باب الإِبراد في الظهر في شدّة الحرّ
حدثنا عبد الرحمن بن عمر ، ثنا عبد الوهاب الثقفي ، عن عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أبردوا بالظهر . هذا حديث خرجه البخاري في صحيحه ، وفي الباب حديث عائشة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أبردوا بالظهر في الحر . ذكره أبو بكر بن خزيمة ، عن القاسم بن محمد بن عبّاد بن عباد المهلبي ، ثنا عبد الله - يعني : ابن داود الخريبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عنها ، وفي كتاب الكجي ، ثنا مسدد ، ثنا ابن داود ، ثنا هشام ، عن أبيه قال : أظُنّه عن عائشة ، فذكره ، وحديث أبي ذر قال : كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذّن للظهر ، فقال صلى الله عليه وسلم : أبرد ، ثم أراد أن يؤذّن ، فقال له : أبرد حتى رأينا فيء التلول .
وفي رواية : حتى ساوى الفيء التلول ، فقال عليه السلام : إن شدّة الحرّ من فيح جهنم ، فإذا اشتدّ الحرّ فأبردوا بالصلاة . خرّجاه في الصحيح ، قال البيهقي : كذا قاله جماعة فأراد أن يؤذن ، ورواه غندر ، عن شعبة : أذّن للنبي عليه السلام الظهر ، فقال له : أبرد ، قال : وفي هذا كالدلالة على أنّ الأمر بالإبراد كان بعد التأذين ، وحديث أنس بن مالك : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة خرجه البخاري وقد تقدم قبل ولفظ أحمد بن حنبل من حديث موسى أبي العلاء عنه ، وفي لفظ بصلاة الجمعة : كان عليه السلام يصلي صلاة الظهر في أيام الشتاء وما يدري ما ذهب من النهار أكثر أم ما بقي منه ، وحديث عمرو بن عبسة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أبردوا بصلاة الظهر ، فإن شّدة الحرّ من فيح جهنم ذكره الطبراني في الكبير من حديث عبادة بن أوفى عنه ، وحديث رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه يعني نحو حديث أبي سعيد المتقدّم ، ذكره الميموني عن أحمد ، فقال : روى غندر عن شعبة ، عن الحجاج بن الحجاج الأسلمي عنه قال أحمد : قد سمعته من غندر وأحسبه غلط ، قال مهنأ : قلت لأحمد : أوكان غندر يغلط ؟ قال : أليس هو من النّاس؟! قال أحمد : كان الحجاج أبوه من الصحابة ، وقال الدارقطني غلط غندر في أنه لم يذكر في الإِسناد والد الحجاج ، ورواه يحيى القطّان ومعاذ وخالد بن الحارث وغيرهم ، عن شعبة ، عن الحجاج ، عن أبيه ، عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرآه عبد الله بن مسعود ، وحديث القاسم بن صفوان بن مخرمة الزهري ، عن أبيه قال صلى الله عليه وسلم : إذا اشتد الحر فأبردوا بصلاة الظهر ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم . رواه ابن أبي شيبة في مسنده ، عن مروان بن معاوية ، عن بشير بن سليمان عنه ، وهو إسناد صحيح ؛ لذكر القاسم في ثقات ابن حبان ، ولفظ أبي نعيم في كتاب الصلاة : من فور جهنم ، وحديث ابن عباس يرفعه : الحمى من فيح جهنم .
الحديث ذكره البخاري ، وحديث عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ذكره أبو نعيم في كتاب الصلاة من حديث محمد بن الحسن ، عن أسامة بن زيد بن أسلم ، عن زيد بن أسلم عن أبيه عنه مرفوعا ذكره أبو عيسى ، وقال : لا يصح ، وبنحوه قاله الطوسي ، وفي كتاب أبي نعيم بسند صحيح أن عمر كتب بذلك إلى أبي موسى يعني : موقوفا ، وحديث أبي موسى قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أبردوا بالظهر ، فإن الذي تجدون من فيح جهنم . رواه أبو عبد الرحمن بسند صحيح من حديث إبراهيم النخعي ، عن يزيد بن أوس المذكور في ثقات التابعين لابن حبان ، عن ثابت بن قيس عنه ، وحديث أبي الدرداء ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإِيمان . ذكره ابن وهب في مسنده ، عن الليث ، عن عمر بن شيبة المدني عن رجل حدثه عنه ، وحديث عبد الرحمن بن علقمة قال : قدم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفد ثقيف ، وفيه فجلس يحدثهم ويحدثونه فشغلوه عن صلاة الظهر ما صلاّها إلا مع العصر ذكره أبو نعيم في كتاب الصلاة في باب الإِبراد بالظهر من حديث أبي بكر بن عياش ، ثنا يحيى بن هانئ ، ثنا أبو حذيفة ، عن عبد الملك بن محمد بن بشير عنه ، وقال أبو نعيم الحافظ في معرفة الصحابة : عبد الرحمن بن علقمة الثقفي كوفي ، ويقال : ابن أبي علقمة أحد من وفد من ثقيف على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حديثه عند عبد الملك بن محمد بن بشير ولفظه : يسألهم ويسألونه حتى لم يصل الظهر إّلا مع العصر رواه أبو بكر بن أبي شيبة ، وأحمد بن يونس ، وأبو عبيد ، ومحمد بن سعيد بن الأصبهاني في آخرين كلّهم عن أبي بكر بن عياش ، ورواه بعض المتأخرين فوهم في ثلاثة مواضع في هذا الحديث : ذكر في الترجمة عبد الرحمن بن علقمة روى عنه عبد الله بن محمد بن بشير ، وقال : رواه ابن عياش ، عن يحيى بن هانئ ، عن حذيفة ، وإنما هو أبو حذيفة ، وذكر في الحديث يحيى بن هانئ ، عن أبي حويضة أصاب ، ولا في أبي حذيفة ، ولا في عبد الله بن محمد بن بشير ، وذكر بعقبه رواه عمير بن عمران ، عن الحارث بن عتبة ، عن أبي حذيفة عبد الله بن محمد ، عن عبد الله بن محمد العجلي ، عن عبد الرحمن بن علقمة ، وفي كتاب رافع الارتياب للخطيب عبد الرحمن بن أبي علقمة وهو عبد الرحمن بن علقمة ذكره غير واحد في الصحابة ، وفي كتاب أبي إسحاق الصريفيني ، عبد الرحمن بن علقمة ، ويقال : ابن علقمة أبو علقمة روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثين أحدهما : أن وفد ثقيف قدموا عليه ، وفي سماعه منه نظر ، وقال أبو حاتم : تابعي ليست له صحبة أدخله يونس بن حبيب في المسند ، وقال : لا تصح صحبته ، ولا يعرف أما ما حكاه عن أبي حاتم ، فلم أره في كتابه ، ونصه عبد الرحمن بن علقمة الثقفي روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أن وفد ثقيف قدموا عليه ومعهم هدية روى عنه عبد الملك بن محمد بن بشير ، وقال في حرف العين : من أئمة التابعين عبد الرحمن ابن علقمة الثقفي ، ويقال : ابن أبي علقمة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وروى عن ابن مسعود ، وعبد الرحمن بن أبي عقيل ، روى عنه جامع بن شدّاد أبو صخرة وعون بن أبي جحيفة ، وأبو حذيفة قلت : أدخله يونس بن حبيب في مسند الوحدان فأخبرت أبي بذلك ، فقال : هو تابعي ليست له صحبة .
انتهى ، وكأن هذا هو الذي تمسك أبو إسحاق به ، وهو كما ترى ليس رجلا واحدا ، بل هما رجلان لا مرية في ذلك ، ولكن البخاري جمع ذلك كله في ترجمة واحدة ، وكذلك العسكري ، وأما قوله : وقال غيره يريد أبا عمر ، وأبو عمر ذكره في موضعين ليس فيهما ما قاله ، الأول : وقد ذكر قوم عبد الرحمن بن علقمة في الصحابة ، ولا تصح له صحبة ، الثاني : وفي سماعه منه نظر . قال أبو بكر بن المنذر في كتاب الإجماع : أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر زوال الشمس ، ودلّت السنة على أنّ آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس ، وقال في كتاب الإِشراف : واختلفوا في آخر وقت الظهر ، فقالت طائفة : إذا صار ظل كلّ شيء مثله بعد الزوال وجاوز ذلك ، فقد خرج وقت الظهر ، هذا قول مالك ، والشافعي، والثوري ، وأبي ثور ، وقال يعقوب ، ومحمد : وقت الظهر من حين زوال الشمس إلى أن يكون الظل قامة ، وقال عطاء : لا يفوتك الظهر حتى تدخل الشمس الصفرة ، وقال طاوس : لا يفوت الظهر والعصر حتى يدخل الليل ، وقال قائل : إذا صار الظل قامتين فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر ، وكذلك قال أبو حنيفة ، قال أبو بكر : وبالقول الأوّل أقول ، واختلفوا في التعجيل بالظهر في حال الحرّ فروينا عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن يصلي الظهر حين تزيغ الشمس وتزول ، وصلى ابن مسعود حين زالت الشمس ، وروينا عن ابن عباس أنه قال : الظهر كاسمها تصلى بالظهير ، وقال مالك : يصلي إذا كان الظهر ذراعا ، وفيه قول ثان : وهو استحباب تأخير الظهر في شدّة الحر ، هذا قول أحمد ، وإسحاق ، وقال أصحاب الرأي : في الصيف يجب أن يبرد بها ، وفيه قول ثالث : قاله الشّافعي : قال تعجيل الحاضر الظهر في شدّة الحر، فإذا اشتدّ الحر أبرد إمام الجماعة التي تنتاب من البعد حتى يبرد ، فأمّا من صلّى في بيته ، وفي جماعة بفناء بيته فيصليها في أوّل وقتها قال أبو بكر : خبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على العموم ، فلا سبيل إلى أن يستثنى من ذلك شيء ، وفي كتاب ابن بزيزة : وكره مالك أن يصلي الظهر في أول الوقت ، وكان يقول : هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء ، وخالف ذلك أبو الفرج فنقل عن مالك : أنّ أوّل الوقت أفضل في كلّ صلاة إلا الظهر في شدّة الحر ، واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث ، وحديث خباب ، فقال بعضهم : الإِبراد رخصة والتقديم أفضل ، وقال جماعة : حديث خباب منسوخ بأحاديث الإبراد ، وحمل آخرون حديث خباب على أنهم أرادوا تأخيرا زائدا على قدر الإبراد ، ذكر ذلك الأثرم ، وأبو جعفر الطحاوي ، وقال أبو عمر في قول خباب : فلم يشكنا يعني لم يحوجنا إلى الشكوى ، وقيل : معناه ما أزال شكوانا ذكره ابن بزيزة ، انتهى ، وفيما قدّمناه بيان للمعنى من نفس الشّارع ، فلا حاجة للتخرص ، وذكر ابن الأنباري أنّ يونس ، وأكثر النحويين زعم أنّ جهنم أعجمية لا تجر للتعريف والعجمة ، وقيل : إنّه عربي ، ولم يجر للتأنيث والتعريف ، وكان رؤبة يقول ركية جهنام : بعيدة القعر ، قال الأعشى : دعوت خليلي مسحلا ودعوا له جهنام جدعا للهجين المذمم فترك صرفه يدل على أنه أعجمي معرب ، وقال ابن عباس فيما ذكره ابن بزيزة : خلق الله تعالى النّار على أربعة أقسام : فنار تأكل وتشرب ، وهي التي خلقت منها الملائكة ، ونار لا تأكل ، ولا تشرب ، وهي التي في الحجارة ، ويقال : هي التي رفعت لموسى عليه السلام ليلة المناجاة ، ونار تشرب ، ولا تأكل ، وهي نار الدنيا ، ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم ، ولا تشرب دموعهم ، ولا دماءهم ، ولا أقياحهم ، بل يسيل ذلك إلى عين الخبال فيشرب ذلك أهل النار ، ونار تشرب ، ولا تأكل ، وهي النّار التي في البحر وقيل : النّار التي خلقت منها الشمس .