باب تطهير المساجد وتطييبها
حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم ، وأحمد بن الأزهر ، ثنا مالك بن سعير ، أنبأنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالمساجد أن تبنى في الدور وأن تطهر . وثنا رزق الله ، ثنا يعقوب الحضرمي ، ثنا زائدة ، عن هشام به مرفوعا . هذا حديث رواه ابن خزيمة في صحيحه ، عن عبد الرحمن بن بشر بلفظ : أمر ببناء المساجد في الدور ، وعن أحمد بن الأزهر بزيادة : وأن تطهر وتطيب ، فهذا ابن ماجه كما ترى أدرج لفظ أحد شيخيه ، على لفظ الآخر وأخل بلفظ أحدهما مع ذلك ، ورواه ابن حبان في صحيحه ، عن الحسن بن سفيان ، ثنا أبو كريب ، ثنا الحسين بن علي ، عن زائدة ، عن هشام بلفظ : وأن تطيب وتنظف ، وذكره ابن حزم محتجا به ، وقال أبو الحسن بن القطان : لا شك في صحة رفعه ، وأبى ذلك جماعة منهم : ابن أبي حاتم ، إذ سأل أباه عنه فقال : إنما يروى عن عروة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل ، ولما رواه أبو عيسى ، عن محمد بن حاتم ، عن عامر بن صالح ، عن هشام بن عروة أتبعه : ثنا هناد ، ووكيع ، وابن أبي عمر كلهم ، عن سفيان ، عن هشام ، عن أبيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره ، وقال : هذا أصح من الأول ، قرأت على المسند بقية السلف أبي العباس أحمد الخطوي ، أنبأكم عبد اللطيف بن عبد المنعم ، عن يوسف بن المبارك قال : أنبأنا سعد الخير قراءة عليه ، وأنا أسمع في شوال سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ، أنبأنا الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد العزيز الأبهري ، أنبأنا الشيخان أبو بكر محمد بن الحاجب ، وأبو حفص عمر بن جاباري ، عن أبي سعيد القاسم بن علقمة قال سعد الخير ، وأنبأنا أيضا أبو المحاسن عبد المحسن بن عبد العزيز بن عبد السلام الأبهري ، أنبأنا أبو حفص ، أنبأنا أبو سعيد بن علقمة ، أنبأنا الحافظ أبو علي الحسن بن علي بن نصر بن منصور الطوسي ، قال : وقد روى عامر الزبيري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره مرفوعا قال : وروى وكيع ، وعبده جميعا عن هشام ، عن أبيه مرسلا .
وهذا أصح من حديث الزبيري ، وقال عبد الحق : إسناده مشهور ، وإن كان قد روي مرسلا ، وهذا لعمري قول إذا حقق لم يحقق ؛ لأن هذا الحديث أسنده جماعة من أصحاب هشام ، منهم : سفيان بن سعيد الثوري من رواية علي بن الحسن بن أبي عيسى ، ثنا عبد الله بن الوليد عنه ، ويحيى بن هاشم من رواية أبي بكر بن خلاد ، عن الحارث بن أبي أسامة عنه فيما ذكره أبو نعيم الحافظ ، وقال الفضل بن دكين : ثنا سفيان ، عن هشام فذكره مرفوعا ، وزعم أبو الحسن علي بن عمر أن عبد الله ابن المبارك ، وابن عيينة ، وعبيد الله بن عروة ، ويونس ، وحبان بن علي رووه ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، والصحيح عن جميع من ذكرنا ، وعن غيرهم : عن هشام مرسلا . انتهى كلامه . ولو رأى حديث الثوري سفيان لأذعن له كل الإذعان ؛ لأنه مسند كالشمس لا مرية في صحته ولا لبس ، ولقائل أن يقول : هب أن سائر المخلوقين خالفه ، ولم يتابعه أحد له عارفة فكان ماذا ؟ أليس قوله أولى بالصواب؟ وإليه في الحفظ والإتقان المرجع والمآب ، لا سيما ، ولم يرو خلاف قوله إلا عن ابن عيينة ، وقد تقدم الخلاف عليه في ذلك ، وهذه مسألة اختلف فيها : هل الحكم للمسند ، أو المرسل؟ وهل يعتبر فيهما الأحفظ ، أو الأكثر؟ ، وهل الحكم للزائد ، أو للناقص؟ ، وهل إذا تساويا يكون علة مؤثرة أم لا؟ ، وهنا يترجح ألا خلاف في هذا الحديث ؛ لأن الذين أسندوه أكثر وأحفظ من الذين أرسلوه ؛ ولأن الزيادة من الثقة الحافظ مقبولة إجماعا - والله أعلم - .
وقد روى أبو داود في سننه حديثا شاهدا له من حديث سمرة بن جندب ، وكتب إلى بنيه أن رسول الله : كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ، ونصلح صنعتها ، ونطهرها ، ولفظ أحمد في مسنده : وأمرنا أن ننظفها ، ولما ذكره أبو محمد الإشبيلي بعد حديث عروة قال : الأول أشهر إسنادا ، قال ابن القطان : يقتضي ظاهر كلامه أن حديث سمرة يلتفت إليه بحيث يفاضل بينه وبين حديث عائشة ، وهذا لا شيء ؛ لأنه إسناد مجهول البتة ، فيه جعفر بن سعد بن سمرة ، وخبيب بن سليمان بن سمرة ، وأبوه سليمان ، وما من هؤلاء من تعرف له حال ، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم ، وهو إسناد تروى به جملة أخبار ، ذكر البزار منها نحو المائة ، ولما ذكر عبد الحق حديث سمرة بهذا الإسناد فيمن نسي صلاة أو نام عنها ، قال في هؤلاء : ليسوا بأقوياء انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث إن هؤلاء ليسوا كما قال ؛ بل حالهم معروفة ، لا مجهولة ، أما جعفر ، فروى عنه جماعة منهم : سليمان بن موسى ، ومحمد بن إبراهيم بن خبيب ، وعبد الجبار بن العباس الشبامي ، وصالح بن أبي عتيقة الكاهلي ، وسليمان بن سمرة روى عنه ابنه خبيب ، وعلي بن ربيعة الوالبي ، وخبيب بن سليمان ، ذكرهم ابن حبان البستي في الثقات ، وروى أبو بكر الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير ، عن القاسم المطرز ، ثنا العلاء بن سالم ، ثنا حفص بن عمر ، ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي الزبير ، عن جابر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا باتخاذ المساجد في الدور ، ورواه أبو نعيم ، عن عمر بن أحمد القاضي ، ثنا العباس بن علي ، ثنا العلاء بن سالم ، فذكره ، وفي علل الدارقطني روى قران بن تمام ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن الفرافصة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه أمر ببناء المساجد في الدور ، وأن تطيب ، ولا يصح ، وقد قدمنا ذكر المساجد التي كانت في الدور .