باب تشييد المساجد
حدثنا جبارة ، ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمر بن الخطاب : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم . هذا حديث تقدم الكلام على سنده قبيل ، وقد وردت أحاديث من هذا الباب غير ما تقدم من ذلك : حديث ليث ، عن أيوب ، عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ابنوا المساجد ، واتخذوها جما ، وفي لفظ : أمرت بالمساجد جما ، ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن مالك بن إسماعيل ، ثنا هريم عنه ، ولما سأل الترمذي محمدا عنه ، قال : إنما يروى عن أيوب ، عن عبد الله بن شقيق قوله . وقال أبو الحسن وسئل عنه : لم يتابع ليث عليه ، وغيره يرويه ، عن أيوب ، عن ابن شقيق قوله .
وحديث مجاهد ، عن ابن عمر قال : نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي في مسجد مشرف ، رواه الدارقطني ، وقال : رواه إسحاق بن منصور ، وأبو غسان ، عن هريم ، عن ليث عنه ، ورواه عبد الحميد بن صالح ، عن هريم ، عن ليث ، عن نافع ، عن ابن عمر . وحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال : أمرنا أن نبني المساجد جما ، ذكره عبد الغافر الفارسي في كتابه مجمع الغرائب ، قال : ومعناه التي لا شرف لها ، وفي كتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام زيادة : والمدائن شرفا . وحديث علي بن أبي طالب سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ائتوا المساجد حسرا ومقنعين فإن ذلك سيما المسلمين .
رواه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن شعيب ، ثنا مبشر بن عبيد ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار عنه ، وحديث جابر بن عبد الله : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من زوق بيته ، أو مسجده لم يمت حتى تصيبه قارعة ، رواه أيضا من حديث موسى بن محمد صاحب القديدي ، ثنا المنكدر بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه عنه . ورواه ابن الجوزي في علله من حديث أبي البختري ، وهب بن وهب ، ورده به . وفي كتاب أبي نعيم بن دكين ، ثنا سفيان ، عن أيوب ، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : كانت المساجد تبنى جما ، والمدائن تشرف ، ثنا سفيان ، عن أبي فزارة ، عن مسلم البطين قال : كان علي بن أبي طالب إذا مر بمسجد التيم ، وهو مشرف قال : هذه بيعة التيم .
غريبه : الشرفة : ما يوضع على أعالي القصور ، والمدن ، وشرف الحائط : جعل له شرفة ، ذكره ابن سيده ، وفي الجامع : وقولهم قصر مشرف : إنما معناه طويل ، وإذا أرادوا له شرف قالوا : قصر مشروف ، والبيعة : كنيسة النصارى ، وقيل : كنيسة اليهود ، فيما ذكره في المحكم ، وفي الجامع : البيعة : بكسر الباء : صومعة الراهب ، وقيل : كنيسة النصارى ، والجمع بيع . وقال عياض : البيعة : كنيسة أهل الكتاب ، ، والصلوات للصابئين ، كالمساجد للمسلمين ، وفي كتاب الجواليقي : البيعة والكنيسة : جعلهما بعض العلماء ، فارسيين معربين ، وأما البناء المشيد : فهو المعمول بالشيد ، وكل ما أحكم من البناء ، فقد شيد ، قال أبو عبيد : البناء المشيد المطول . وقال الكسائي : المشيد للواحد ، والمشيدة للجميع .
حكاه أبو عبيد عنه ، والكسائي يجل عن هذا . قاله ابن سيده ، وفي الجامع : أشدت الحائط ، وشيدته : فهو مشاد ، ومشيد إذا طولته . وقيل : لا يكون مشيدا حتى يجصص ، ويطول .
والزخرف : الذهب هذا الأصل ، ثم سمي كل زينة زخرفا ، وزخرف البيت : زينه ، وأكمله ، وكل ما زوق وزين ، فقد زخرف ، والتزخرف : التزين ، والزخارف : ما زين من السفن . والزخرف : زينة النبات ، ذكره ابن سيده ، وفي الجامع : كل نفيس يسمى زخرفا ، وقال الهروي : هو كمال حسن الشيء ، وقال عياض : هو التزويق بالنقش ، والتلوين ، قال الخطابي : المعنى أن اليهود ، والنصارى ؛ إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا ، وتركوا العمل بما في كتبهم ، نقول : فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم ؛ إذا طلبتم الدنيا بالدين ، وتركتم الإخلاص في العمل ، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد ، والمباهاة بتشييدها ، وزينتها ، وفيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره ، وأما قول من قال : أراد بالتباهي في المساجد : التفاخر بالأنساب والأحساب ، وشبهه فمردود بقوله : ببناء المساجد ، وبكثرة المساجد .