باب في كفارة من أتى حائضا
حدثنا محمد بن بشار ، ثنا يحيى بن سعيد ، ومحمد بن جعفر ، وابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : في الذي يأتي امرأته وهي حائض ؟ قال يتصدّق بدينار ، أو بنصف دينار . هذا حديث لما رواه أبو داود قال : هكذا الرواية الصحيحة : دينار ، أو نصف دينار ، وربما لم يرفعه شعبة ، ثنا عبد السلام بن مطهر ، نا جعفر - يعني ابن سليمان - ، عن علي بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن الجزري ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : إذا أصابها في الدم فدينار ، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار ، قال أبو داود ، وكذلك قال ابن جريج ، عن عبد الكريم ، عن مقسم ، وعنه من حديث شريك ، عن خصيف ، عن النبي عليه السلام : إذا وقع الرجل بأهله وهي حائض فليتصدق بنصف دينار ، وكذا قال علي بن بذيمة ، عن مقسم ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسل ، وروى الأوزاعي ، عن يزيد بن أبي مالك ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : آمره أن يتصدق بخمس دينار ، يعني معضلا ، ولما أخرجه النسائي في عشرة النساء فيما ذكره ابن عساكر ، وتبعه المزي ، ولم أره في المكان المذكور من المجتبى والكبير ، قال : قال شعبة : أمّا حفظي فمرفوع ، وقال : فلان وفلان : إنه لا يرفعه ، وخرجه أيضا عن الحسن الزعفراني ، عن محمد بن الصباح ، عن إسماعيل بن زكريا ، عن عمرو بن قيس ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : واقع رجل امرأته وهي حائض . الحديث .
وفي لفظ : إذا كان الدم عبيطا ، وفي كتاب الحيض لأحمد : قال أبو عبد الله : لم يرفعه عبد الرحمن ، ولا بهز عن شعبة ، وفي السنن للبيهقي عن أبي عبد الله : قال أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه : جملة هذه الأخبار مرفوعها وموقوفها يرجع إلى عطاء العطار ، وعبد الحميد ، وأبي أمية ، وفيهم نظر ، وأما قول البيهقي : وقيل : عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس موقوفا ، وإن كان محفوظا فهو من قول ابن عباس يصح ، وفيه نظر ؛ لأنّ إسناده عنده صحيح ، رواه عن أبي بكر القاضي ، عن أبي العباس الأصم ، عن محمد بن إسحاق الصغاني ، عن أبي الجواب ، عن الثوري عنه ، وأبو الجواب حديثه في صحيح مسلم ، وفي كتاب الجوزقاني ، وذكره من حديث الوليد بن مسلم ، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ، عن علي بن بذيمة ، سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس مرفوعا بلفظ : يعتق نسمة هذا حديث منكر . تفرد به عبد الرحمن وهو ضعيف جدا ، وفي كتاب الخلال : قال أحمد : لو صح الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنّا نرى عليه الكفارة ، قيل له : في نفسك منه شيء ؟ قال : نعم ؛ لأنه من حديث فلان أظنه قال عبد الحميد : وقال عبد الرحمن ابن مهدي : قيل لشعبة : إنك كنت ترفعه ؟ قال : إني كنت مجنونا فصححت ، ولما سأل ابن أبي حاتم أباه عنه قال : اختلفت فيه الرواية ، ولم يسمعه الحكم من مقسم ، وسمعت أبا زرعة يقول : لا أعلم قتادة روى عن عبد الحميد شيئا ، ولا عن الحكم ، وقال أبو سليمان الخطابي : وقال أكثر العلماء : لا شيء عليه ، وليستغفر الله ، وزعموا : أنّ هذا الحديث مرسل ، أو موقوف على ابن عباس ، ولا يصح متصلا مرفوعا ، والذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بتشغيلها ، وقال ابن المنذر : هذا حديث في سنده اضطراب ، فإن ثبت قلنا به ، وإن لم يثبت لم نقل به ، وقال عبد الحق في الكبرى : لا يصح ، ولما ذكره في الوسطى عاب على أبي عيسى قوله : روي موقوفا على ابن عباس ، ولم يتعرض لضعفه وهو لا يروى بإسناد يحتج به ، وقد روي فيه : يتصدق بخمس دينار ، وعند أبي داود : يعتق نسمة ، قال : وقيمة النسمة يومئذ دينار ، ولم يخص في إتيان الحائض دما من دم ، ذكره النسائي عن ابن عباس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا يصح في إتيان الحائض إلا التحريم ، ولما ذكره أبو محمد من حديث مقسم ، عن ابن عباس : إن كان الدم عبيطا فدينار ، وإن كان فيه صفرة فنصف دينار ردّه ؛ بأنّ مقسما ليس بالقوي ، فسقط الاحتجاج به ، ومن جهة شريك ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مرفوعا : يتصدّق بنصف دينار ، ثم قال : خصيف وشريك كلاهما ضعيف ، ومن جهة الأوزاعي ، عن يزيد بن أبي مالك ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن مرسلا : يتصدّق بخمس دينار ردّه بالإرسال ورده البيهقي بالانقطاع ، ومن جهة عبد الكريم بن أبي المخارق قال : وهو حديث باطل ، ومن جهة عبد الملك بن حبيب ، ثنا أصبغ بن الفرج ، عن السبيعي ، عن زيد بن عبد الحميد ، عن أبيه أنّ عمر وطئ جارية له ، فإذا بها حائض ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصدق بنصف دينار . وحديث عبد الملك أيضا ، عن المكفوف ، عن أيوب بن خوط ، عن قتادة ، عن ابن عباس مرفوعا : فليتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ، ثم قال : كفى بهذا سقوطا كونهما من رواية عبد الملك ، كيف وفيهما غيره ، أما الشعبي فيه تصحيف وهو : السبيعي وليس الشعبي ، كما جاء عند ذكر سند الحديث فقال أصبغ بن الفرج عن السبيعي عن زيد ، فلا يدرى من هو ؟ ومع ذلك فهو مرسل ، وأما المكفوف ، فلا يعرف من هو ؟ وابن خوط ساقط ، ومن حديث الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن علي بن بذيمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مرفوعا : يعتق نسمة ، ورده بأن راويه عن الوليد : موسى بن أيوب ، وهو ضعيف ، وكذلك ابن جابر ، قال : فسقطت جميع الآثار في هذا الباب .
انتهى كلامه ، وفيه نظر : من حيث فسر عبد الكريم بابن أبي المخارق ، وإن كان له في ذلك سلف ، وهو ما رواه روح بن عبادة عند الطبراني ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن عبد الكريم أبي أمية كما قاله أبو الوليد الفرضي وغيره من أنه الجزري لا ابن أبي المخارق ، والله تعالى أعلم ، وقال أبو عمر بن عبد البر : وهذا حديث مضطرب ، ولا تقوم بمثله حجة ، وقال الشافعي رحمه الله : فإن أتى رجل امرأته حائضا ، أو بعد تولية الدم ، ولم تغتسل ، فليستغفر الله تعالى ، ولا يعد ، وقد روي فيه شيء لو كان ثابتا أخذنا به ، لكنه لا يثبت مثله ، وفي المعرفة لأبي بكر ، وذكر حديث مقسم فأعله بوقف شعبة له ، ورواية شريك بقوله : وكان شريك يشكّ في رفعه ، ورواية عبد الكريم أبي أمية تارة عن مقسم ، وتارة عن عكرمة ، وأبو أمية لا يحتج به ، ورواه يعقوب بن عطاء ، وهو لا يحتج ، عن مقسم ، عن ابن عباس مرفوعا ، موقوفا : يتصدّق بدينار ، فإن لم يجد فبنصف دينار ، وكذا رواه عليّ بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن الجزري ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، وضعّف ابن القطّان حديث خصيف به ، ولما ذكر أبو الفرج : حديث ابن عباس في تحقيقه ضعفه ، وقال الغزالي : هو حديث ضعيف ، وقال الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى ، وذكره : هذا حديث ضعيف باتفاق الحفاظ ، ولما ذكره أبو الحسن في كتاب الغرائب قال : غريب من حديث عمرو بن قيس الملائي ، عن الحكم ، عن عبد الحميد تفرد به عمر بن شبيب . وقد روي عن جماعة من السلف ما يؤذن بأنه غير صحيح منهم : الشعبي ، وسئل عن فاعل ذلك ، فقال : ذنب أتاه ، ليستغفر الله ، ويتوب إليه ، ولا يعود ، وقال ابن جبير : ذنب أتاه ، وليس عليه كفارة ، وقال القاسم : يعتذر إلى الله ، ويتوب ، وقال عطاء : يستغفر الله ، وليس عليه شيء ، وكذا قاله ابن أبي مليكة ، وعن أبي قلابة أن رجلا أتى أبا بكر ، فقال : رأيت في المنام كأني أبول دما ؟ قال : تأتي امرأتك وهي حائض ؟ قال : نعم قال : اتق الله ، ولا تعد ، وعن ابن سيرين ، وسئل عن ذلك قال : يستغفر الله تعالى ، وقاله إبراهيم ، ذكره الدارمي في مسنده ، قال ابن المنذر : وبه قال عطاء ، ومكحول ، والزهري ، وأبو الزناد ، وربيعة وحماد بن أبي سليمان ، وأيوب ، ومالك ، والليث ، والثوري ، والنعمان ، ويعقوب ، وأما المصححون فالإمام أحمد بن حنبل في رواية أبي داود عنه أنه قال : ما أحسن حديث عبد الحميد في كفارة الحيض ، قيل له : تذهب إليه ؟ قال : نعم ، وفي رواية الميموني عنه : عبد الحميد ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز والناس قديما قد حملوا عنه ، وليس به بأس ، وقال الحربي : هذا الحديث اختلف فيه أصحاب شعبة ، فرفعه يحيى ، وغندر ، ومعاذ ، ووهيب ، وابن أبي عدي ، ووقفه وكيع ، وابن مهدي ، وحكى عنه ابن مهدي : كنت في رفعه كالمجنون ، فصححت إنّي رجعت إلى إيقافه ، فإن كان ذلك من قول شعبة صحيحا ، فكأنه رجع عن رفعه وبعضهم يريد عبد الحميد رفعه ، وخالف روح أيضا عبد الحميد ، وأوقفه ، وجعل مكان مقسم عكرمة ، وعبد الحميد هو ابن أخي عمر بن الخطاب ، أمّه : ميمونة بنت بشر ، ولاه عمر بن عبد العزيز الكوفة ، وكان أبو الزناد كاتبه ، وكان من أحسن الناس وجها روى عنه بكير بن الأشج ، وزيد بن أبي أنيسة وغيرهما . وأمّا حديث حماد بن الجعد عن قتادة ، عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، وحديث ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، لم يذكر عبد الحميد والحكم يوجب أن يكون القول قول حماد بن الجعد ؛ لأنّه زاد ، قال : واختلف أصحاب الحكم ، فرفعه إسماعيل بن مسلم، وسفيان بن حسين ، ورقبة ، وأوقفه الأعمش ، والمسعودي ، وأبو عبد الله الشقري ، وابن أبي ليلى ، وخالد ، وأرسله خصيف ، فكان اتفاقه في هذا الحديث أثبت عندي ، واختلف أصحاب خصيف ، فرفعه شريك، وإسرائيل ، وأوقفه ابن سعيد ، ومعمر ، وأرسله الثوري ، وابن جريج ، وقول حماد ، عن عكرمة وهم بيّن ، فالحكم يوجب أن يكون القول قول شريك ، وإسرائيل ، واختلف أصحاب عبد الكريم ، فكان ممن رفعه ابن عيينة ، وأبان ، وحجاج ، وابن جعفر ، وابن جريج ، وأرسله أبو الأحوص ، فالقول قول من رفعه لكثرتهم ، وعبد الكريم هذا غيره أوثق منه ، وأما حديث علي بن الحكم، والثوري ، عن علي بن بذيمة ، عن مقسم ، فأسنده علي بن الحكم ، وأرسله الثوري ، ولما ذكره أبو جعفر في شرح المشكل ، وذكر بعده حديث عمر أنه كانت له امرأة تكره الجماع ، فوقع عليها وهي حائض ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تصدق بخمسي دينار قال : والأحاديث الأول أولى من هذا لثبت رواتها ولتجاوزهم في المقدار ، ولما ذكره الحاكم من حديث مسدد ، ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم مرفوعا ولفظه : بدينار ، أو نصف دينار ، قال : هذا حديث صحيح ، فقد احتجا جميعا بمقسم ، فأما عبد الحميد فمأمون ثقة ، وشاهده ودليله بما ثناه علي بن حمشاذ ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا عبد السلام بن مطهر ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن علي بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن الجزري ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : إذا أصابها في الدم فدينار وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار .
قد أرسل هذا الحديث ، وأوقف أيضا ، ونحن على أصلنا الذي أصلناه أنّ القول قول الذي يسند ، ويصل إذا كان ثقة ، وذكره أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الجوزقاني الحافظ في باب صحاح الأحاديث ومشهورها ، وكذلك ابن الجارود في منتقاه ، وقال ابن أبي داود في كتاب الطهارة : هذه سنة تفرد بها أهل المدينة ، وعبد الحميد من ولد عمر بن الخطاب ثقة مأمون ، وفي كتاب حرب الكرماني قيل لإسحاق ، أو قال قائل : كيف يتصّدق بدينار ، أو نصف دينار ؟ قيل له : في ذلك في حديث ابن عيينة يبين ما سألت ، حيث قال : إن كان الدم عبيطا فدينار ، وإن كان فيه صفرة فنصف دينار ، فخمس دينار ، على قدر رقّة الدّم وغلظه ، وقربّ طهارة من بعده ، وفرق بينهما من لا يغلط ، ولا يسهو ، فمن رغب عن هذه السنة الصحيحة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد زل وأخطأ ، وينبغي للمسلم إذا جاءه مثل هذا وأشباهه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه من سعده أن يقبله بقبول حسن ، وقال الحافظ أبو الحسن ابن القطان - رحمه الله تعالى - : وأما زعمهم أن متن الحديث بالجملة ، لا بالنسبة إلى رواية راو بعينه مضطرب فذلك عندي خطأ من الإعلال ، والصواب هو أن ننظر رواية كل راو بحسبها ، ونعلم ما يخرج عنه فيها ، فإن صح من طريق قبل ، ولو كانت له طرق أخرى ضعيفة ، وهم إذا قالوا : هذه روي فيه بدينار ، وروي بنصف دينار فباعتبار صفات الدم ، وروي دون اعتبارها ، وروي باعتبار أوّل الحيض وآخره ، وروي بخمسي دينار ، وروي بعتق نسمة فأثبت من هذا في الذهن صورة سواء ، وهو عند التبين والتحقيق لا يضرّه ، ونحن نذكر الآن كيف هو صحيح بعد أن نقدم أن نقول يحتمل قوله : ( دينار ، أو نصف دينار ) ثلاثة أمور . أحدها : أن يكون تخييرا ، ويبطل هذا بأن يقال : إنّما يصح التخيير بين شيئين ، أمّا من فعل الشيء ، أو بعضه فمحال إذ حكم التخيير أن يكون بين شيئين ، أو أشياء حكمها واحد ، فإذا خيرّ بين الشيء وبعضه كان بعض أحدهما متروكا بغير بدل . والأمر الثاني : أن يكون شكا من الراوي .
والثالث : أن يكون باعتبار حالين ، وهذا هو الذي يتعين منها ، ونبينه بأن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب اعتمده أهل الصحيح ، منهم البخاري ، ومسلم ، ووثّقه النسائي ، والكوفي ، ويحق له ، فقد كان محمود السيرة في إمارته على الكوفة لعمر ضابطا لما يرويه ومن دونه في السند لا يسأل عنهم ، وسيتكرر على سمعك من بعض المحدّثين أنّ الحديث في كفارة من أتى حائضا لا يصح فليعلم أنّ لا عيب له عندهم إلا الاضطراب زعموا ، فمِمّن صرح بذلك أبو علي بن السكن قال : هذا حديث مختلف في إسناده ولفظه ، ولا يصح مرفوعا ، لم يصححه البخاري ، وهو صحيح من كلام ابن عباس . انتهى ، فنقول له : الرجال الذين رووه مرفوعا ثقات ، وشعبة إمام أهل الحديث ، قد ثبت في رفعه إيّاه ، فممن رواه عنه مرفوعا يحيى القطّان ، وناهيك به ، وغندر ، وهو أخصّ النّاس به ، ورواه سعيد بن عامر ، عن شعبة ، فقال : عن الحكم ، عن عبد الحميد ، عن مقسم ، عن ابن عباس قوله ، وقال شعبة : أما حفظي فمرفوع ، وقال : فلان ، وفلان : إنه كان لا يرفعه ، فقال له بعض القوم : يا أبا بسطام ، ثنا بحفظك ودعنا من فلان وفلان ، فقال : والله ما أحب أني حدثت بهذا ، أو سئلت ، أو أني عمرت في الدنيا عمر نوح عليه السلام في قومه ، فهذا غاية التثبت ، وهبك أن أوثّق أهل الأرض خالفه فيه ، فوقفه على ابن عباس ، كان ماذا ؟ أليس إذا روى الصحابي حديثا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجوز له ، بل يجب عليه أن يتقلّد بمقتضاه فيفتي به ، هذا قوة للخبر ، لا توهين له ، فإن قلت : فكيف بما ذكر ابن السكن ، ثنا يحيى ، وعبد الله بن سليمان ، وإبراهيم قالوا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا شعبة بالإسناد المتقدّم مثله موقوفا ، وقال رجل : إنّك كنت ترفعه ؟ قال : إني كنت مجنونا فصححت ؟ قلنا : نظن أنه لما أكثر عليه في رفعه إياه توقى رفعه ، لا لأنه موقوف ، لكن إبعادا للظنة عن نفسه ، وأبعد من هذا الاحتمال أن يكون شك في رفعه في ثاني حال ، فوقفه ، فإن كان هذا ، فلا نبالي أيضا ، بل لو نسي الحديث بعد أن حدّث به لم يضرّه ، فإن أبيت إلا أن يكون شعبة رجع عن رفعه ، فاعلم أنّ غيره من أهل الثقة والأمانة قد رواه عن الحكم مرفوعا ، كما رواه شعبة فيما تقدّم ، وهو عمرو بن قيس الملائي ، قال فيه عن الحكم ما قال شعبة من رفعه إياه ، إلا أن لفظه : فأمره أن يتصدّق بنصف دينار ، ولم يذكر دينارا ، وذلك لا يضرّه ، فإنه إنّما حكى قصة معينة قال فيه : واقع رجل امرأته وهي حائض ، فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتصدّق بنصف دينار . ذكره النسائي ، فهذه حال يجب فيها نصف دينار ، وهو مؤكد لما قلناه من أن دينارا ، أو نصف دينار إنما هو باعتبار حالين ، لا تخيير و شك ، ورواه أيضا مرفوعا هكذا عن عبد الحميد بن عبد الرحمن : قتادة ، وهو من هو ، قال النسائي : أنا خشيش بن أصرم ، ثنا روح ، وعبد الله بن بكر ، ثنا ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عبد الحميد به مرفوعا ، بدينار ، أو بنصف دينار ، إلا أن الأظهر في هذه الرواية أنه شك من الراوي في هذه القصة بعينها ، فهذا شأن حديث مقسم ، ولن نعدم عنه فيه وقفا وإرسالا وألفاظا أخر ، لا يصح منها شيء غير ما ذكرناه ، وأما ما روي من خمسي دينار ، أو عتق نسمة ، فما منها شيء يعول عليه ، فلا يعتمد في نفسه ، ولا يطعن به على حديث مقسم ، والله أعلم .
انتهى كلامه . وقول ابن حزم : مقسم ليس بالقوي ، فسقط الاحتجاج به فيه نظر ؛ لأنه ممن حديثه في الصحيحين على سبيل الاحتجاج وأثنى عليه غير واحد من الأئمة ، وفي قول الدارقطني : تفرد به عمر بن شبيب ، يعني عن الملائي نظر لما أسلفناه من كتاب النسائي ، وأما قول ابن السكن فمردود ؛ بأن البخاري لم يخرج ، ولم يصحح كل حديث ، وقال : انتقيت كتابي من مائة ألف حديث صحيحة ، وإنما خرجت هنا ما أجمعوا عليه ، فلا حجة إذا في عدم تصحيح البخاري له ، وأما قول النووي فمردود بما قدّمناه أيضا ، وأما ما أعله به أحمد فمعارض بما تقدم ، ولعله ظهر لك ذاك بعد ، وأما تضعيف الجوزقاني ؛ فلرواية خاصة بدليل ما ذكره بعد ، ويؤكد صحته قول جماعة من السلف به ، منهم : الحسن قال : عليه عتق رقبة ، أو عشرون صاعا لأربعين مسكينا ، وقال عطاء : يتصدق بدينار ، وفي رواية : بنصف دينار ، وقال الأوزاعي : بخمس دينار ، ذكره الدارمي ، زاد ابن المنذر : وقتادة ، وإسحاق ، والنخعي ، وسعيد بن جبير ، وهو قول محمد بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، وفي كتاب الماوردي : قال أصحابنا : ولو اعتقد مسلم حله صار كافرا مرتدا ، فإن فعله ناسيا ، أو جاهلا بتحريمه ، أو بوجود الحيض ، أو مكرها ، فلا إثم عليه ، ولا كفارة ، وإن تعمّدا الوطأ عالما بما سبق ، فقد ارتكب كبيرة يجب عليها التوبة ، وفي وجوب الكفارة قولان للشافعي رحمه الله تعالى : ويشبه أن يكون خطر ذلك لما رواه الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال عليه السلام : من وطئ امرأة وهي حائض ، فقضي بينهما ولد ، فأتى به جذام ، فلا يلومن إلا نفسه . قال أبو القاسم في الأوسط لم يروه عن الزهري إلا الحسن بن الصلت شيخ من أهل الشّام ، تفرد به محمد بن أبي السري .