، وأبى ابن سيده ، فقال : هو الجبيل الصغير الذي ليس بالطويل ، وقيل : هو جبل مستدق طويل ، وقيل : هو الجبل مستدق ومنقاد ، وأما قول القشيري في روايتنا : يخطئ من جهة ابن حيوة ، عن النسائي بصلع الصاد المهملة ، وفي الحاشية : الصلع بالصاد المهملة - المجرد وقع في مواضع بضاد معجمة ، ولعلّه تصحيف ؛ لأنه لا معنى يقتضي تخصيص الضلع ، وأما الحجر فيحتمل أن يحمل ذكره على غلبة الوجود ، واستعماله في الحك ، فيشبه أن يكون وهما ، انتهى ، وما ذكرنا قبل يوضح ذلك ، ويبين أنّه غير مصحف ، والتصحيف وجده بخط غير معروف ، ولعلّه إن صحّ كون الصلع بضم الصاد المهملة ، وذلك أنّ أبا نصر حكى في صحاحه : والصلاع بالضم والتشديد : العريض من الصخر ، الواحدة : صلاعة ، وكذلك الصلع ، لأنه مقصور منه ، وقال الأصمعي : الصلع الذي لا ينبت ، وأصله من صلع الرأس ، وكذا ذكره ابن سيده في محكمه ، وفي الجامع : والصلع : الحجر ، والذي في الحديث وقاع بصلع ، قيل : هو الحجر ، وقيل : هو الأرض التي لا تنبت ، فتبيّن أن الموقع للكاتب ما فسر به هذا الحديث هنا ، فتوهمه هناك أيضا ، وليس صحيحا ؛ لأنّ عامة الأصول إنما فيها ضلع بالمعجمة كما سبق ، وأنه ليس بالضلع الذي هو العظم ، والله أعلم . قوله : ( اقرصيه ) ، قال أبو موسى المديني - رحمه الله - يعني : ادلكيه بأطراف أصابعك ، وأظفارك مع صب الماء حتى يذهب أثره ، وقرصته : إذا قبضته بإصبعك على جلده ولحمه فآلمته ، وقرصته : شتمته ، وتناولته باللسان ، وقال الهروي : سألته امرأة عن دم الحيض قرصيه بالماء أي : قطعيه ، قال المنذري : وقد روي مخففا ، ومثقلا ، ومعناهما واحد .
قوله : ( حتيه ) بتاء مثناة من فوق بمعنى : الحك والقشر . والحيض : أصله عند اللغويين : السيلان ، يقال : حاض الوادي : إذا سال ، قال الأزهري وغيره : الحيض جريان دم المرأة في أوقات معلومة ، يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها ، ومخرجه قعر الرحم ، يقال : حاضت المرأة ، تحيض حيضا ، ومحيضا ومحاضا : فهي حائض ، كذا ذكره أبو العباس في فصيحه ، وفي الصحاح : بالهاء ، قال الشاعر : كحائضة يزنى بها غير طاهر وفي كتاب اللبلي عن كتاب الراعي : هو اجتماع فرج المرأة ، وفي شرح الفصيح للتدمري : سمي بذلك تشبيها بالحيض ، وهو ماء أحمر يخرج من شجر السمر ، يقال عن ذاك حاضت السمرة ، وفي المحكم : يجمع على حيض وحوائض ، ويقال : امرأة طامث بالمثلثة والمثناة ، وطامس ، ودارس ، وعارك ، وفارك ، وضاحك ، وكابر ، ومعصر ، ونافس ، وطامئ بالهمز بمعنى واحد ، حكاه الهروي والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهما ، وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان : أنّ الأرنب تحيض ، وكذلك الخفاش ، واختلف النّاس في أول من حاض ، فزعم بعضهم : أنّ أوّل ما كان على بني إسرائيل ، ورد بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ، وقال تعالى : وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ قال قتادة وغيره : حاضت .