باب أين يجوز بناء المساجد
باب أين يجوز بناء المساجد؟ 45 - حدثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي التياح الضبعي ، عن أنس بن مالك قال : كان موضع مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني النجار ، وكان فيه نخل ، ومقابر للمشركين ، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : ثامنوني به قالوا : لا نأخذ به ثمنا أبدا ، قال : فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبنيه ، وهم يناولونه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ألا إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة قال : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل أن يبنى المسجد حيث أدركته الصلاة . هذا حديث خرجاه في الصحيح من حديث أبي التياح مطولا : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، ونزل أعلاها في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام - عليه السلام - فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار ، فجاءوا متقلدين السيوف ، فكأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته ، وأبو بكر ردفه ، وملأ بني النجار حوله ، حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يصلي في مرابض الغنم ، وفيه فأمر بقبور المشركين ، فنشبت ثم بالخرب فسويت ، وبالنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد ، وجعلوا عضادتيه الحجارة ، وفيه : لا خير إلا خير الآخرة ، وأما قول خلف : رواه مسلم أيضا في الهجرة ، عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الصمد ، عن أبيه ، عن أبي التياح ، فيشبه أن يكون وهما ، وذلك أن مسلما ليس عنده كتاب هجرة ، وكتاب الهجرة إنما هو عند البخاري ، وكذا ذكره الطرقي ، وابن أبي أحد عشر في جمعه . ورواه الحاكم في دلائل النبوة من حديث موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد بن سلمة ، عن أبي التياح بزيادة : وكان المهاجرون ، والأنصار ينقلون اللبن ، أو التراب لبناء المسجد ، وهم يقولون : بحق الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا .
فأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إن الخير خير الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة . وفي حديثه شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ينقل التراب معنا ، وقد وارى الغبار بياض إبطيه وهو يقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا فأنزلنْ سكينة علينا إن الألى لقد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا ومد بها صوته - صلى الله عليه وسلم - . وفي حديث حشرج بن نباتة ، عن سعيد بن جمهان ، عن سفينة قال : لما بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد جاء أبو بكر بحجر فوضعه ، ثم جاء عمر بحجر فوضعه ، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه ، فقال : هؤلاء ولاة الأمر من بعدي .
وفي كتاب موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب : كان المسجد مربدا للتمر لغلامين سهل ، وسهيل ابني عمرو وفي حجر أسعد ، قال ابن شهاب : وزعموا أنه كان رجال من المسلمين يصلون في المربد قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمنه ، ويقال : عوض عليها أسعد نخلا له في بني بياضة ثوابا من مربدهما ، فقالا : بل نعطيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويقال : بل اشتراه النبي - صلى الله عليه وسلم - منهما ، فبناه مسجدا ، فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن وهم يقولون : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر فأجابهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم إن الخير خير الآخرة . قال ابن شهاب : فتمثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي ، ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمثل بشعر قط غير هذه الأبيات ، أنبأنا المشائخ المعمر بقية السلف عبد القادر بن عبد العزيز بن أيوب ، وأبو بكر عبد الله بن علي بن عمر ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن محمد - رحمهم الله تعالى - قراءة عليهم ، وأنا أسمع قال الأول : أنبأنا الصالح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبي الفتح ، أنبأنا القاضي صنعة الملك أبو محمد هبة الله بن يحيى بن علي بن حيدرة ، أنبأنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن رفاعة ، أنبأنا أبو الحسن الخلعي ، وقال الآخران : أنبأنا الشريف تاج الشرف بن السيد أبي القاسم عبد الرحمن بن علي الحسيني ، أنبأنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن بنان ، أنبأنا والدي ، أنبأنا أبو إسحاق الحبال ، قال هو والخلعي : أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر البزاز ، ثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الورد ، أنبأنا أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي ، ثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام ، ثنا زياد قال : قال محمد بن إسحاق : فقال أسعد بن زرارة : يا رسول الله : إني مرضيهما منه فابنه مسجدا ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد ، فأصيب أسعد ، والمسجد يبنى أصابته الذبحة ، أو الشهقة . وفي كتاب ابن سعد : جعل قبلته للقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، وباب يقال له : باب الرحمة ، والباب الذي يدخل منه ، وفي الإكليل من حديث عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن مولاه : أنه أخبره أن المسجد كان على عهده - صلى الله عليه وسلم - مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر ، وبناه على بنيانه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إني أريد أن أزيد في قبلتنا ما زدت ، فزاد ما بين المنبر إلى موضع المقصورة ، ثم غيره عثمان ، وزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى : جداره بالحجارة المنقوشة ، والقصة ، وجعل عمده حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج ، وفي حديث مالك بن مغول ، عن رجاء ، قال : كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز ، أن يكسر مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحجراته ، وكان قد اشتراها من أهلها ، وأرغبهم في ثمنها ، وأن يدخلها في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء عمر ، فقعد ناحية ، وقعدت معه ، ثم أمر بهدم الحجرات ، فما رأيت ، باكية ولا باكيا أكثر من يومئذ جزعا ، حين كسرت ، ثم بناه ، فلما أراد أن يبني البيت على القبر ، وكسر البيت الأول ، الذي كان عليه فظهرت القبور الثلاثة ، وكان الرمل الذي كان عليها قد انهار عنها ، فأراد عمر يسويها ، ثم يضعون البناء ، قال رجاء : فقلت : إن قمت قام الناس معك ، فوطئوا القبور ، فلو أمرت رجلا أنْ يصلحها ، ورجوت أن يأمرني بذلك ، فقال : يا مزاحم ، قم فأصلحها ، قال رجاء : فأكرمه الله بها .
وفي حديث يزيد بن رومان قال معاوية : في منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - : فجعله ست درجات ، وحوله عن مكانه ، فكسفت الشمس يومئذ ، قال أبو عبد الله : وقد أحرق المنبر الذي أحدثه معاوية ، ورد منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكانه . وفي حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي نعيم الحافظ لما بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد جعل سقفه جريدا ، وكان إذا بسط يده لحقت السقف . وفي كتاب الروض لأبي زيد : كان مربد التيمي في حجر معاذ بن عفراء ، وعن الشفاء بنت عبد الرحمن قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمه جبريل إلى الكعبة ، ويقيم له القبلة ، وكانت من اللبن ويقال : بل من حجارة منضودة ، بعضها على بعض ، ثم إن المهدي بناه ووسعه ، وزاد فيه ، وذلك في سنة ستين ومائة ، ثم زاد فيه المأمون في سنة ثنتين وثمانين ، وأتقن بنيانه ، ثم لم يبلغنا أن أحدا غير منه شيئا ، ولا أحدث فيه عملا .
وفي كتاب أخبار المدينة لأبي زيد بن شبة : أن العباس قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ألا نبني لك مقصورة ، حجابا يكلمك الناس من ورائه ، يكف عنك ضغاطهم ، وأذاهم ؟ قال : لا بل أصبر لهم فضول قدمي ، وبناني حتى يريحني الله منهم ، قال ابن شهاب : فكان أول من عمل المقصورة معاوية ، فأما التي في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم ؛ فإن عمر بن عبد العزيز ، عملها حين بنى المسجد بأمر الوليد ، وكانت حين عملها مرتفعة عن الأرض ذراعين ، فخفضها المهدي فهي على حالها إلى اليوم ، وفي لفظ : أول من أحدث المقصورة مروان في عمل معاوية بحجارة منقوشة ، وجعل فيها كوى ، وفي لفظ : أول من عمل مقصورة بلبن عثمان بن عفان ، وكانت فيها كوى ينظر الناس فيها إلى الإمام ، وإن عمر بن عبد العزيز عملها بالساج ، قال : والذي بلط حوالي المسجد بالحجارة معاوية ، أمر بذاك مروان ، وعمل له أسرابا ثلاثة تصد فيها مياه المطر ، وأراد أن يبلط بقيع الزبير ، فحال ابن الزبير بينه ، وبين ذلك ، وكان بين يدي المنبر مرمر ، تطرح فيه طنفسة لعبد الله بن حسن بن حسن ، فلما ولي حسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة ؛ غير ذلك المرمر ووسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري على ما هو عليه اليوم ، فلما قدم المهدي قال لمالك : إني أريد أن أعيد منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حاله التي كانت عليها ، فقال مالك : إنه من طرفاء ، وقد سمر إلى هذه العيدان ، وشد فمتى نزعته ، خفت أن ينهار ، ويهلك فلا أرى أن تغيره ، قال أبو زيد : فانصرف رأي المهدي ، عن تغييره - والله أعلم - .